يوم من أيام الكتابة

حجم الخط
7

تأخّرت جدا في الكتابة…يجب أن أعود للكتابة…هذا هدر للأفكار التي تتزاحم في فكري ووجداني…أدعها تذهب هكذا..؟هباء..؟هذا إجرام بحقي وحقها..
أجلس على مكتبي «طاولتي بالأحرى»أمسك بالقلم كي أبدأ…
كم كانت الفكرة جميلة البارحة قبل أن أغفو، تفاعلت معها…كتبتها جلّها في مخيّلتي ’ لكن عندما أردت نسخها على الورق، بقيت منها بعض الكلمات فقط..؟ بل ماهو أدهى أن روحها فارقتها…لم تعد أكثر من خطوط سوداء على ورق أبيض، لم يعد بإمكاني التناغم معها أو الإحساس بها..كم هذا فظيع…
لا أدري لماذا تلحّ الأفكار في أوقات غير مناسبة تماما، كأنها تختبر ولاءك، إخلاصك المطلق ووفاءك لها دون سواها..
صاحبة الجلالة إذا حطّت الرحال يجب أن تلغي كل شيء، فهي لاتعذر أرقك وحاجتك إلى النوم ولا تعذر تواجدك في زحمة الناس ولا تعذر قيادتك للسيارة ولا جلوسك في قاعة الإنتظار عند طبيب الأسنان ولا ولا…
صاحبة الجلالة إذا حلّت يجب أن تلغي كل شيء آخر، لا يزاحمها شيئ إطلاقا…
ويبدو أن حظي معها قليل كوني لا أستطيع إلغاء كل واجباتي، ولا بإمكاني توقّع حضورها «لاّلّة مولاتي»…
كل الناس يناسبهم الصيف وأيّامه الطوال، أحب الصيف وأحب شمسه وو…لكنّي أفشل خلق الله في التعامل مع بذخه وترفه «الوقتي»لا يمكنني ضبطه فيذهب يومي هكذا دون كتابة…والأيام دون كتابة تشبه التيه….
ماما… «من بعيد» هل وضعت السكر في الحليب؟ ذهبت اليها..صغيرتي في إمكانك سؤالي عن قرب، لماذا تناديني من بعيد؟ متى تغيري أنت وإخوتك هذه العادة؟ من يحتاجني يأتي إليّ..لا تنادي من بعيد…لم أضع السكر «أتعامل معه كالسم» كان في إمكانك تذوّقه كي تعرفي هل هو حلو أم لا…
عدت لمكتبي..كتبت سطرين أو ثلاثة، أنظر إلى رواية «يالو» للكبير إلياس خوري على يميني بقربها ورقة بيضاء كتبت عليها مصادر دراسة خاصة برسالة الماستر، أمامي نصف ورقة كتبت عليها فكرة لمقال….على يساري تأمّلات حول المنفى للراحل إدوارد سعيد، لم أكمل كلا الكتابين، ليست من عادتي ترك الكتب في المنتصف ولا من عادتي كتابة أنصاف وأرباع مقالات، وتركها لعجزي عن إتمامها في آنها…هذه عادات سيئة بدأت إحترافها في الآونة الأخيرة..
أكثر الأشياء إيلاما للنفس أن تهجر كتابا إقتنيته بحب كي تقرأه، أن تعجز على حمل القلم وتكتب ما جادت به روحك في تلك اللحظات وكأنّ سيفا سيقسمك نصفين إن فعلت..
كراس كبير أصفر، كراس كبير أسود تخترقه زهور من ألوان زاهية، كتاب في الإعلام والإتصال، قلم أخضر،قلم أحمر، قلم أزرق وأنا أكتب بقلم الرصّاص…فوضى…
ماما..أسمعك سورة البروج..؟ صغيري أنت تحفظها، سمّعني سورة الإنشقاق..لا ماما يجب أن أضبطها جيدا كي أحفظ الإنشقاق…يا ربي…تعال سمّعني.
ماما…لقد عقدت هدنة مع أختي «سمّاها هدنة بالفصحى» لن نتعارك مرّة أخرى…
..يبشرك بالخير، بإمكاني الكتابة بهدوء»قلت في نفسي».
ماما… «صغيرتي هذه المرّة» لا أريد أن أعود للمتوسطة التي درست فيها العام الماضي..صغيرتي تحدّثنا في الموضوع إصبري حتى التسجيلات وسأرى ما الذي بإمكاني فعله..
رنّ هاتفي..الوا.أهلا حبيبي.. « كيف الحال» بخير توحشتك..صح..والله…كتبت شيئا ما.؟ لا أبدا لا أكتب وأنت بعيد عني..علت ضحكته..منى خذي صغيرتك تزاحمني في الحديث تود الحديث معك..ماما…قالتها لي بشوق..وجدت بنطالا جميل جدا وبدأت تصف في قصّته..ياصغيرتي مقطّع في ركبتيه وإحنا داخلين على الخريف والشتاء ؟ يجيك برد، شوفيلك نوع آخر..
قفلت الخط.
ماما…عادت صغيرتي لما نهيتها عنه قبل قليل..
ماما أخرى ما قرع للباب..صرخت..قلت لكما دعوني أكمل الكتابة..النافذة مفتوحةأظن جارتي سمعتني.. «حشومة».
عدت للكتابة…
ماما..هذه المرّة مع إقتحام الغرفة، صرخت مرّة لن أصرخ مرّتين..
ماذا هناك…؟
ماما..لماذا أنت غضبانة؟ صغيري لا أستطيع التركيز وأنت تناديني مع أختك بين الفينة والأخرى، ماما..تريدين كتابة خبرلتنشريه؟ «لم أصحّح له الجملة لأنني لم أكن بصدد كتابة خبر بل مقالّ».
ماما..لا تكتبي..لازم تكتبي؟؟.
صغيري لا يعلم أنّ كل ما أقوم به من واجباتي او ما أقوم به لأستمتع بأوقاتي لا يغنيني عن الكتابة، فبدونها أصبح جسدا بلا روح، تزاحمني الكلمات في داخلي، تؤرقني إن لم أطلق سراحها، يعذبني سجنها في داخلي، حريتها وهي تتراقص على صفحات الورق تمنحني شعورا لا يوصف بالسعادة والإتزّان
كتابتي حريّتي.

كاتبة جزائرية

يوم من أيام الكتابة

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية