صدر العام الماضي كتاب بعنوان «السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي» لسعاد الناصر، عن مكتبة سلمى الثقافية في تطوان، ليضيف لخزانة شهرزاد واحداً من الكتب المهمة التي تبحث في ذلك الكائن اللغوي المغوي: السرد، وهو يحرّض المرأة على أن تتم حكايتها، وتفرض وجودها الأدبي والفكري والثقافي.
تبدأ الناقدة كتابها بتوطئة منهجية مهمة تظهر فيها نقاطاً متعددة، أبرزها أهمية هذا الكتاب والغاية من تأليفه، موضحة حدوده والثيمات الفنية والفكرية التي يهتم بها، وأسلوبها في معالجة تلك الثيمات، فهي تذكر منذ البداية أنّ هذه الدراسة تندرج ضمن مشروع اهتمامها «بقضايا المرأة بصفة عامة، وعلاقتها بالكتابة الإبداعية بصفة خاصة»، وهي تستعين في دراستها بمنهج نصي تحليلي، حيث تفرز النصوص ذاتها أدواتها النقدية، ولا تخضع الناقدة نفسها لمناهج مسبقة قد تجور على الإبداع، نابذة الأحكام الجاهزة، والصراع المفتعل بين الرجل والمرأة. وقد جاء كتابها في بابين وأربعة فصول على النحو التالي:
الباب الأول: معالم متجددة في الموقع والمفهوم والقضية.
مواقع المرأة العربية: حول الصورة الحضارية للمرأة في الإسلام، والصورة النمطية للمرأة في الثقافة العربية، والمرأة حضور أم غياب في المشهد الثقافي العربي.
السرد النسائي وقلق المفهوم والقضية: وهو يتناول انطلاقة الكتابة النسائية في العصر الحديث، وفتنة المصطلح، وقضايا الذات والتحرر في السرد النسائي.
الباب الثاني: شهرزاد تحكي:
التشاكل الأنثوي في السرد النسائي: وفيه تقسم سعاد الناصر مستويات ذلك التشاكل إلى المستوى الطيني والمستوى الروحي والمستوى المتوازن.
التشكيلات الجمالية في السرد النسائي: وهو يتمحور حول جمالية العنوان وبلاغة الزمن السردي وتجليات الوصف، وتغلغل الوعي الفكري والجمالي في الأدب النسائي.
وقد سبقت تلك الأبواب والفصول توطئة أشرنا إليها، وتمهيد تمنح فيه الناقدة للقارئ جواز مرور سلس نحو موضوعها، كما لحقتها خاتمة تبين أهم نتائج الدراسة، ومعجم يعرّف بالأديبات الواردات في الدراسة، وقائمة بالمصادر والمراجع، إضافة إلى فهرس الموضوعات، مما يمنح دراستها الضبط المنهجي الذي تسعى إلى ترسيخه من خلال دراساتها، ومن خلال إشرافها على دراسات طلابها وطالباتها، لتعيد كل دراسة إلى ضبط منهجي تلتزمه، وتنقله للأجيال التي تتلمذت على يديها.
فعلى مدى صفحات الكتاب تبرز شخصية الكاتبة من خلال مواقفها التي تصرح بها في مواجهة كلّ قضية مطروحة، سواءٌ أكانت فكرية أم فنية، فهي ترى أن نظرة الرجل للمرأة ما زالت تحكمها الدونية، وتتهم المرأة ذاتها بإسهامها في ترسيخ هذه الدونية، حتى تلك المرأة المبدعة التي تجعل من الجسد الأنثوي هدفاً لاجتهاداتها السردية متهمة أيضاً، لأنها تسعى إلى تسليع جسد المرأة، والإسهام في ترسيخ تلك النظرة نحوها.
وتدافع الكاتبة عن حق المرأة وتنتقد الصورة النمطية التي رسخها المجتمع بوعيه الشعبي، أو بوعيه الزائف لتفسير النص الديني، مدافعة عن الفهم الحقيقي للدين، الذي أعطى المرأة حقها في التعلم والتعليم، ضاربة عدداً من الأمثلة التي اقتبستها من الصفحات الناصعة للتاريخ الإسلامي. وهي تعيد هيمنة الرجل على المشهد الشعري التقليدي، إلى افتراض معقول هو عدم الاهتمام بتدوين الأدب النسائي، لأنّ الخطيبات والشاعرات اللواتي اشتهرن في الأدب العربي (مثل الخنساء وأم جندب) لا يمكن أن يكنّ قد نبتن في بيئة جرداء لا تنبت مثلهنّ.
وتحفر الكاتبة عميقاً في تاريخ نشأة الرواية العربية لتشير إلى دراسات أثبتت أن الرواية العربية الأولى صدرت عام 1899 للبنانية زينب فواز، أي قبل خمسة عشر عاماً من صدور رواية «زينب» لهيكل، وهي الرواية التي اعتاد مؤرخو الأدب أن يجعلوها بدءأ للرواية العربية الفنية. كما تحفر الكاتبة في المشهد المغربي لتشير إلى أسبقية نصوص مليكة الفاسي وآمنة اللوة التي يمكن اعتبارها إرهاصات سبقت البداية الحقيقية التي أضاءت سماء المشهد النسائي السردي المغربي، مع صدور رواية «غداً ستتبدل الأرض» لفاطمة الراوي، ومجموعتي «ليسقط الصمت» و»النار والاختيار» القصصيتين لخناتة بنونة، ومجموعة «رجل وامرأة» لزينب فهمي.
وإذ تناقش الكاتبة مصطلح أدب المرأة وتستعرض الذين رفضوه والذين أقرّوه تقف موقفا واعياً من تصنيفاته المختلفة، وتشير إلى ثلاثة مستويات وجيهة تحكم النظرة إلى مصطلح أدب المرأة، أو ما يوازيه من مصطلحات:
□ الكتابة الأنثوية التي تعتمد على البوح والتشكّي وتصوير الذات المهزومة الهشة، وهو حال كثير من الكاتبات المبتدئات.
□ الكتابة التي تنتجها النساء عامة، وفقاً للتصنيف البيولوجي الصارم.
□ الخطاب النسوي الذي يعني النزعة الأنثوية في الأدب التي تواجه السلطة الذكورية.
وفي نهاية الاستعراض للمصطلح تطمئن الكاتبة إلى الدلالة الجنسية للمصطلح، أي أن الأدب النسائي يرصد «الكتابات الصادرة عن المرأة بغض النظر عن المرجعيات المختلفة».
وفي أثناء حديثها عن قضايا الذات والتحرر تشير سعاد الناصر إلى الحقول الدلالية الواسعة التي خاضتها المرأة، وقد صنفتها ضمن ثلاثة أقسام: قسم يعالج علاقة الرجل بالمرأة التي تسعى إلى التحرر من قيود الذكورة، وقسم تنغمس فيه المرأة في قضايا الفقر والتخلف والبؤس التي يعاني منها مجتمعها، وقسم تحكي فيه المرأة عن هموم الوطن، بوصفها إنسانا ينتمي للوطن الذي ينتمي إليه الرجل أيضاً. وتمثّل سعاد لكل قسم بنماذج وأمثلة توضح للقارئ أبعاد القضايا التي يعالجها.
في الجزء الثاني من الكتاب تنشغل الكاتبة بالقضايا الفنية للسرد النسائي، بعد أن أطّرت المصطلح والقضايا الفكرية التي يعالجها هذا الأدب في الجزء الأول، وهي تبدأ من مفهوم التشاكل (التماثل) الذي يجسده ذلك الأدب في مستوياته الثلاثة:
المستوى الطيني المظهري الذي يكشف عن الجسد الأنثوي وانشغالاته، حيث تبدو المرأة نمطية، وتتكرر الألفاظ التي تحيل إلى الجسد، كالردف والنهد والساق، والألفاظ التي تحيل إلى الرغبة والشهوة والنشوة وما شابهها. وتجتهد الكاتبة ما وسعها ذلك في التمثيل لهذا المستوى في عدد لا بأس به من القصص القصيرة والروايات التي تحتفي بالجسد الأنثوي احتفاء باهراً.
المستوى الروحي الذي لا يعطي أهمية تذكر للجسد، وتتكرر فيه ألفاظ الرضى والقناعة والعفة، بدون اللهاث وراء الرغبات الحسيّة، وفي هذا المستوى ترتقي الذات الأنثوية لتعبر عن انشغالاتها الحضارية والإنسانية والروحية. وفيه تعرض الناقدة عدداً من النماذج التي تدافع عن هذه النظرة للمرأة.
المستوى المتوازن الذي تسمع فيه المرأة إلى صوت الجسد وهمومه، ولا تجعلها تتحكم بها، وذلك بسبب الوعي بدورها الروحي الذي يتسامى بالجسد رغم انشغالاته وهمومه وتحولاته، وتشير الناقدة هنا إلى صعوبة الوصول إلى هذا التوازن بين الجسد والروح، وتستعرض نماذج الكاتبات السردية في هذا الإطار.
وإذ تعالج سعاد الناصر في الفصل الأخير من الكتاب التشكيلات الجمالية في السرد النسائي تنطلق من أربعة عناوين رئيسية تشير إلى قضايا مهمة تشغل بال السرد عموماً، وتدرس تجلياتها في السرد النسائي:
تدرس الكاتبة قضية العنوان، وتتقصى أبعاده الدلالية والجمالية، وتشير إلى عدد من العناوين التي حملتها بعض القصص والروايات، وتبرز ملامح تلك العناوين من حيث البنية والدلالة، مشيرة إلى معانيها ودلالاتها وانزياحاتها ورمزها، ومناسبتها للمحتوى الذي قامت عليه الحكاية السردية.
ثم تنتقل إلى بلاغة الزمن السردي، وأثره في جمالية العلاقة بين الأحداث، لإدراكها أن السرد فنّ زمني يتخلّق في الزمن ويتطوّر من خلاله، فترصد التشكيلات الزمانية التي تحكم السرد في نماذجها المختلفة.
وفي تتبع تجليات الوصف تنبه الكاتبة إلى الأهمية التي يحتلها الوصف في السرد، فهو ليس مجرد زخرفة لفظية، لتحاول أن تثبت تلك الأهمية من خلال رصد تجلياتها المختلفة في عدد من النماذج السردية التي تقدّم وصفاً تفصيلياً أحياناً وكثيفاً موجزاً أحياناً أخرى من أجل أن يناسب الحالة السردية.
وفي الجزء الأخير من الفصل الثاني تحاول الكاتبة رصد حالة الوعي الفكري والجمالي عند المبدعات، عبر إدراكهنّ آليات الاشتغال السردي التي يعتمدن عليها في طرح ما لديهن من أفكار.
بقي أن نقول أخيراً.. إن كتاب «السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي» لسعاد الناصر، يمثل من خلال طريقة عرضه مثالاً يحتذى لكلّ دارس، ويمثّل زاداً غنياً لكلّ من أراد أن يغترف شيئاً من خزانة شهرزاد.
كاتبة مغربية
نادية الأزمي