اليئور أزاريا، الجندي المتهم بقتل المخرب الفلسطيني المصاب، عبد الفتاح الشريف، زعم في المحكمة العسكرية أنه حوكم «من اجل ارضاء العالم ووسائل الإعلام». أزاريا ليس الجندي الاول الذي يحاكم على قتل فلسطيني في السنوات الاخيرة، ولكن من خلال الفحص الذي أجرته الصحيفة يتبين أنه في جميع الحالات ـ باستثناء حالة واحدة ـ انتهت المحاكمة بصفقة مخففة جدا.
اليوم ستستأنف محاكمة أزاريا وسيأتي الشهود الآخرون في صالحه إلى المحكمة العسكرية في يافا. وستكون النقاشات في المحكمة مكثفة بشكل أكبر، حيث ستتم هذا الاسبوع اربع جلسات وسبع جلسات اخرى في أيلول. وأول من سيشهد في صالح أزاريا، بعض المستوطنين في الخليل، ومنهم كما يبدو الشخص الذي تم توثيقه وهو يقول «يوجد عليه حزام»، وضابط أمن الحاضرة اليهودي في المدينة، وفيما بعد سيشهد في صالح المتهم ثلاثة ضباط رفيعي المستوى: الجنرال احتياط عوزي ديان، الذي كان نائب رئيس الاركان. وقائد المنطقة الوسطى، الجنرال احتياط دان بيتون، الذي كان رئيس قسم التكنولوجيا واللوجستا. والعقيد شموئيل زكاي، قائد منطقة غزة سابقا.
عشية استئناف المحكمة فحصت «هآرتس» ماذا كان حكم الجنود الآخرين الذين تم اتهامهم في السنوات الاخيرة بالقتل غير المتعمد ـ هذه مخالفة استثنائية نسبيا في المحاكم العسكرية التي تهتم في العادة بمخالفات المخدرات. وبين فينة واخرى يتم تقديم لوائح اتهام ضد الجنود على التسبب بقتل الفلسطينيين. ولكن في اغلبية الحالات تُنسب للمتهمين تهمة مخففة ـ القتل بسبب الاهمال. هكذا أُدين قبل ثلاث سنوات بهذه المخالفة مقاتل في الجبهة الداخلية بعد اطلاقه النار وقتل فلسطيني حاول الدخول إلى اسرائيل. وقد حكم بسبعة اشهر سجن فعلي.
حكم أزاريا يمثل تطبيقاً انتقائياً للقانون
أحد ادعاءات المحامين هو أن حكم أزاريا يشكل تمييزا وتطبيقا انتقائيا للقانون من قبل النيابة العسكرية. ولكن منذ سنة 2000، بما في ذلك فترة الانتفاضة الثانية، حوكم على الاقل اربعة جنود بسبب القتل غير المتعمد. وعلى الاغلب لم تتم ادانة الجنود، بل كانت هناك صفقة مع النيابة العسكرية. ايضا محامو أزاريا أبدوا استعدادهم للحل الوسط، لكن النيابة عارضت. ويعتقدون أن أزاريا قد أطلق النار المخرب بشكل متعمد، ليس بسبب الخوف من حزام ناسف أو سكين، كما زعم في المحكمة. لذلك قرروا التمسك باتهامه بالقتل غير المتعمد.
الجندي الوحيد الذي تمت ادانته في السنوات الاخيرة بالقتل غير المتعمد أثناء عملية عسكرية كان مقاتلا في الاستطلاع، البدوي تيسير الهيب. فقد أطلق الهيب النار على رأس توم هورندل، وهو مواطن من بريطانيا، نشيط في منظمة «التضامن الدولية»، قرب محور فيلادلفيا في نيسان 2003. في البداية أصيب هورندل باصابة بالغة، وتم اتهام الهيب بمخالفة التسبب بتضليل المحكمة. ولكن في اليوم التالي لتقديم لائحة الاتهام توفي هورندل في بريطانيا وتم تعديل الاتهام، ونسبت للهيب مخالفة القتل غير المتعمد.
