إفلاس ريغف

حجم الخط
2

يوم الاثنين وصلتني في البريد الالكتروني دعوة للاحتفال بيوم الاستقلال الـ 242 للولايات المتحدة في 4 تموز/يوليو. سعدت. أمريكا هي صديقتنا وحليفتنا. عيدها عيدنا. هي قريبة جداً لنا بحيث أنني كلما سمعت «هتكفا»، النشيد القومي، أترنم على الفور بعده من النشيد القومي الأمريكي.
هذه السنة سعدت على نحو خاص، لأن إدارة ترامب نقلت أخيراً السفارة الأمريكية إلى القدس. ترامب، بطريقته الإلحاحية، أصلح تشويهاً ابن 70 سنة. بشكل عام أنا لا أذهب إلى مثل هذه المناسبات. أما هذه المرة، على شرف القدس، فإنني سأسحب البدلة من الخزانة.
ولكن الويل. مراجعة أخرى للدعوة أوضحت لي بأن الولايات المتحدة ستحتفل بعيد ميلادها في قاعة الأفراح افينو التي في المطار قرب مدخله الخلفي. ليس فقط ميسي بل والسفير فريدمان يقاطع القدس. فأعدت البدلة إلى الخزانة.
إن قصة صعود وسقوط المباراة الاستعراضية بين منتخب الأرجنتين ومنتخب إسرائيل هي موضوع جيد لعرض ساخر. ميسي هو لاعب كرة قدم رائع، ولكن خارج الملعب هو شخص لا يعتد به. عبقري قليلا، تمبل قليلا. ضربات زائدة بالرأس في سنوات صباح. وعشية المونديال القريب، في روسيا، وقف أمام تحدٍ فكري أكبر من قوته.
هذا هو التحدي: منتخب الأرجنتين في كرة القدم يعاني منذ عشرات السنين من نحس ليس له مثيل في المسابقات الدولية. في المونديال الأخير الذي فازت فيه الأرجنتين كان قبل 32 سنة، في 1986. ومنذ 1993 لم يفز في أي مسابقة. المشكلة عضال.
ميسي، نجم الفريق، فهم بأنه مكلف بمسؤولية كسر النحس. هذه هي مهمة الزعيم. وقد حاول كل أنواع الابتكارات، كل أنواع المعتقدات الخرافية، وشيء لم يجدِ نفعاً. إلى أن جاء الرب إليه في الليل، إليه أو إلى أبيه، ووعد بأنه اذا ما أمل المنتخب الاماكن المقدسة للمسيحية في الطريق إلى روسيا، فإن اللعنة ستزول. هكذا قال الرب.
وكانت الفكرة أن تجرى في أثناء الزيارة مباراة استعراضية في حيفا. لن تكون للمباراة قيمة رياضيةلن يخاطر أي لاعب بإصابة عشية المونديالولكن الجمهور سيشتري بطاقات، والاتحاد المضيف سيضيف وسائل من جانبه. منظمات الرياضة تحيك هذه الخلطات منذ زمن بعيد.
ولكن عندها دخلت إلى الصورة ميري ريغف. بخلاف ما يعتقده الكثيرون، أن ريغف بعيدة عن أن تكون غبية.
هي صبيانية، جائعة للحب، جائعة للاستعراض.. وهي تسرق الحفلات: لا توجد حفلة لا تقتحمها، تنثر بيد سخية الملايين من أموال دافع الضرائب، طمعا بالتصفيق. لا شيء يقف في طريقها، لا العلاقات الإنسانية، لا العقل السليم، لا رئيس الوزراء. فهي شوكة نمت عشوائياً في أصّ صبّار نتنياهو.
لقد وعدت ريغف الملايين والمباراة الهامشية في حيفا اجتازت مسيرة تسييس.
هي ستكون إحدى ذرى احتفالات السبعين: ستذكر العالم بوجود سفارة في القدس. حملة كبرى من العلاقات العامة سبقت اللقاء التاريخي بين ميسي وميري. هل ماركو سيلتقي الام، هل سيصافحها على الملعب، هل سيتصور سيلفي معها. القدس، التي شهدت بنوكا ورؤساء، وعلماء وفنانين محبوبين، بل وحتى شهدت ماردونا، استعدت لمجيء المسيح. منذ زمن بعيد لم يكن هنا استعراض استفزازي بهذا القدر، سخيف بهذا القدر.
وسائل الاعلام المركزية، بما فيها هذه الصحيفة، سارت خلف القطيع. الشبكات صخبت. الناس اشتروا البطاقات من الوسطاء بآلاف الشواكل. ريغف أمرت بتوزيع مئات الوجبات على العاملين والمقربين وحققت عناوين رئيسة أخرى. انتفخ البالون وانتفخ إلى أن انفجر.
أيار/مايو كان شهراً جيداً لحكومتنا. نتنياهو نقل السفارة إلى القدس. وفي الغداة عانق بوتين نتنياهو في الساحة الحمراء.
الموساد وسلاح الجو وجّها ضربة للإيرانيين، ونتنياهو حطم أرقاماً استثنائية في الاستطلاع، مندوبة إسرائيلية مفاجئة فازت في الايروفزيون، وخلق حولها إجماعاً وطنياً نادراً.
لم يسبق أن كنا أقوى، أكثر ثقة، أكثر عطا، أكثر وحدة، أكثر عدالة، أكثر رضى عن أنفسنا، تماما مثلما في السنوات التي بين حرب الايام الستة وقصور يوم الغفران. حزيران/يونيو بدأ في احتفال رسمي في تايمز سكوير في نيويورك. ظهر مغنون، ولكن ريغف سرقت العرض.

علقت في وضعية

أعاد إلغاء المباراة إلى جدول الأعمال مشكلتين تتصدى لهما إسرائي: الاعتراف الرسمي بالقدس كعاصمة والحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل. هذا هو المكان لقول شيء ما يغضب غير قليل من الناس، في اليمين وفي اليسار. المشكلتان غير حرجتين. القدس كانت قبل ترامب وستكون بعده. مكانتها كعاصمة منوطة أكثر بمعطيات ديموغرافية وبسياسة حكومات إسرائيل، وأقل بما يقال عنها في وزارات الخارجية في العالم. ميري ريغف هي مثال بارز. تصريحاتها المتفجرة عن القدس تطلقها من وزارتها في تل أبيب، من دون أن ترمش. بيان ترامب عن نقل السفارة لم ينه الجدال في العالم عن مكانة المدينة بل أشعل أواره. إلى كل التحفظات المعروفة، اضيفت المعارضة العاطفية لترامب ولكل ما يمثله. ثمة فضائل واضحة لتماثل إسرائيل مع ترامب، يوجد أيضاً ثمن. فصافرة التحذير الاولى كانت قرار الممثلة نتالي فورتمن عدم تلقي جائزة براشيت الاعتبارية من يد نتنياهو. فورتمن ليست ميسي، هي واحدة منا.
أما الحملة لمقاطعة إسرائيل فسارت حتى هذا الاسوع من فشل إلى فشل. إسرائيل لم تقاطع اقتصاديا، لم تقاطع سياسيا، لم تقاطع علميا. والوحيدون الذين تعاطوا بجدية مع المقاطعة كانوا أولئك الذين ارتزقوا منها، أولئك الذين دعوا إلى المقاطعة وأولئك الذين كافحوها. إلى أن جاءت ميري ريغف. حركة المقاطعة يجب أن تجفف، لا أن تضخم. من يضع أمامهم حالات اختبار مدوية سيفوز في مواجهة واحدة ولكنه سيخسر في المواجهة التالية. ردود فعل ريغف على إلغاء المباراة تضر بقضيتنا أكثر من الإلغاء. أربعة متظاهرين قرب سياج ملعب تدريب في برشلونة ليسوا إرهابا، والغاء مباراة استعراضية ليس مذبحة الرياضيين الإسرائيليين في الاولمبياد في ميونيخ. ريغف تمنح المقاطعين هدية لا يستحقونها. وهي تنبت لهم أجنحة.
ما ينقلنا إلى مسألة الايروفزيون. قضية المباراة وجهت ضربة قاضية لخطة اجرائها في القدس. يحتمل أن يكون كل شيء جاء خيراً. فالالغاء يستدعي من أصحاب القرار إعادة احتساب المسار. ماذا سيحصل إذا لم يصمد 20 من أصل 43 هيئة بث تحت الضغط وانسحبت من المسابقة في القدس؟ هل هذه المعركة هامة لدرجة انه من المجدي لنا ان نخسر فيها؟ ريغف تقول، صحيح حتى يوم أمس، إما أن يكون الايروفزيون في القدس أو أن يلغىوليمت العالم. أنا سأوصي رئيس الوزراء ان تجرى المناسبة في القدس، ولكن القرار قراره.
هذا رد فعل كاذب ومخادع. كاذب لأنها لا تعتزم ولا للحظة إلغاء استضافة الايروفزيون في إسرائيل. فناخبوها سينتقمون منها في الانتخابات التميهدية.. مخادع لأن . ريغف تحاول ان تأخذه معها إلى الحفرة.
لو أن ريغف كانت أكثر ذكاء بقليل، لكانت نشرت البيان التالي: «برأيي، ينبغي للايروفزيون أن يجرى في القدس وفقط في القدس، فهذه كرامة وطنية. ولكن لأسفي، القرار ليس في يدي هو في يد مدراء هيئة البث، أناس لست أنا من عينهم. إذا قرروا نقل المناسبة إلى تل أبيب، فإنني سأكافحهم، سأكافح على إقالتهم، سأطالب باغلاق الهيئة، ولكن القانون هو قانون والصلاحيات هي صلاحات. القرار هو فقط قرارهم».

يديعوت 8/6/2018
ناحوم برنياع

 إفلاس ريغف
نتنياهو هو آخر من سيرغب في أن يأخذ على عاتقه المسؤولية عن هذا القرار
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية