الأردني يتجه لاستعادة «حكومته» عبر «الضغط من تحت» والمؤسسة الملكية تتجاوب وهبة رمضان تحولت إلى «عملية»

عمان- «القدس العربي» : لا توجد مؤشرات قوية في الحالة الأردنية المتفاعلة على الاحتمالات تقول بأن مظاهر الحراك الشعبي التي قرعت كل أجراس الإنذار الاسبوع الماضي ستختفي أو تتلاشى بمجرد إعلان ترتيبات دستورية من اي نوع لها علاقة بإقصاء وإبعاد رئيس الوزراء المثير للجدل الدكتور هاني الملقي .
في الجزء المدني من الاعتراض الشعبي العارم على الأقل حيث لا توجد قيادة ميدانية ولا جهة حزبية أو نقابية مرجعية يمكن التحدث معها تم بناء حالة حراكية جديدة فعلاً على المستوى الاجتماعي فكرتها الأساسية مجموعة من الشباب المثقفين تعترض على الحكومة وقراراتها وتهتف للأردن وتعانق رجال الأمن وتشكل لجان نظافة بعد الاعتصام حرصاً على نظافة الشوارع التي تشهد الانفعال الشعبي.
هذا النمط من الأداء والذي شهدته مدن عدة خلافاً لعمان العاصمة مثل إربد والمفرق مؤشر على صحوة سياسية من نوع خاص ووزن نوعي لشرائح ديناميكية مؤثرة في عمق المجتمع الأردني. وهي صحوة قد لا تقف عن حدود ورقة الحكومة المحروقة لان الخطاب الذي يوجهه الشباب الهاتفون في الميادين له علاقة بكرامة الإنسان وليس بالوضع المعيشي فقط. ولان متابعة تأثيرات الاعتصامات والحراكات عبر وسائط التواصل الاجتماعي تؤكد مضمون المطالبة بنهج جديد تماماً في ادارة الدولة لا يقف عند حدود تغيير رئيس حكومة أو تعيين آخر.
وبالرغم من ان خطوات القصر الملكي الأخيرة والمتأخرة بخصوص هندسة مشهد يحاول إرضاء الشارع بإبعاد رئيس الوزراء الأخير عن المشهد إلا ان التعليقات والتعبيرات وبصفة جماعية على وسائط التواصل تتجاهل الحديث عن الأسماء وتركز على توفر فرصة نادرة لتغيير النهج نفسه والاعتماد على صيغة ديناميكية بعد الان من الاعتراض سلمية ومدنية الطابع من النوع الذي لا يمكنه الصدام مع مؤسسات الأمن في الشارع.
ما يرد في غالبية التعليقات بوضوح هو رسائل من وزن وطراز خاص بدأت بتوجيه الأسئلة للمؤسسة المرجعية الملكية وعلى أساس التلاقي عند شرعيتها والعمل في مظلتها لتدشين حوارات أعمق وأشمل وعلى كل الملفات وليس على مشروع الاصلاح الاقتصادي تحديداً. ومن هنا يتوقع مراقبون خبراء بأن إيقاع الشارع الأردني وبسبب التزامات مؤسسات العاصمة الشعبية المدنية بقواعد التعبير السلمي كحق دستوري قد يتمكن قريباً في حال عدم انقلاب الأمن ضده من فرض إيقاع مختلف للإدارة ومعادلة سياسية جديدة تماماً خصوصاً وأن النقابات المهنية التي تصدرت الاسبوع الماضي دعوى الإضراب العام الناجح أعلنت مسبقاً تنظيم اضراب جديد غداً الاربعاء.
ومن المنطق القول إنه في حالة تمكن الشارع وبأي صيغة من ازاحة الملقي عن المشهد مع رموز التأزيم من الطاقم الاقتصادي بما في ذلك وزراء المالية والتخطيط والتجارة والصناعة يعني مواجهة مرحلة جديدة فكرتها ببساطة ان الشارع بمعناه المنظم دخل كعنصر أساسي على لعبة الادارة والحكم وأصبح في حالة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها تحت وطأة الظرف الإقليمي الحساس والوضع الاقتصادي الحرج.
تلك وقائع محفوفة بالهواجس والمخاطر في كل الأحوال. ومن الطبيعي القول بان بؤر الحرس القديم التي لا يمكنها ان تهضم مثل هذا التحول الاجتماعي الكبير قد تبدأ بعد التقاط الانفاس بالانقلاب على الشارع مجددا لعزله ومنعه من تكرار سوابق مماثلة لاحقاً. وهو وضع يؤشر على حتمية الصدام ما لم يحسم القصر الملكي حصرياً المسألة ويبدأ بتشجيع قطاع الشباب تحديداً على المشاركة في حلقات الضبط من هذا النوع في اطار القانون استناداً إلى ما سبق أن قاله علنًا الملك عبد الله الثاني شخصياً عندما طلب من قطاع الشباب الضغط على الحكومة والبرلمان من «تحت» وترك حيثية الضغط من فوق لمؤسسة القصر.
الجديد تماماً في المشهد الأردني هو دعوة قطاعات كبيرة من المثقفين والوطنيين إلى ان تستثمر الدولة في الحالة الشعبية المنظمة الجديدة التي صعقت وفاجأت جميع الدوائر الرسمية لصالح تحسين شروط الدولة في اللعبة الإقليمية والدولية لأنها حالة قابلة فعلاً للاستثمار في اتجاه تخفيف الضغط الدولي والإقليمي على السلطة والنظام وهي ورقة مربحة كما يقول المحلل والكاتب الإسلامي حلمي الاسمر بدلاً من الاستمرار في التعرض لضغط الآخرين.
وفي كل حال والاهم هو ان الشارع حقق ولأول مرة وهو بانتظار النسخة الثانية من الإضراب العام وسط حالة اجتماعية تلاحميه غير مسبوقة هدفه التكتيكي الأول وبدأت جهات داخل الدولة والنظام تتجاوب مع المشهد مثل مجلس الأعيان الذي نصح القصر علناً بتدشين حوار شامل وعميق مع الناس لإشراكهم في العمق الاقـتصادي.
أغلب التقدير أن أي رأس جديد للحكومة سيبدأ عهده بقرارات سريعة تمتص الغضب والاحتقان. لكن في المقابل ما يوحي به نجوم التواصل الاجتماعي هو عملية شعبية عاصفة مستمرة لن تقف عند حدود إسقاط رئيس الوزراء وقانون الضريبة فهدف الاعتراض التالي على الأرجح سيكون مجلس النواب عبر الدعوة إلى حل البرلمان ثم اجراء انتخابات نظيفة.
لاحقاً سيفرز الشارع الجديد المنظم قياداته ومؤسساته وقد تصبح كل الملفات مطروحة للنقاش بما فيها الفساد والترهل وطريقة وآلية تعيين الحكومة ومبدأ استعادة الولاية العامة لها وجوهر الالتزام بنصوص الدستور.
لأن الأردني اليوم بدأ في عملية استعادة حكومته كما لاحظ أحد الصحافيين في صيغة تعيد تذكير مؤسسة القرار المرجعي بمعادلات الماضي واهمها ان الحكم للمؤسسة الملكية وإدارة شـؤون الحكومة للنـاس.

 الأردني يتجه لاستعادة «حكومته» عبر «الضغط من تحت» والمؤسسة الملكية تتجاوب وهبة رمضان تحولت إلى «عملية»
قواعد جديدة للعبة و«سوابق» قد يتآمر عليها الحرس القديم
بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية