كنت في طريقي إلى بيروت، من مطار باريس (رواسي شارل ديغول) الذي أعد لي وداعاً (استثنائياً). كالعشاق كلهم ذهبت إلى المطار قبل موعد إقلاع طائرتي إلى بيروت الحبيبة بساعتين. وكأن أقداري أحبت تنبيهي إلى ما قد ينتظرني هناك، إذ ما كادت المضيفة الأرضية تبدأ باستقبال أمتعة الركاب وما كدت أنهض مع حقيبتي متوجهة نحوها حتى اعترضني ثلاثة من رجال الشرطة الفرنسية قائلين بحزم: هذا القسم رقم ثمانية صار مغلقاً فابتعدي. سألتهم عن السبب فقال أحدهم: لقد وجدنا حقيبة مشبوهة بدون مسافر وقد تحتوي على متفجرات. وكانت تلك الحقيبة موضوعة بالقرب مني! فابتعدت كما طلبوا وطال انتظاري وخفت أن تفوتني الطائرة فعدت إلى رجال الشرطة الثلاثة وقلت لهم بصدق: إسمعوا. أنا لبنانية معتادة على الحقائب الملغومة والانفجارات وهذه تفاصيل لا تخيفني، فدعوني أمر. وانفجروا ضاحكين ولكنهم رفضوا بلطف!
لماذا يا بيروت؟
وأخيراً، أقلعت بي الطائرة إلى بيروت، وحين حلقت فوقها أغلقت النافذة بغطائها البلاستيكي الرمادي.
من زمان كانت العودة إلى بيروت متعة، حيث نتزاحم على نوافذ الطائرة لنرى الشاطئ الجميل بثوب الرمل وخضرة التلال تحتضنه والمساحات المشجرة تحيط بالبيوت كشال من الصنوبر مرصع بالقرميد وبالألوان، ربما الغاردينيا و(المجنونة) الليلكية وسواها من الجماليات.. وبيروت اليوم تطالعك من نافذة الطائرة بوجه من الكتل الإسمنتية والمباني الرثة والفخمة العشوائية التي تغطي الشاطئ والتلال وتحيط بالمطار، وتحزن لما أصاب المدينة إثر حروبها وانفلات البشاعة من عقالها.
المطار هادئ ونظيف وتجد فيه حمّالاً لمساعدتك على حمل حقيبتك ولسبب ما انقرض أولئك من مطار باريس الشاسع. ها أنت تجد بفرح نقطة لصالح بيروت، وتعترف بأن عين الرضا ترى المزايا وتغض الطرف كثيراً عن المعايب!
عواء السيارات وصراخ العصافير
في التاكسي الذي يقلني إلى البيت أسدلت ستائر الأجفان على عيني لأرتاح قليلاً ولكن عواء ابواق السيارات تعالى وفتحت عيني ووقفت على مشهد مألوف في باريس هو زحام السير.. ولكن كل سيارة هنا أطلقت بوقها على الرغم من أن ذلك لا يجدي بل يزيد في توتر أعصاب الجميع، وانضم إلى الجوقة سائقي.. وتذكرت أنني لم أسمع بوق سيارة من زمان، فهو ممنوع في فرنسا وسويسرا وسواهما، بل انني نسيت ان في سيارتي ذلك البوق/الحنجرة العوائية. وبعد «مهرجان العواء» هذا وصلت إلى وكري البيروتي وخرجت إلى الشرفة لألقي التحية على البحر، ووجدتها مغطاة بقاذورات العصافير التي استوطنت الشجرة الملاصقة لشرفتي وقامت باحتلالها. عدت إلى الغرفة وقررت الاستمتاع بزقزقة العصافير. وجلست أنصت وفوجئت بأن العصافير هنا (تزعق) وتصرخ كأنها تطلب النجدة وصارت زقزقتها العدوانية شبيهة بنواح المآتم في جنازة مقتول. ارتفع صوت الرصاص الاحتفالي من (مربع أمني) قريب مني وصارت العصافير تصرخ رعباً ونسيت زقزقتها الغزلية.
تُرى هل تتكيف العصافير مثلنا مع المناخ المحيط بها ويتبدل (خطابها)؟ صراخ العصافير المجنونة في بيروت يختلف عن أصوات العصافير الودية في حديقة فندق فيكتوريا السويسري الجبلي الهادئ مثلاً في الدرب إلى (روشيه دي ناي). هناك وجدت في العصافير أساتذة للرائع شوبان وقدرت أن ألحانه الرقيقة على البيانو سرقة فنية من نوطات العصافير السويسرية الهانئة. ولعل بيتهوفن أيضاً سرق من زقزقة العصافير الأوروبية معزوفته الرائعة: إلى إليز.
إنها الإبادة الجماعية لنا!
جرس الهاتف يرن. إنها صديقة عزيزة كنت قد أخبرتها بموعد وصولي.
قالت: ما رأيك بأن أدعوك للعشاء إذا لم تكوني متعبة؟
ما كدت أصعد إلى سيارتها حتى استجوبتني: ما الذي جاء بك؟ قلت: إنه الحب. أحب بيروت.
في المطعم ما كدت أبدأ بالتهام السمك المشوي حتى قالت لي: هل تعرفين أن الأسماك في لبنان مليئة بالسموم لأنها تتغذى على المجارير والقاذورات في المياه البحرية الملوثة؟
وانتقلت فوراً إلى صحن «الكبة النيئة» الشهير، وقالت: هل تعرفين أنهم يتركون اللحم النيئ معلقاً تحت أسراب الذباب والحشرات وأن الأبقار والأغنام ترعى في أماكن ملوثة. انتقلت إلى اللحم المشوي فالنار تعقم كل شيء، فقالت: هل تعرفين أن معظم اللحوم مثلجة بشروط غير صحية إذ تسيح وتفسد ثم يعيدون تثليجها؟ انتقلت إلى صحن الدجاج (شيش طاووق). قالت لي: هل تعرفين أن الدجاج عندنا يتغذى على الهرمونات التي تسبب السرطان.
تناولت كوباً من الماء لأبتلع ما تقدم فقالت لي: الماء ملوث في الينابيع والتعبئة في الزجاجات لا تخضع لشروط النظافة والتعقيم.
كدت أشكرها ضاحكة على برنامج (التسميم) الليلي الخاص بي وإذا كنت قد نجوت من حقيبة متفجرة صباحاً فلن أنجو من هذا العشاء باهظ الثمن الذي يقدمه لنا حسب الأصول الباريسية متدربون في أرقى المدارس الفندقية.. ومددت يدي إلى طبق الحلوى التي يقدمها المطعم مع الفاكهة مجاناً (ولا يمكن لشيء كهذا أن يحدث في مطعم أوروبي) ولكن صديقتي قالت لي: إحذري حلوى (العثملية) هذه حرصاً على رشاقتك. ولا أدري كيف لم أنفجر ضاحكة حين سددت صديقتي الفاتورة ربع مليون ليرة تقريباً لتحذرني وأنا ابتلع كل لقمة! قالت حين فتحت نافذة السيارة في طريق العودة: الهواء ملوث بعادمات السيارات العتيقة وتوقفها الطويل في زحام السير.. إننا نتعرض في بيروت إلى إبادة جماعية.. «تسونامي» قتل بالإهمال.
هل العاشق مجنون سري؟
وأخيراً وصلت إلى بيتي على قيد الحياة رغم العشاء ووجدت التيار الكهربائي مقطوعاً. قالت الصديقة: عودي غداً إلى باريس يا مجنونة.. أجبتها: بل أخطط للعودة إلى بيروت.
سألتني: لماذا يا مجنونة؟
قلت: إنه الحب. أنا عاشقة لعالمي العربي ولا شفاء لي والحب يجهل المنطق العقلاني. ولعل كل عاشق مجنون سري!
وطني العربي لا أجهل عــــيوبه لكنني ما زلت جزءًا منه. حين أعود إلى بيتي البيروتي أشعر بأنني سمكة عادت إلى مياهها الأولى. بيروت غابتي بحلوها ومرها وسأعود إليها ذات يوم. إنه الحب..
غادة السمان