في البداية زعم الهيب أنه أطلق النار نحو فلسطيني مسلح. وقد حث جندي آخر على اعطاء نفس الرواية. وفقط اثناء التحقيق في الشرطة العسكرية بعد تسعة اشهر اعترف بأنه أطلق النار على هورندل لأنه هو ونشطاء آخرين قاموا باستفزازه هو واصدقاءه. «لقد كان وقحا ولم يحترمنا»، قال. وحسب اقواله فهو لم يقصد الاضرار بهورندل، لكنه حرك رأسه، لذلك اصابته الرصاصة. المحكمة العسكرية قالت إن هورندل كان بريئا وأن اطلاق النار تم خلافا لأوامر اطلاق النار. وقد تمت ادانة الهيب وحكم بالسجن ثماني سنوات. في سنة 2010 تم تخفيف حكمه وأطلق سراحه بعد ثلثي المدة، رغم معارضة المدعي العسكري أفيحاي مندلبليت.
في قرار حكم الهيب كتب القضاة: «في الظروف الصعبة ايضا، التي يمر بها الجنود، فهم بحاجة إلى التمسك بسلاحهم دون أن تعمي الاحتياجات الأمنية بصرهم أو تشوش افكارهم. عليهم استخدام السلاح الفتاك فقط عند تنفيذ مهمتهم وليس عدا ذلك».
بعد الادانة نشرت النيابة العسكرية وثيقة طلبت فيها التشديد على قرار الحكم: «اضافة إلى النتائج الصعبة للحادثة (قتل انسان) فان عمل المتهم يلحق الضرر بصورة الجيش الاسرائيلي ومصداقيته… رغم الإرهاب الذي يتم ضد دولة اسرائيل مطلوب من جنود الجيش… التشديد على عمل كل ما في استطاعتهم لمنع الحاق الضرر الجسدي أو المعنوي بغير المشاركين في الحرب».
لائحة الاتهام الاخيرة ضد جندي اسرائيلي بسبب القتل غير المتعمد، تم تقديمها في 2010. وقد كان المتهم هو العريف س. وهو مقاتل في جفعاتي. في عملية الرصاص المصبوب أطلق النار على عدد من الاشخاص، على الاقل واحد منهم كان يحمل الراية البيضاء. س. الذي أطلق النار في البداية في الهواء، وبعد ذلك نحو أرجل الفلسطينيين، قال في التحقيق في الشرطة العسكرية إنه شاهد امرأة تسقط بعد أن أطلق النار عليها. وقد اعتقدوا في النيابة العسكرية أن اطلاق النار أدى إلى موت ماجدة أبو حجاج وأمها ريا سلامة اثناء هروبهن من البيت الذي قصف في قطاع غزة. وفي لائحة الاتهام التي قدمت ضده جاء أنه أطلق النار دون طلب ذلك منه، رغم أن المسؤولين عنه كانوا في المكان. ومع ذلك وجدت النيابة صعوبة في اثبات الصلة بين اطلاق النار وبين موت المرأتين. لذلك اعتبرت لائحة الاتهام أنه قتل «فلان أو شخص مجهول». في سنة 2012 تم التوقيع بينه وبين النيابة العسكرية على صفقة أدين في اطارها بمخالفة القتل غير المتعمد الخفيفة، استخدام غير قانوني للسلاح. س. الذي تمت اقالته من وظيفته كمقاتل في اعقاب الحادثة، وعلى مدى محاكمته تسرح من الجيش وبقي 45 يوما في السجن العسكري.
المحامي عوديد سبوراي، الذي مثل س. قال أمس إنه حسب رواية الجندي «لقد عمل تماما مثل الاوامر القانونية التي أعطيت له من قبل القادة قبل الدخول إلى غزة». وأضاف «في نهاية المطاف فان النيابة العسكرية فحصت المواد الموجودة لديها، وليس فقط الأدلة، وتوصلت إلى نفس الاستنتاج الذي مكنها من التراجع عن مخالفة القتل واغلاق الملف بمخالفة مخففة جدا».
في حالة اخرى في سنة 2004 قُدمت للمحكمة العسكرية في يافا لائحة اتهام بالقتل غير المتعمد ضد أ.، وهو جندي برتبة عريف أول، أطلق النار اثناء مظاهرة في مخيم للاجئين قبل ذلك بسنة ـ حسب لائحة الاتهام، فانه بعد تفريق المتظاهرين وفي حين عدم وجود خطر، أصابت رصاصة عمر موسى مطر (14 سنة)، الذي توفي بعد سنة من اصابته. رصاصتان أخريان أصابتا فلسطيني آخر. اضافة إلى مخالفة القتل غير المتعمد جاء في لائحة الاتهام ايضا الاصابة في ظروف خطيرة. وبعد ذلك بخمس سنوات أدين باستخدام السلاح بشكل غير قانوني. وهو ايضا تم تخفيض رتبته إلى جندي عادي وحكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ.
في سنة 2003 تم اتهام جندي آخر بالقتل غير المتعمد بعد اطلاقه النار على مسن فلسطيني قرب نتساريم. الجندي ش. حصل على أمر تنفيذ اطلاق نار تحذيري باتجاه المسن. في البداية أطلق خمس رصاصات اصابت الجدار، وبعد ذلك أطلق ثلاث رصاصات اخرى أصيب بها الفلسطيني ومات. وحسب لائحة الاتهام المقدمة ضده فان الجندي لم يفحص أين كان يقف الفلسطيني عند اطلاق النار عليه وأين كانت الاصابات. والنيابة العسكرية ادعت أنه عرف حتمية موت المسن. ايضا في حالة ش. تم تعديل لائحة الاتهام ونسبت اليه تهمة استخدام السلاح بشكل غير قانوني. وفي لائحة الاتهام المعدلة لم يُقل إن الموت حدث بسبب اطلاق ش. النار، أو انه مسؤول عن ذلك، بل لم يكن حذرا اثناء اطلاقه الرصاصات الثلاثة الاخيرة. وقد حكم عليه بالسجن مدة اربع سنوات مع وقف التنفيذ. وتم تخفيض رتبته. وقالت المحكمة العسكرية في قرار الحكم إن محاميه على حق لأنه لو نسبت له هذه الافعال منذ البداية لما قدمت ضده لائحة اتهام.
«سياسة النيابة العسكرية تعطي اهتمام واسع نسبيا للجندي الذي يقوم بعمل تنفيذي»، قال المحامي سبوراي. «من اجل أن تقرر النيابة العسكرية محاكمة جندي جنائيا، يجب أن يحدث أمر استثنائي جدا، خصوصا إذا كانت المخالفة هي القتل غير المتعمد. في حالة أزاريا كان توثيق بالفيديو أظهر بأن تصرفه لم يأت تحت الضغط التنفيذي المباشر. ويبدو أن «التخفيف» الذي يعطى للجندي في ظل العملية التنفيذية لن يعطى له».
تهمة العقيد إيلان
المحامي سبوراي والمحامي شلومو تسيبوري مثلا الضابط رفيع المستوى الذي اتهم بالقتل غير المتعمد، قائد وحدة المستعربين «شمشون»، العقيد ايلان. في سنة 1991 خلال الانتفاضة الاولى نسبت لايلان تهمة القتل غير المتعمد لفلسطيني رغم أنه لم يكن مشاركا في اطلاق النار.
أحد الضباط لاحظ قبل ذلك بسنتين أحد الملثمين وهو يكتب على الجدران. وقد بدأ الضابط بمطاردته وطلب منه التوقف، ومن ثم قام باطلاق النار في الهواء. وفيما بعد أطلق شاحر على أرجل الهارب. وفي نهاية المطاف على وسط جسمه. وعندما سئل لماذا تصرف خلافا للأوامر الخاصة باطلاق النار، أجاب بأن قائده قد أمره بفعل ذلك. وقال ايلان إنه لا يذكر شيئا كهذا. ولكنه أضاف بأنه إذا قال شاحر ذلك فهو كما يبدو محقا. الضابطان اتهما بالقتل غير المتعمد. وشاحر وقع بشكل استثنائي على صفقة شاهد ملكي، وشهد ضد قائده. في نهاية المطاف تمت تبرئة ايلان من تهمة القتل غير المتعمد، لأنه لم يتم اثبات الصلة بين الأمر الذي أعطاه وبين قتل الفلسطيني. في البداية أدين بتهمة الاهمال لأنه لم يوضح الأوامر، وبعد الاستئناف أدين بتجاوز الصلاحيات، الامر الذي يعرض الحياة للخطر. وقد تم تخفيض رتبته إلى عريف أول. وفي عام 1995 أعاد اليه رئيس الدولة رتبته.
في هذه الاثناء تحدث محاكمة اخرى، حيث تنسب فيها تهمة قتل فلسطيني لأحد ضباط الأمن. وهو شرطي حرس الحدود بن داري، المتهم باطلاق النار على نديم نوارة (17 سنة) اثناء مظاهرة يوم النكبة في أيار 2014. وقد تم الطلب من الجنود في حينه باطلاق الرصاص المطاطي نحو المتظاهرين، والتحقيق العسكري أثبت أنه لم يتم استخدام النار الحية. هذه القفزة النوعية في التحقيق أدت إلى تشريح جثة نوارة حيث تبين وجود رصاصة حية، التي اطلقت من سلاح بن داري، المتهم باستبدال مشط الرصاص المطاطي برصاص بندقية «إم 16».
ومن اجل ايجاد ادانات اخرى للجنود في القتل غير المتعمد، يجب العودة إلى أكثر من عقدين إلى الوراء. فقد أدين تمير يعقوب بقتل فلسطيني من قطاع غزة، أطلق عليه من مسافة قصيرة عندما اقترب من سيارته بعد رشق حجر عليه. وقد حكم يعقوب بالسجن الفعلي مدة عام مع مراعاة استشارة الاطباء النفسيين. في حادثة اخرى في الانتفاضة الاولى أدين الجندي ايلي يديد بقتل أحد سكان قرية بدو بعد ملاحقته. وحسب قرار الحكم، رغم عدم وجود خطر على حياته، فقد أطلق يديد من مسافة قصيرة رصاصة مطاطية على رأس الفلسطيني الذي أصيب وتوفي بعد ثلاثة ايام. وقد حكم 21 شهرا بالسجن الفعلي لأن المحكمة العسكرية أخذت في الحسبان أنه في بداية خدمته العسكرية، ولم يكن مدربا بشكل جيد للعمل في المناطق.
لم يثر أي ملف من الملفات المذكورة أي نقاش جماهيري واسع مثلما حدث في قضية أزاريا. اعمال الجيش الاسرائيلي في المناطق، أوامر فتح النار، ثقة الجمهور بالجيش وايضا مواضيع طائفية ـ كل هذه الامور تم طرحها في سياق اطلاق النار في الخليل.
وستضاف اليها مظاهرات تأييد، واحتجاج في ميدان رابين وحملة لتجنيد الاموال. وقد تركت الحملة بصمتها ايضا في المستويات الاعلى ـ رئيس هيئة الاركان الذي تعرض للانتقاد بسبب تنديده بحادثة اطلاق النار، استغل الحادثة ليقول كيف على الجندي الاسرائيلي أن يتصرف. ووزير الدفاع الذي سرعت تصريحاته ضد أزاريا، استقالته المفروضة. وبديله الذي جاء إلى محاكمة أزاريا قبل دخوله المنصب برفقة سياسيين آخرين من اجل دعم الجندي، أعلن أنه لا مكان لمحاكمته بسبب القتل غير المتعمد.
ورئيس الحكومة الذي يتحرك بين تنديد متحفظ وبين محادثة مع والد الجندي. وعلى الرغم من مرور خمسة اشهر على هذه الحادثة، إلا أن صوت الرصاص ما زال يدوي.
هآرتس 28/8/2016