دأبت إسرائيل على التنصل من تنفيذ القانون الدولي الإنساني في أراضي الضفة الغربية المحتلة و القدس الشرقية و قطاع غزة المحتلين منذ ما يزيد عن سبعون عاما كان خلالها المدنيين العزل من النساء و الأطفال أهداف سائغة لأعمال عسكرية بغيضة ترقى إلى مستوى جرائم حرب.
التحقيقات النزيهة و المحايدة و المستقلة التي قامت بها لجان تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة و منظمات دولية و غير حكومية كمنظمة العفو الدولية أكدت بأن تدمير المنشآت المدنية والبنية التحتية واستهداف المدنيين و عدم احترامهم و رعايتهم تحت الاحتلال واستهداف مصادر رزقهم و انتهاك القانون الدولي الانساني و معاهدات جنيف في سياق العقاب و الردع و الانتقام الجماعي ضد الشعب الفلسطيني و عزل القدس الشرقية عن محيطها العربي و الاسلامي و المسيحي و حرمان الفلسطينيين مسلمين و مسيحيين من الوصول و الصلاة في المسجد الأقصى و الحرم الابراهيمي و كنيسة القيامة و كنيسة المهد و تهجيرهم عنوة ضمن سياسة تهويدية ممنهجة; ليست الا جرائم ضد الإنسانية تتطلب محاكمة مرتكبيها من مسؤولين و جنود في محاكم دولية على غرار محاكم النازيين و محاكم الإبادة الجماعية في رواندا و يوغوسلافيا و ليبيريا.
ان أكثر القتلى من المدنيين النساء و الأطفال و الكهول استخدمتهم إسرائيل كدروع بشرية في انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي وصلت إلى حد استهداف سيارات الاسعاف و المستشفيات و العيادات و دور العبادة و منع وصول المساعدات الإنسانية و الأدوية و المواد الغذائية و المؤن و استهداف الصحافيين لمن ايصال الحقائق و تزييف الحقائق و تضييق الخناق على الشعب الفلسطيني لكسر ارادته و صموده و اجباره على الإذعان للمشاريع اليهودية الصهيونية التي تهدف إلى فرض الأمر الواقع و احكام القبضة الحديدية على الأراضي المحتلة و القدس الشريف.
جرائم إسرائيل لا تختلف عن جرائم ما تسمى بالدولة الإسلامية و اذا كانت الأخيرة مجموعات من الخوارج المارقين الذين يستهدفون الدين الإسلامي الحنيف بأفكار ظلامية منحرفة تهدف إلى ضعضعة قدرات الشعوب و الدول و استنزاف خيراتهم و ثرواتهم و تمزيق و حدتهم و إثارة النعرات و الشقاقات الطائفية و الدينية بين أتباع الأديان و ضرب الحضارات و طمس هويتها الاسلامية و المسيحية و الانسانية و التاريخية التي كانت معينا لا ينضب لأجيال خلت و أجيال لاحقة و أعمال القتل الجماعي و قطع الرؤوس و العبودية و المتاجرة الرخيصة بالنساء و الأحرارفان إسرائيل عضو في الأمم المتحدة و حليف لدول عظمى ثابرت على تلقين الشعوب دروسا عن الديمقراطية و حقوق الإنسان بينما تمارس كافة أشكال التنكيل و التعذيب و التمييز العنصري و البطش و الدمار بحق الشعب الفلسطيني و الشعوب المجاورة بل و تطالب الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية لتأجيج المشاعر الدينية و تحويل الصراع السياسي في فلسطين إلى صراع ديني بامتياز.
ما يزيدنا ألما هو أنه بينما تقوم طائرات التحالف الأمريكي و الأوروبي و الروسي و العربي بدك معاقل الإرهابيين من الخوارج في سوريا و العراق، تقف هذه الدول مجتمعة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها القانونية و التاريخية و الأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني لإجبار إسرائيل على وقف انتهاكاتها الصارخة لمبادئ القانون الدولي الإنساني و قرارات الأمم المتحدة و مجلس الأمن الدولي و اتفاقية جنيف الرابعة و اتفاقية لاهاي التي تحظر المساس بالمعالم الدينية التي تمثل بعدا روحيا و ثقافيا و حضاريا و إنسانيا و فكريا للأمم.
رغما عن الأوضاع الكارثية المأساوية في فلسطين المحتلة و توقع البعض بانتفاضة ثالثة، لا أتوقع انتفاضة ثالثة فهذه لن تكون الجريمة الأولى و لا الأخيرة لإسرائيل فالجرائم و المجازر الإسرائيلية بحق الأهل و الوطن و المقدسات الاسلامية و المسيحية على كافة التراب الوطني الفلسطيني في الضفة الغربية و القدس المحتلة و الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك و الحرم القدسي الشريف من قبل جيش الاحتلال و قطعان المستوطنين اليهود متواصلة و مستمرة منذ الـ 1948 حتى الآن وسط عجز دولي عن توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي و في ظلال حروب دموية تعصف بالمنطقة العربية مؤهلة للتفاقم و مزيد من العجز الاقتصادي و عدم الاستقرار و الشرذمة و نزيف خيرة الكوادر البشرية و الفكرية.
نصغر أمام شهدائنا العظام وهم يتلقون بصدورهم العارية رصاص الاحتلال الإسرائيلي الغاشم و نصغر أمام أبطالنا القابعين في زنازين الاحتلالات و أقبيتها المنتنة برائحة البارود و الموتو لكن علينا عدم الانجرار إلى حرب مكلفة غير متكافئة الفرص مع عدو مارق يحظى باحترام دول عظمى و سط عجز عربي إعلامي عن كشف الحقيقة الجالية للجميع في المحافل الإعلامية الدولية و مراكز صنع القرار العالمي. و لكن أهم من ادانة و استنكار ما يتعرض له الأقصى على أيدي جنود الاحتلال و الأهم من استنكار الارهاب الإسرائيلي المنظم بحق الشعب الفلسطيني الأعزل في الداخل المحتل علينا توحيد و رص الصفوف و التشديد على الوحدة الفلسطينية الفلسطينية و الفلسطينية الأردنية و العربية الاسلامية و المسيحية في وجه الابارتهيد العنصري و الغطرسة و التعنت الإسرائيلي ودعم جهود جلالة الملك عبد الله الثاني الوصي التاريخي على المقدسات الإسلامية و المسيحية في منع المزيد من إراقة الدماء و الارتقاء إلى مستوى التضحيات الجسام و النضالات الشجاعة و المشروعة في وجه الدسائس و المؤامرات الهادفة إلى تدنيس المقدسات و استباحة الدماء و الأعراض و منع إقامة الكيان الفلسطيني المستقل على كافة التراب الفلسطيني المحرر وعاصمته القدس الشرقية تماشيا مع قرارات الشرعية الدولية ومرجعيات الأمم المتحدة و شرائع التسامح و التعايش بين الأديان و الحضارات و الشعوب.
د. منجد فريد القطب