إيران تبحث مع روسيا وتركيا: أكبر من تنسيق وأقل من حلف

حجم الخط
1

لم تتأخر طهران كثيراً لترسل وزير خارجيتها محمد جواد ظريف إلى أنقرة الذي وصلها الجمعة للقاء المسؤولين الأتراك، بعد قمة ثلاثية كانت جمعت الرئيس الإيراني حسن روحاني بنظيريه الروسي فلاديمير بوتين، والأذري إلهام علييف في باكو رسمت ملامح تعاون مميز خصوصاً بين طهران وموسكو قبل القمة الروسية التركية بين بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سان بطرسبورغ الروسية.
وما أن انتهت قمة بوتين- أردوغان إلا وأوفد روحاني وزير خارجيته محمد جواد ظريف إلى أنقرة، وليعلن بالفم الملآن بعد ختام الزيارة أنه جاء لمباركة انتصار الشعب التركي على محاولة الانقلاب، مشيرًا إلى أن «العلاقات الإيرانية ـ التركية واسعة وشعبانا شقيقان».
والتقى ظريف فور وصوله بنظيره التركي مولود تشاوش اوغلو، كما التقى بعد ذلك بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بن علي يلدريم. وبحث جميع القضايا المشتركة بين البلدين وعلى رأسها الأزمة السورية عارضاً تقديم إيران مبادرة جديدة بشأنها، خصوصاً وأن مهمة التقريب بين أردوغان و»صديقه» بوتين، نفذتها طهران بدقة بالغة أخذت بنظر الاعتبار ما يخطط له الرئيس الإيراني حسن روحاني وفريقه الرئاسي خصوصاً أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي (الذي يرأسه روحاني بصفته رئيس الجمهورية) الأميرال علي شمخاني، في شأن إيجاد علاقة ثلاثية من نوع خاص تقترب من «حلف» إيراني تركي روسي لحل أزمات المنطقة بالمحافظة على مصالح كل بلد وبما يراعي خصوصية كل منها.
وبدا منذ الوهلة الأولى للانقلاب العسكري التركي الفاشل على الرئيس أردوغان، أن طهران بكل تناقضات أجنحتها وصراعات المحافظين والإصلاحيين وبينهما المعتدلون، وضعت كل بيضها في سلة الرئيس أردوغان، ولم تكتف فقط بدعم «الشرعية» ولا «الحكومة المنتخبة»، بل قررت الوقوف إلى جانبه، وقيل في هذا الصدد إنها حركت طائرات حربية وقفت على أهبة الاستعداد في مناطق الحدود مع تركيا لتقديم العون لأردوغان، إذا رجحت كفة الانقلابيين عليه.
وأصبح من نافلة القول إن الموقف الإيراني الرافض بشدة للانقلاب العسكري، ترك آثاره الإيجابية على العلاقات الإيرانية التركية التي سادها بعض التوتر سابقاً، ليوجه روحاني وزير خارجيته ظريف لزيارة أنقرة حاملاً معه دعوة رسمية لزيارة طهران، مع اقتراح بعقد لقاء ثلاثي إيراني تركي روسي على مستوى وزراء الخارجية يُتوج في مرحلة لاحقة بعد تحضير جيد، بقمة ثلاثية تسفر عن نتائج «كُبرى» تفسر التصريحات الإيجابية المتكررة لرئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية ومستشار أردوغان حول التغيير الذي سيطرأ على علاقات أنقرة بدمشق على وجه التحديد.
ولأن طهران تدرك صعوبة استدارة أردوغان بشكل كامل فيما يتعلق بموقفه من الرئيس السوري بشار الأسد، فهي تتحرك كما يبدو لطبخ ما تسميه مصادر رافقت ظريف في زيارته لأنقرة  «تنسيقاً ثلاثياً» ولكن على نار هادئة مع أنقرة وموسكو حول سوريا بشكل خاص، يمكن تطويره إلى العراق وحتى اليمن وباقي الأزمات الأقليمية ومنها بالطبع القضية الفلسطينية. وتتعامل طهران بحذر شديد في العلاقة الجديدة مع أنقرة، لتجنب إثارة عدوها الاستراتيجي إسرائيل التي نجحت كما يبدو في إيجاد «تحالف» ضدها غير معلن إلا في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، مع دول في المنطقة، ولهذا فهي تشجع الرئيس أردوغان على الاهتمام بدور فاعل في الشرق الأوسط أكثر من العلاقة مع أوروبا وأمريكا اللذين تخليا عنه أو حتى تآمرا عليه إنْ في طريقة التعاطي مع موضوعة الانقلاب العسكري، أو في قضية اللاجئين.
 وفي هذا الواقع وبالرغم أن لا شيء جذريا حتى الآن يشير إلى تغيير الرئيس التركي أردوغان نظرته إلى الحل في سوريا، الا أن زيارة أردوغان إلى موسكو واتصاله قبل ذلك بالرئيس الإيراني حسن روحاني، يعزّزان لدى الإيرانيين فرضية أن تركيا حالياً ترغب في تحالف  «تكتيكي» مع روسيا وإيران، تواجه به مرحلة مرحلة ما بعد الانقلاب العسكري الذي كلفها الكثير داخلياً بما يترك آثاره بقوة على دورها الأقليمي خصوصاً في الساحات التي تتواجد فيها روسيا وإيران، ولهذا فهي معنية بتقديم المساعدة.
وتدرك طهران أيضاً أن أي تحرك تركي خارج حسابات ما قبل الانقلاب العسكري قد يكلف أنقرة حوادث داخلية هي في غنى عنها، إذ أن تعرض مطار أتاتورك في اسطنبول لهجوم إرهابي دموي تم فقط بعد أن بدأت أنقرة في التحضير لتطبيع علاقاتها مع روسيا، وأن الانقلاب العسكري جاء بعد الإعلان عن قرب تغيير أنقرة  موقفها من الأزمة السورية، وأن ذلك ليس مصادفة.
ومن هنا جاء اتصال الرئيس حسن روحاني بأردوغان عندما أشاد بشجاعة الشعب التركي ونضجه السياسي»إذ نهض ليدافع عن السلطة الشرعية في مواجهة الانقلابيين» ومشيراً بشكل مباشر إلى أن  الاستقرار والهدوء في تركيا يؤثران بشكل إيجابي على الأجواء في المنطقة برمتها. «ولا شكوك لدينا في أن الهدوء في دول العالم الإسلامي لا يروق للإرهابيين ولبعض الدول الكبرى على حل سواء».
لكن روحاني كان واضحاً في رسم صورة الاصطفافات في علاقات تركيا الإقليمية والدولية بقوله لأردوغان «إن الأحداث الأخيرة في تركيا أظهرت من هـم الأصدقاء ومـن هـم الأعداء لتركيا، داخل وخارج حدودها على حد سواء».
تتفهم إيران جيداً أنها والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لن تفقا في المرحلة الراهنة،  حول دور الأسد في حل الأزمة السورية، وأنها قدمت الكثير، وضحت بكبار قادة الحرس الثوري من طراز اللواء حسين همداني، لكي يبقى الأسد جزءاً من الحل، ولن تتراجع عن موقفها في دعمه «ولو بلغ ما بلغ»، وهي لذلك تنتظر بفارغ الصبر استدارة أردوغان الكاملة، وهي تعلم أنْ لا شيء يمنع دون ذلك في ضوء تغيير الموقف الغربي الأوروبي عموماً لصالح بقاء الأسد شريكاً في الحل ما دام يحارب الإرهاب نيابة، ويجري استنزافه واستنزاف إيران بالتالي، لصالح إسرائيل.
وحتى بالنسبة لأمريكا «المتورطة» في سوريا، فهي ما دامت تقاتل بجنود ومال غيرها، فهي غير معنية إذا طالت الحرب في سوريا أو قصرت، اللهم إلا بمقدار تأثير الإرهاب على حليفاتها الأوروبيات وضغوط أوروبا عليها في هذا المجال.
هذا الأمر تحاول طهران إقناع الرئيس التركي به لكي يتخلى عن الجانب الشخصي في موقفه من الأزمة السورية، ولكي يقتنع أن الاستدارة الكاملة في الشأن السوري بدون الفوز في سوريا التي هي الممر الوحيد المتبقي له للتحول إلى الفعل الإمبراطوري، ولكي يرضى بأن تركيا القادمة في الموقع الجديد لن تكون سوى دولة إقليمية كبيرة بوجود الأسد، وهذا ما لا يقبل به حتى الآن. 
طهران ترغب في الأساس في الوقت الحاضر على الأقل،  بايجاد «حلف» ثلاثي يجمعها مع روسيا وتركيا، وهي تعلم أيضاً أن روسيا لا ترغب بِه – في الوقت الحاضر على الأقل – وترجح عليه علاقات ثنائية قابلة للتكرار مع المتخاصمين الإقليميين، فهي مثلاً تطور علاقاتها مع إيران ومع السعودية رغم التباين الكبير في الموقف من الأزمة السورية، والصراع السعودي الإيراني خارج الأزمة السورية.
وبالنسبة لتركيا أيضاً، ترغب طهران أن تعزز علاقاتها الثنائية مع أنقرة وبينهما الكثير من المشتركات أكبر مما يجمع تركيا مع السعودية، لكنها وخلافاً لما يمكن أن يفهم من تحركها الأخير نحو أردوغان بعد الانقلاب، لا تريد (طهران) إبعاد تركيا عن السعودية، بل هي لا تمانع في إيجاد محور يضمها وتركيا والسعودية ومصر لحل أزمات المنطقة وتعزيز الأمن الإقليمي.
وفيما يتعلق بايجاد «حلف» ثلاثي روسي إيراني تركي، فهو يظل مجرد كلام يتردد في وسائل الإعلام رغم التفاؤل الذي زرعه أردوغان نفسه في اتصاله النادر مع روحاني عقب فشل الانقلاب عليه، في مكالمة هاتفية أجراها مع نظيره الإيراني حسن روحاني، ولوح بتشكيل «تحالف ثلاثي» يضم روسيا، ما سيتطلب تعديل الموقف التركي من سوريا.
وفي هذه النقطة بالذات تتفهم طهران كما تسرب من زيارة ظريف لأنقرة طبيعة العلاقات بين جميع المؤسسات التركية وبين الولايات المتحدة ما يجعل الرئيس التركي بالتالي لن يبتعد كثيراً عن حلف شمال الأطلسي الناتو، وعموم الغرب خاصةً وأن الاقتصاد التركي مرتبط بالاستثمارات الغربية وخصوصاً الاستثمارات قصيرة الأجل والتي في حال سحبها من قبل الغرب فإن الاقتصاد التركي سينهار، وهي مغامرة لن يقدم عليها أردوغان حتى وإن رفع حجم التبادل التجاري لتركيا مع روسيا إلى 100 مليار دورلار وإلى 30 مليار دولار مع إيران. 
ولا يغيب عن بالنا أن أردوغان بتقربه من روسيا فهو يحاول الضغط على الولايات المتحدة التي تخلت عنه لتقبل به في قمة السلطة التركية الذي لا يتعارض مع مشروعها في المنطقة. ومن هنا قال ظريف في أنقرة مشيراً إلى زيارة أردوغان الناجحة إلى بوتين : «نحن سعداء بالتقارب التركي الروسي»، لافتًا أن العلاقات الإيرانية مع تركيا وروسيا تسير بشكل جيد والتعاون مع الجوار جيد وإيران تريد السلام في سوريا.
أخيراً فان تركيا ستتعاون أكثر مع إيران في الفترة المقبلة بشأن الأزمة السورية، وسيتبادلان تعاوناً أمنياً مع روسيا أيضاً لمكافحة التنظيمات الإرهابية معا، وستعزز تركيا من تعاونها بشكل خاص مع إيران وتفعيل اللجنة الأمنية المشتركة التي كانت تجتمع كل شهر في البلدين.
وبدا لافتاً جداً خلال مؤتمر صحافي جمعه بنظيره الإيراني محمد جواد ظريف الجمعة، أن وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو أعلن بنفسه أن هناك عدداً من النقاط المشتركة بين تركيا وإيران في الملف السوري، مؤكدًا  «سنكثف التعاون مع إيران حول سوريا». لكن الوزير التركي أردف قائلا: «متفقون مع طهران حول الحفاظ على وحدة سوريا، وننتظر تطورا من إيران لإيجاد حل عادل للأزمة السورية».
فتركيا تبحث عن سيناريو يبرر استدارتها الكاملة نحو الأزمة السورية بما يتوافق مع رؤية كلاً من روسيا وإيران التي تعكف حالياً على تقديم مبادرة جديدة تضمن إيجاد تعاون ثلاثي جدي لا يمنع أن تنضم له دول أخرى في الإقليم … ولو كانت السعودية!.

 إيران تبحث مع روسيا وتركيا: أكبر من تنسيق وأقل من حلف

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية