الأردن: الصحة والورقة الملكية النقاشية السادسة

حجم الخط
1

الورقة النقاشية السادسة تضمنت نقطة جديرة بالاهتمام بأن مفهوم الدولة المدنية لا يعد بحال من الأحوال موازيا للدولة العلمانية. هذا تأكيد من الملك أن الدين ركيزة أساسية للدولة الأردنية الحديثة و جزء لا يتجزأ من الدستور و استكمال للمسيرة الهاشمية المظفرة التي انطلقت من الحجاز لتنقل الناس من الظلمات إلى النور. فلا يوجد شيء قط يمنع المسلمين من التنكر للشيم الحميدة و الأخلاق الرفيعة التي أمر الله سبحانه و تعالى و نبيه الكريم صلوات الله عليه المسلمين بالتحلي بها من تسامح واخاء واعتدال ووسطية ورحمة و انفتاح ومحبة وسلام و قبول للآخر فلا اكراه في الدين، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه كما يحب لنفسه، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، وجادلهم بالتي هي أحسن.
جعل الدين الإسلامي أحد أركان الدولة هو دحض للافتراءات التي انهالت على الدولة بعد محاولة تعديل المناهج و اتهام الدولة بالابتعاد عن الدين وتنفيذ سياسات خارجية و حذف بعض الآيات التي تحض على الجهاد. الإسلام حض على السلام والتعايش السلمي مع أتباع الديانات الأخرى وضمن التعددية السياسية ومبدأ الشورى والتشاور واحترام الرأي الآخر وحماية حرية العقيدة و الرأي والدين والكرامة الإنسانية بغض النظر عن الانتماء السياسي أو العرقي أو الديني.
الإسلام لم يسلب المرأة حقها بل على العكس تماما صانه و جعل المرأة أساسا لصون و حماية المنظومة الأخلاقية لبناء الأسرة و المجتمعات. الإسلام أول من ألغى التمييز بين البشر على أساس اللون أو العرق أو الدين وصان المواطنة الكاملة فلا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى و العمل الصالح و لم تقم قائمة للإسلام إلا بعد أن ألغى العنصرية المقيتة، وضم بين أبطاله العظام صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وماريا القبطية وغيرهم ممن أثروا مسيرة التاريخ.
الإسلام لم يميز ضد أتباع الديانات الأخرى فقد أمر الرسول الكريم أتباعه بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكا عادلا هو النجاشي وكان نصرانيا. القرآن ذكر الأنبياء موسى وعيسى أكثر من النبي محمد و خص السيدة مريم بسورة كاملة و كرمها بجعلها سيدة نساء العالمين.
الورقة السادسة اشتملت على حق رئيسي ألا هو حق الصحة ولو لم تذكره بالاسم. حماية الحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية و الفكرية والبيئية والاقتصادية هو تثبيت لمفهوم الصحة في العصر الحديث. مفاهيم التكافل الاجتماعي و التعاضد و العيش السلمي و احترام الرأي الآخر والحريات الدينية والفكرية وسمو القانون فوق الجميع هو نفسه ضمان لحقوق الجميع بعيش كريم و رعاية صحية بدون تمييز على أسس عرقية ودينية واجتماعية والحصول على غذاء أمن و سكن و شمول الرعاية الصحية للجميع وإشراك المواطنين في كل السياسات البيئية والصحية والاجتماعية ضمن مبدأ المواطنة الفاعلة الصالحة التي دعا اليها الملك. مفهوم الصحة الذي صانته الشرائع الدولية و دساتير حقوق الإنسان صانه الإسلام قبل آلاف السنين الإسلام الذي شرع عدم قتل الأبرياء بغير حق و عدم الاعتداء على النساء و الشيوخ و الأطفال و التعدي على ممتلكات الأخرين و بيوت العبادة التي يذكر بها اسم الله.
هذه الخصائص موروثة من سبط النبي توارثناها عن الخلف الصالح و قد أضحت من شيم الأردنيين باختلاف منابتهم و أصولهم و تجلت باستقبال أعداد مليونية من اللاجئين على امتداد الدولة الأردنية الفتية سواء من الشيشان أو الشركس والبوسنة والفلسطينيين والليبيين واليمنيين والسوريين والعراقيين والأرمن والأقليات المسيحية المضطهدة في دول الجوار الذين وجدوا في الأردن خير نصير.
لحد اللحظة لا يوجد تفهم لوضع الأردن الخاص في أزمة اللاجئين أو التحديات الجمة المحدقة بالأردن ملكا و حكومة و شعب. هجوم صحيفة «الايكونومست» على الأردن و النظر إليه من زاوية تشاؤمية سواء بالنسبة للانتخابات البرلمانية التي مرت بسلاسة وحياد ونزاهة وطنية وبدون مظاهر تمرد أو عسكرة أو أخطار أمنية كما يحصل في دول الجوار رغم تدني نسبة المشاركين بالانتخابات، أو تصوير أزمة اللجوء في الأردن كشماتة بما تضيفه على المملكة من أعباء اقتصادية و اجتماعية و سياسية باهظة، أو تصوير مقتل الكاتب ناهض حتر كوأد لحريات الفكر و مصادرة الحق في التعبير بقوانين جائرة تحرم التعدي على الأديان، أو مظاهرات ضد اتفاقية الغاز مع إسرائيل أو تلك التي رافقت تعديل المناهج ووصف النظام في الأردن بالاستبدادي و الديكتاتوري لا يصب في مفهوم التعايش السلمي والدولة المدنية دولة القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة والاعتدال والحداثة والوئام بين الأديان والحرية الفكرية والدينية ومحاربة آفات الواسطة والمحسوبية و الفساد التي انتهجها الملك عبد الله الثاني بالورقة النقاشية السادسة و كأساس لبناء الدولة الأردنية الحديثة بما يضمن استقرارها وأمنها وازدهارها في محيط يعج بالفوضى الدموية.
هذه العوامل مجتمعة و قدرة الأردن ملكا وحكومة وشعبا على عبورها بتحد و تصميم أكثر على مواجهة الصعاب هو أفضل أسهم الأردن كدولة تقف في الخندق الأول لمواجهة الإرهاب وتوفير الإغاثة الإنسانية لمن تقطعت بهم السبل من دول الجوار.

كاتب من الأردن

 الأردن: الصحة والورقة الملكية النقاشية السادسة

الدكتور منجد فريد القطب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية