بسرعة وبدون مقدمات منهجية تم تأطير النقاش الدائر حول عقوبة الإعدام التي نفذتها المملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي في حق ثلاثة وأربعين شخصا من تنظيم «القاعدة»، بالإضافة إلى أربعة مواطنين سعوديين من الطائفة الشيعية من بينهم الداعية باقر النمر، المعروف بمواقفه المعارضة للنظام السعودي، تم تأطير النقاش باعتبارات مذهبية وطائفية تم الدوس فيها على جميع القيم العقلانية والإنسانية.
ردود الفعل الأعنف صدرت من إيران من خلال جميع المستويات السياسية والمؤسساتية، من أعلى المراجع الدينية إلى المظاهرات الغاضبة في الشوارع مرورا بموقف الرئيس حسن روحاني وموقف الحرس الثوري الإيراني الذي توعد بالانتقام من الأسرة السعودية الحاكمة!! كما صدرت مواقف من العراق ولبنان والبحرين…كلها مواقف منددة بإعدام الشيخ النمر ورفاقه، مع تجاهل الآخرين الذين جرى تنفيذ حكم الإعدام في حقهم..ويبقى النقاش الغائب هو نقاش عقوبة الإعدام كعقوبة جنائية من الناحية القانونية والشرعية وخاصة الإعدام لأسباب سياسية..
وهو ما يجعل النقاش حول وقائع الإعدام الأخيرة تستحق النقاش لاعتبارات فكرية وأخرى سياسية..
اعتبارات فكرية تتطلب انخراط المثقفين والعلماء وكل أصحاب الرأي من أجل تحصين المجتمعات ضد خطر العصبيات القاتلة، التي تلبس لبوسا طائفيا أو مذهبيا وهي قادرة على إشعال المنطقة بصراعات لا منتصر فيها أبدا، والكل سيحصد الخسارة في النهاية.
التهم التي وجهت للشيخ السعودي باقر النمر هي تهم سياسية بامتياز وقرار إعدامه نابع من اعتبارات سياسية لا علاقة لها بالمذهب..الأمر يتعلق بمعارض سياسي للعديد من الأنظمة العربية في المنطقة بما فيها النظام السوري الموالي لإيران، ولذلك فإن النقاش ينبغي أن ينصب حول الدوافع السياسية التي تحركها نزعات السلطة ويجري تغليفها باعتبارات مذهبية وأخرى قانونية.
علينا أن نتذكر بأن عقوبة الإعدام طالت الكثيرين من المعارضين، وهناك سجل حافل بالتضييق على العديد من الشخصيات الإصلاحية السنية، وهو ما يؤكد البعد السياسي الذي يؤطر هذا التوتر، ويكشف عن السبب الحقيقي الذي يفسر عنف الدولة تجاه المعارضة…
الاعتبارات السياسية التي تدعو إلى مناقشة هذا الموضوع هو التطورات الميدانية التي أعقبت قرار الإعدام والمتمثل في ردود الفعل الغاضبة في إيران والتي وصلت إلى درجة الإقدام على إحراق السفارة السعودية في طهران، ومواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة في البحرين، وهو ما يعني أن الشحن الطائفي وصل إلى درجة تنذر بالأسوأ في مستقبل الأيام..
معظم الدول العربية اتخذت مواقف مؤيدة بشكل تلقائي للمملكة العربية السعودية، وكان من الملفت أن تتخذ المملكة المغربية موقفا متريثا.
المغرب اتخذ موقفا حكيما بدعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس، بعيدا عن الكثير من الخطابات التي تؤطر المواقف الكلاسيكية حول العلاقة بين إيران والدول العربية، ولذلك فإن المطلوب اليوم هو الاحتكام إلى صوت العقل ولغة المصالح أيضا..
إن الأنظمة العربية التي أقدمت على صياغة المبادرة العربية من أجل السلام وتقدمت بها تجاه إسرائيل، مطالبة بصياغة رؤية عربية موحدة تجاه الجار الإيراني من أجل تسوية تاريخية حقيقية للخلافات السياسية التي يتم تغليفها بشعارات مذهبية وطائفية..الشجاعة السياسية تقتضي من العرب استخلاص الدروس من البراغماتية السياسية التي تنهجها إيران في المنطقة والاعتراف بإيران كقوة إقليمية غير قابلة للتجاوز.
لقد جرب الغرب سلاح العزل السياسي والحصار الاقتصادي ولم يفلح في إيقاف المشروع النووي الإيراني، كما خاضت دول الخليج وبعض الأنظمة العربية مواجهات حربية وأخرى كلامية ولم تستطع الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، كما فشلت في بناء الدولة القطرية الموحدة على قاعدة الولاء لمؤسسات الدولة انطلاقا من مبدأ المواطنة، بل ساهمت سياستها في تعميق التوترات المذهبية والطائفية بين أبناء البلد الواحد.
لا خيار أمامنا إلا الاعتراف بالأمر الواقع وإعادة النظر في سياسة المحاور على أساس طائفي والتفكير في رؤية جديدة لجعل إيران جزءا من الحل لمشاكل المنطقة على أرضية البحث في المصالح المشتركة وتجاوز سياسة الاستقطاب والاحتراب المذهبي والطائفي التي لم تنتج سوى الدمار والإحباط لشعوب المنطقة.
وصدق من قال: نمر مُفترس أمامك.. خير من ذئب خائن وراءك.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين