يَوْمُ الأَرْض: يَوْمُ الكُوفيَّة الفِلسطِينيَّة المُرَقّطة وَأَغْصَان الزَّيْتُون!

خلّد الشعب الفلسطيني الذكرى الواحدة والأربعين ليوم الأرض الذي بدأ الفلسطينيون في إحيائه غداة إستشهاد ستة من المواطنين الفلسطينيين في الثلاثين من آذار/مارس من عام 1976، وعندما تمّ الإعلان عن الإضراب الشامل في هذا اليوم، تفاقمت حدّة المواجهات ممّا أفضى إلى إستقدام، وإستخدام إسرائيل للدبّابات، والمجنزرات لإقتحام القرىَ، والضِّيَع، والأصقاع، والمداشر الفلسطينيّة، وكلما حلّت هذه الذكرى يقوم الفلسطينيّون بفعاليات، وتظاهرات كبرى إحياء لها ،وتحتفل معهم كلّ الشعوب الحرّة المُحبّة للسّلام التي تتفهّم مطالبَهم العادلة،وتؤيد قضيتَهم المشروعة في مختلف أرجاء المعمورة. ويعمل الفلسطينيون في هذه المناسبة على تجديد تشبّثهم، وتأكيد تمسّكهم والإعراب عن تعلّقهم، بأرضهم إخلاصا، وولاء، وذودا، ودفاعا عن هذه البقاع الطاهرة التي رأوا على ثرى أديمها نورَ الحياة .

تجديد وتأكيد العهد على جدار العار

وقد عبّر الشّعب الفلسطيني منذ ذلك التاريخ لإسرائيل المتعنّتة أنهم لن يتنازلوا عن أراضيهم مهما كان الثمن غاليا، كما عبّروا عن إستعدادهم للتضحية بالنّفس، والنّفيس من أجل هذه الغاية الشريفة. وقد دفعت حالات الهلع والرّعب الكيان الصهيوني إلى رفع جدار العار ليفصلوا بينهم وبين أرضهم، وبهدف تضييق الخناق على المواطنين الفلسطينيين الذين كتبوا، ونقشوا، وحفروا، ونحتوا على واجهات هذا الجدار عبارات، وشعارات، ورسومات التحدّي يجدّدون فيها العهدَ، ويؤكّدون العزمَ على الوفاء لأرضهم الأمّ الرّؤوم لكلّ فلسطيني أينما كان، وما فتئ الفلسطينيّون يغرسون أشجارَ الزيتون في أراضيهم إلى اليوم،ويرفعون أغصانَها الخضراء النديّة عالية في الفضاء،وتحت مختلف قِباب المحافل، والهيئات، والمنظمات الدوليّة تعبيرا منهم عن حبّهم، وتمسّكهم بأرضهم ونزوعهم للسّلام . وما إنفكّت قصاصات الصّحف، ووكالات الأخبار،ووسائل التواصل الإجتماعية على إختلافها تمطرنا،وتعيد إلى أذهاننا في كلّ حين شذرات من الأخبار، والأحداث التي ظلّت راسخة في ذاكرتنا، وتعيدها إلينا في هذا التاريخ الذي يتمّ فيه إحياء كلّ عام ذكرى يوم الأرض الذي كان صرخة إحتجاجية مدوّية صاخبة في وجه سياسات المصادرة والتهويد التي نهجتهما إسرائيل ضدّ السكّان الفلسطينيين الآمنين في العديد من الأراضي، والقرىَ، والمداشر، والعشائر، والأرباض لإقامة المزيد من المُستوطنات في نطاق المُخطط الصّهيوني لتهويدها، وتفريغها من سكانها الشرعيّين.
أحداث تاريخية متوالية مؤلمة خبّأها القدر لأبناء فلسطين الذين تمّ إبعاد العديد منهم خارج وطنهم، وأرضهم، وعن ذويهم، وأحبّائهم، وخلاّنهم قهرا وقسرا،وعُنوة، فانتشر منهم الكثير في بلاد الله الواسعة في غياهب المهاجر، ومنازل الإغتراب، من أقصى أصقاع العالم إلى أقصاه، ولكنّهم على الرّغم من نأيهم عن أرضهم، وبُعدهم عن وطنهم، ظلّوا مشدودين إلى جذورهم بالجَلد، والأناة، والتحمّل، والصّبر، والتمرّس، والتمنّع والمواجهة، والمقاومة، والتحدّى، والإصرار، والنضال الذي لا ينطفئ لهيبُه، ولا يخبُو أوارُه.

ذكريات أليمة

ونستحضر بهذه المناسبة ذكريات أليمة عاشها الشعب الفلسطيني حيث عملت الصّهيونية العالمية منذ إبعادهم وإقتلاعهم، وإقصائهم عن بلدهم عام 1947 بلا كلل،ولا ملل، وبدون هوادة من أجل القضاء ليس فقط على هذا الشّعب وإستئصاله من جذوره، وطمس شخصيّته، وإجتثاث هويّته، ومحو كلّ أثر له، بل إنّهم حاولوا محوَ حتى جغرافيته، وتغيير تضاريسها، وعملوا على تشويه تاريخه، وطمس تراثه في حملات لا تنقطع بإستعمال مختلف ضروب الحِيل، والأكاذيب،الدسائس، والخسائس، والمكر، والمكائد لتحقيق هذه الغايات الدنيئة. ثمّ إنطلقت الثروات ،والإنتفاضات الواحدة تلو الأخرى، حيث طفق هذا الشّعب في كتابة صفحات جديدة من تاريخه النضالي المجيد، حاملا رمزَ كفاحه، وثورته، وتمرّده الكوفية الفلسطينية المُرقّطة، والمنديل الفلسطيني المُميّز، وأغصان أشجار الزيتون،وعمل على صون هويّته، والحفاظ على جذوره، وإستعادة ذاكرته التاريخية، والثقافية، والتراثية الجماعيّة. وما فتئت الآلة الحربية الإسرائيلية تقتّل، وتنكّل بهذا الشعب بدون رحمة، ولا شفقة، وتزجّ بأبنائه وبأحفاده في غياهب وظلمات جحيم السّجون، ليُحْرَمُوا ليس فقط نعمة الحياة الكريمة، وصلة الرّحم مع ذويهم، وأهاليهم، وأقربائهم، بل ليُحْرَمُوا كذلك من قوتهم اليومي لسدّ الرّمق، والعيش الهانئ الرّغيد، وما إنفكّت الأنفس تتنفّس الصّعداء.

مسألة بقاء أو لا بقاء

المسألة إنّما هي مسألة بقاء أو لا بقاء ليس إلاّ، فمنّا مَنْ ما فتئ يذرف الدّموعَ حرّى ساخنة، وينزوي بنفسه لينظمَ كلماتٍ شعرية مسجوعة، مشحونة بالغضب، والحَنق، والضَنك، والإنتقام.. وتمرّ الأيام، وتنقضي الليالى، وفي رَحِمها، وخضمّها تتولّد، وتنبعث، وتستجدّ الأحداث، وننسى، أو نتناسى ما فات،المآسي ما زالت تترىَ، وتنثال أمام أعيننا، وعلى مرأى ومسمعٍ منّا، فيشاطرنا العالمُ طورا أحزانَنا، وأحيانا يجافينا. ويكتفي بعضُنا بالتفرّج ،والتحديق، والتصفيق، والتهليل،والتعليل، والتحسّر،والتأثّر بلغة باكية، شاكية، كئيبة، حزينة، أمّا الآخرون فإنّهم يتعنّتون، ويتمنّعون، ويتمسّكون بكلّ شبر سطوا عليه، وبكلّ مدينة عَلِقوا بها، يبسطون نفوذَهم، وتأثيرَهم ليس على الأرض وحدها، بل على الأفئدة، والألباب، والعقول، والألسن، وهم ماضون في غطرستهم، مُتمادون في تبجّحهم ،مُمْعِنُون في خيلائهم، وكبريائهم. لوحات الشّرف المُنمّقة ما زالت تملأ حيطانَ دورنا، وتعلو جدرانَ قصورنا، وبيوتاتنا، وما أكثرَ النياشين، والأوسمة التي تتنمّقُ وتتشدّق بها صدورنا، وما أكثرَ ما نعود الزمانَ القهقرى لنعانقَ التاريخَ، ونستلهمَ منه العبرَ، والحِكمَ، والدروسَ، وننقّبَ عن مناقب جديدة لإستئناف مسيرتنا، ولقد علّمتنا الأيام، ولقنتنا الليالي أنّ الآخرين قد زالت الرّحمةُ من قلوبهم، وكأنّها قلوب صيغت من فولاذ صلد، لا يميّزون بين الصّغير والكبير، إنّهم ينكّلون بدون رحمة..وما إنفكّ العالم ينظر، ويتفرّج بدون إكتراث..!

لا يسألون أخَاهم حين يندُبهم

وما برحنا نستذرّ عطفَ العالم ورضاه، ونستجدي رحمته وعطفه، ونصف له فداحةَ الأهوال، وسوءَ الأحوال، وقساوة الفظائع التي تُرتكب في حقّ شعب لم يعانِ شعب آخر ممّا عاناه، إنّنا قومٌ حالمون، ومُنبهرون، مَشدوهون، منشغلون بإطفاء الأوار المُستعر وسط ساحاتنا، ومياديننا، وحول مرابضنا، وأرباضنا، وداخل بيوتاتنا، وأحيائنا. إخواننا الفلسطينيون ما برحوا يعانون بعض الشّقاق الداخلي، ويواجهون لعنة التشرذم، وفتنة الخلافات، وأمسى التصدّع قابَ قوسين أو أدنى من أن يُصيبَ صرحَ الوحدةَ الوطنية المنشودة، والأمل دائما معقود على التصالح، والتسامح، والتصافح، والتقارب والتصافي، وإقصاء التجافي، والتداني، والتفاني، والتفاهم، ورأب الصّدع، وإلتئام الفصائل ولمّها ،والبحث عن البدائل،وتسخير وتفجير كلّ الطاقات، وإستغلال كلّ الخِبْرات، والنبش في التراب والتراث. وفي الثّرىّ والثريّا إذا إقتضى الحال.
تاريخنا حافل أثيل، وماضينا تالد مجيد، وتراثنا زاخر باهر،. إننا قومٌ كُثر، والكثرة قوّة، قالها ذات يومٍ فارسٌ من حيّنا: (لا يسألون أخَاهم حين يندُبهم / في النائبات إذا قال برهانَا…) ! وقال آخر إنّهم دائما: (حُشدٌ على الحقّ عيّافُو الخَنَا أنُفٌ /إذا ألمّت بهم مَكرُوهةٌ صَبرُوا….) ! (وأردف آخر: (وأقسم المجدُ حقّا ألاّ يحالفُهم /حتى يحالفَ بطنَ الرّاحَة الشّعرُ..) ! وأضاف آخر منهم جاهرا: (تُعيّرنا أنّا قليل عديدُنا / فقلت لها إنّ الكرامَ قليل…)! وعلى الرّغم من هذه الذخائر، والأنفة، والشّموخ ،والسّؤدد، والعزّة والمجد، فإنّ أعوادَنا هشّة، ضعيفة، طريّة، واهية، ،ننطلق بلا هوادة، وبلا بَوْصَلة، ولا هادٍ نحو بطولات فردية دونكيشوتية وهمية لا طائل تحتها..!

إبتسامة الجيوكاندا

إنّنا قوم رحماء بأنفسنا، وبذوينا، وأقربائنا، ،نذوذ عن حوضنا وجيراننا بسلاحنا، مشهود لنا ،ومشهورون بالصّفح والتسامح والإيثار..! رحماء فيما بيننا، نعطف على الصّغير والكبير، والقويّ والضعيف ،معروفون بالجَلد واللين، والبأس والشدّة، والقوّة والرّخاوة، والصّلابة والطراوة.!. ،حتى وإن كانت بنا غِلظة، وحتى وإن كانت بنا أثَرَة. إننا معروفون بهذه الثنائية المُركّبة التي طالما تغنّى بها نبغاؤنا، وشعراؤنا، إننا ما برحنا نردّد في كلّ حين مُنبهرين: (نحنُ قومٌ تذيبنا الأعينُ النّجْلُ /على أنّا نذيبُ الحديدَا…)، (طوعُ أيْدى الغرامِ تقتادنا الغيدُ / ونقتادُ في الطِّعان الأسودَا…) ،(وترانا يومَ الكريهة أحرارا / وفي السِّلمِ للغوانيِ عبيدَا…) !
كلٌّ واحدٍ منّا يحمل صخرته السّيزيفيّة على ظهره ويمضي، كلُّ واحدٍ منّا مرسوم على محيّاه الجانب العبوس المقطّب من وجه «موناليزا أو»الجيوكاندا» للإيطالي النهضوي النّابه ليوناردو دافينتشي، فلا هو بالوجه الحزين، ولا بالمُحيّا الجَذِل بالباسِمِ الضحوك، ولا هو بالوجه الباكي الشاكي، كلٌّ يَحمِلُ هُمومَه، وقلقَه، وهواجسَه،ونكدَه،وضنكَه، وأوهامَه على كاهله ويمضي،ولا أحدَ يبالي به، ولا بآلامه ومعاناته، ولا أحد يكترث بأحزانه ومعاناته ! .

٭ كاتب ودبلوماسي مغربي

 

يَوْمُ الأَرْض: يَوْمُ الكُوفيَّة الفِلسطِينيَّة المُرَقّطة وَأَغْصَان الزَّيْتُون!

محمّد محمّد الخطّابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية