«يجب أن يكون الشعر مروعا ومفاجئا» جفري هيل
أنظر إليك في بذلتك المزركشة وأنت تجلس بالقرب مني ونحن نستمع إلى موسيقى باروك حزينة يغنيها طلبة كنيسة المسيح في مدينة أكسفورد. لم أكن أعرف أنك الشاعر القديس ذو اللحية الويتمانية لو لم يلفت صديقي طالب الأدب المقارن نظري إليك. حييناك تحية سلام ومودة قبل أن نطفئ الشموع ونغادر الكنيسة في صمت.
هكذا يغادروننا بسلام واحدا تلو الآخر، تاركين العالم بدون صوت يوقظه من غفوة اللامبالاة بالمآسي اليومية. هكذا يغادروننا يائسين بعد أن ارتطم قطار خيالهم الأخلاقي بحواجز إنسانية تخلت عن نفسها. هكذا يغادروننا فِي ضَوْءِ آخِرِ جَذْوَةٍ وبعدهم يرين صمت رهيب.
أعلنت زوجة الشاعر الإنكليزي المرموق جفري هيل وفاته فجأة مساء يوم 30 يونيو/ حزيران عن عمر يناهز الرابعة والثمانين عاما، وأكدت كلية ايمانويل في كامبريدج حيث كان هيل يعمل أستاذا فخريا صحة خبر الوفاة. وأشادت الشاعرة كارول آن دافي بمقام وعظمة جفري هيل قائلة إنه «كان قديسا في الشعر ومحاربا لم يتنازل عن شبر كيفما كان في حملته للوصول إلى الحقيقة الشعرية. يمكن اختصار منجزه في أربع كلمات – ‹الله يتسم بالبعد والصعوبة «- كان يضيء فجأة مثل البرق على المناظر الطبيعية».
ولد جفري هيل يوم 18 يونيو عام 1932 في برومسغروف في إنكلترا لأب كان يعمل شرطيا في القرية نفسها، انتقلت أسرته إلى فيرفيلد عندما كان عمره ست سنوات، حيث درس في المدرسة الابتدائية قبل أن يعود إلى مدرسة النحو في برومسغروف. وفي سنة 1950 انتقل إلى كلية كيبل في أكسفورد، حيث درس الأدب الإنكليزي وحصل على البكالوريوس ثم الماجستير بميزات حسنة. وبعد تخرجه من الجامعة شرع في ممارسة العمل الأكاديمي والتحق بالتدريس في جامعات عديدة نذكر منها جامعة ليدز من 1954 إلى 1980، وبعد أن غادر ليدز قضى عاما في جامعة بريستول على منحة تشرشل قبل أن يصبح أستاذا في كلية إيمانويل في كامبريدج، إذ درس من عام 1981 إلى عام 1988، ثم انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة، حيث أصبح أستاذا جامعيا وأستاذا للأدب والدين في جامعة بوسطن قبل أن يعود في عام 2006 إلى كامبريدج في إنكلترا.
عرف جيفري هيل بكونه أحد أعظم شعراء جيله الذين أبدعوا باللغة الإنكليزية، كما أنه اعتبر أحد أهم شعراء القرن العشرين، وعاش حياة مكرسة للشعر والعلم والأخلاق والإيمان.
شعر هيل هو أبعد ما يكون عن لغة إنكليزية تستعمل أسلوبا عاديا، غير أنه يدافع بقوة عن حقه في أن يكون غامضا، يقول «القول بأن شاعرا يجب أن يدان لأنه يشير إلى نظام الحمية الغذائية لدى الديدان- ونحن لا نعرف ما نظام الحمية الغذائية لدى الديدان – هل هو شيء له علاقة ببرنامج سيد الطهاة؟ – أو أن شاعرا صعب الفهم لأنه يستحضر مجال رؤية مختلف يصعب علينا استيعابه: هذا يبدو لي نوعا من البلطجة الفجة». وفي مقابلة أخرى يضيف قائلا «أعتقد أن الشعر الصعب هو الأكثر ديمقراطية لأنك تشرف جمهورك بافتراضك أنهم أذكياء. الكثير من الشعر الشعبي اليوم يعامل الناس كما لو كانوا حمقى، وهذا الجانب بالذات، وجانب نسيان التقاليد متلازمان.» وفي سياق آخر يقول الناقد الأمريكي المشهور هارولد بلوم، «يمثل جفري هيل الشاعر النبي في زمن ظلامنا المتزايد، وورث سلطة المستبصرين من دانتي وبليك إلى د.ش. لورانس». أما الشاعر والناقد جون هولاندر فيكتب، «فكما افتدى جورج هربرت خفة الشعر الإيروتيكي لغرض أوسع نطاقا، فجفري هيل يتصارع منتصرا مع الملاك المذنب للغة عادية يبدو أن كل دوراتها وحركاتها وأدواتها وتعابيرها قد تعرضت للتزوير في أزمنة رهيبة لصوت الخيال الأخلاقي».
وفي مقابلة لسمير رحيم مع شيموس هيني في عام 2009 فقد أثنى هذا الأخير على هيل قائلا: «كان لديه إحساس قوي بأهمية الحفاظ على الخطاب الشفهي»، وأضاف قائلا، «لديه استشعار علمي عميق لكل ما هو ديني وسياسي في بريطانيا»، أما الروائي كولم تويبين فيقول «كل عبارة يستخدمها تبين أنه قد فحصها ودقق فيها ليس فقط في ضوء التجربة المحضة، ولكن في ضوء معرفة كاملة، ومع إدراك كامل للظلمة والغموض المضلل الذي يحيط بالمعرفة»، ويضيف تويبين إنه شاعر «يسعى للسمو باللغة إلى ما وراء نفسها».
وعن القضايا والمواضيع التي يتناولها شعر هيل يقول الشاعر أندرو موشن «تشكل القضية الإنكليزية ومشاكل إنكلترا شغله الشاغل، ولكن الـتألق والطموح الذي يتناول به قضايا تاريخية ودينية وسياسة، وكذلك الماضي الشخصي، وطريقة عمله التي تجمع بين الدقة والجمال، كلها عناصر تعكس قدرته على معالجة وإدماج انشغالات كونية». ويتميز شعر هيل باستخدامه أساليب متنوعة تتمثل في الكتابة الكثيفة والتلميحية كما في دواوينه «جدع الملك» (1968) و»كنعان» (1997)، والتركيب البسيط كما في ديوانه «الظلمات» (1978) ، بالإضافة إلى قصائد سهلة كما في ديوانه «تراتيل مورسية» (1971). من جهة أخرى فقد اهتم هيل باستمرار بفترات الإشكاليات الأخلاقية والعنف التي شهدها التاريخ البريطاني والأوروبي، وكتب قصائد شعرية ترد على حدث المحرقة، كما في «اثنين من المرثيات الرسمية»، و»أغنية سبتمبر» و»أوفيد في الرايخ الثالث».
وفيما يتعلق بتوجهه السياسي الذي لابد أن ينعكس على كتابته الشعرية فإن هيل يقول «لقد وصفت نفسي أمام الملأ بأنني من متتبعي راسكن، لكنه أضاف: فقط المحافظون الراسكينيون هم من يشبه الماركسيين اليوم»، ويبين عمل هيل عن تعاطفه العميق مع معاناة فئات الطبقة العاملة في القرن 19، ويتجلى هذا التعاطف في تخليده لمعاناة عائلته في «تراتيل مرسية». ويقول عن السياسة الحديثة باننا «نحن أحرار كي نصوت لصالح القلة المسيطرة»، «نحن أحرار كي نصوت لسجانينا»، ويعتقد أن الكثير من الشعر المعاصر متواطئ مع السلطة، ويوضح ذلك بقوله «إن اللغة التي يعتقدون أنها ديمقراطية ومعادية للنخبوية هي في الواقع فتات من اللغة الإنكليزية التي سقطت من موائد حفلات القلة المسيطرة. هذا النوع من الشعر الذي يستعمل اللغة العادية هو غير ديمقراطي على الإطلاق: إنه تذليل. نعم، تذليل». وقد عرضته مواقفه السياسية في كثير من الأحوال إلى نقد لاذع أكثر من أي شكوك دينية يمكن أن يكون قد لمح إليها.
يشكل الدين منطقة خلاف أخرى حول شخصية وشعر جفري هيل فالكثير من شعره يتناول صراعه العاطفي مع قضية الإيمان. هل هو شاعر مسيحي؟ «حسنا، إنها علامة، أليس كذلك؟» يقول هيل. وأضاف «إنهم يحبون أن يلصقوا بك لقبا مناسبا». وتوقف قليلا ثم قال «أنا اتفق مع واقع التوثيق المسيحي وأستطيع تماما أن أستخدم مصطلحات لاهوتية «ثم يستدير باتجاه القس أليس غودمان متسائلا:» هل يمكنني أن أقول إنني لا أحب كنيسة انكلترا من نواح كثيرة بدون ان أؤذيك».
وكتب رئيس أساقفة كانتربري السابق روان وليامز حول الأبيات التالية من ديوانه «كنعان»: «أنا أقول أنه ليس من الكفر/ أن تقف بدون إيمان، محافظا على انفتاح / فيجيل في موقعه.» ومن الأسباب التي تجعل وليامز وغيره من رجال الدين يحبون هيل تقول غودمان هو «أنه يعبر عن أشياء تتعلق بالكنيسة والإيمان التي شعروا بها، ولكنهم لم يستطيعوا التعبير عنها من مقامهم».
وبغض النظر عن القراءة التي ألهمته في صباحه وأعانت على صياغة أفكاره عن الكتابة والأسلوب فما أوقد حقا شرارة خياله هو مشهد القاذفات الألمانية وهي تهبط على بلدته برومسجروف. يقول في إحدى مقابلاته «كان واقعا ميتافيزيقيا غريبا- لا زلت أتذكر الارتجاف الغريب جراء ذلك، على الرغم من أن الحادث لم يستمر أكثر من دقيقة ونصف الدقيقة – أملى عليّ لبقية حياتي الطريقة التي كنت أدرك بها تجاورات معينة للواقعي والسريالي. تشعر بالرعب، بالصدمة وانفصال غريب في الآن نفسه. وهو وصف جيد للقصيدة لا يمكن أن أجد أكثر منه بلاغة»، بالإضافة إلى أنه رأى أيضا كوفنتري تقصف من مسافة بعيدة، يتذكر هيل «كان القصف خلال الليل وفي الأفق الشرقي كان هناك ضوء محمر برونزي ينبض»، وتسكن قصائد هيل فظائع تاريخية عدة كما في قصيدته»أغنية سبتمبر» التي ترثي طفلا قتل على يد النازيين.
نشرت لجفري هيل دواوين شعرية عديدة نذكر منها «للذين لم يذنبوا بعد: قصائد 1952-1958»، شكلت بداية موفقة في حياته الشعرية وزرعت بذور نبوغه من حيث الأسلوب والقلق اتجاه الوجود والموجودات، و»جدع الملك» و»ترانيم مرسية» (1971) وهي مجموعة من قصائد نثرية جمع فيها بين ذكريات طفولته وحكايات الملك أوفا المورسي من القرن الثامن ، واستخدم فيها الرمزية المسيحية، وحصل بها على جائزة هانت أليس بارتليت، بالإضافة «بدون عنوان»(2006) و»مشاهد من كوموس»(2005)، و»انتصار الحب» (1998) التي حصلت على جائزة هينمان للكتاب، و»كنعان»(1997) التي حصلت على جائزة كان، و»ظلمات»(1978) و»الكلام! لكلام!»(2000)، و»بساتين سايون»(2002)، و»تراتبيات منكسرة: قصائد من 1952-2012» التي تجمع ستين سنة من الكتابة في ألف صفحة.
حصل هيل على العديد من الجوائز والأوسمة نذكر منها جائزة فابر التذكارية، وجائزة هاوثوردن، وجائزة لوينز من الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب، وفي عام 2010 انتخب أستاذا للشعر في أوكسفورد لمدة خمس سنوات، وحصل على وسام عام 2012 وبذلك تتجاوز شهرته حدود ما توفره القراءة وبذلك يضمن بالتحول الذي طرأ على كتابته الشعرية في السنوات الأخيرة مكانته في المشهد الشعري المعاصر. وصدر له في النقذ «أسياد الحدود: مقالات عن الادب والأفكار»(1984)، «بلاد العدو: كلمات وسياقات وظروف أخرى للغة»(1995)، «الأسلوب والإيمان»(2003)، «ظلال مضيئة: القوة الأسطورية للفيلم»(1992).
أغنية سبتمبر
ولد في 19 يونيو 1932 ورحل في 24 سبتمبر 1942
قد تكون غير مرغوب فيك،
منبوذا أنت لم تكن
غير منسي أو متجاهل في الوقت المناسب
توفيت كما تشير التقديرات
وسارت الأمور
بما فيه الكفاية إلى النهاية
فقط الكثير من الزيكلون والجلود،
إرهاب مصون ببراءة إختراع،
والكثير من صيحات روتينية
(لقد نسجت
مرثية لنفسي
إنها صادق)
سبتمبر يسمن نفسه على الكروم
ورود تتقشر من الجدار
دخان حرائق غير مؤذية ينجرف إلى عيني
هذا وافر
هذا أكثر مما يكفي
أوفيد في الرايخ الثالث
أحب عملي وأولادي
الإله بعيد، صعب
الأمور تحدث
قريبة جدا هي أحواض الدم القديمة
البراءة ليست سلاحا دنيويا
تعلمت شيئا واحدا: ألا أحتقر كثيرا الملعونين،
هم في مجال عملهم،
ينسجمون بغرابة مع الحب الإلهي
أنا في مجالي أحتفل بالحب الجوقي
نظرة إلى صورة 50 عاما من جمهورية ألمانيا الاتحادية
إنها ليست مسألة عدالة، فالعدالة في عالم آخر
أو حتى مسألة ظلم، ذاك ليس موضوعنا، أو تقريبا هو خارج عنه
ولا حتى مسألة استمرارية المستأجرين وأصحاب الموارد
أولئك الذين يعانون من السمنة المفرطة، والرؤساء الممتازين للشعر-
الزوجات الجميلات أو البسيطات، والسكرتاريات والمترجمين
أعمال الشغب والمظاهرات التي تظهر الآن مثل الفواصل،
والأقنعة، أو المواكب الفخمة، أو ثياب الطلاب البالية
خراطيم المياه الخاصة بالشرطة؛ تبحث عن مخرج الفيلم
ولكن لا تستطيع أن تجده
هنالك الجدار الذي علق عليه بالكتابة،
هنالك الرايخستاغ، وباب براندنبورغر الذي
رمم من جديد مع أو بدون أسلاك شائكة
هنالك فيلي برانت يجثم على ركبتيه أمام حارة اليهود التذكارية
في زيارته إلى وارسو، ديسمبر عام 1970:
لقد فعلت ما يفعله الناس عندما تخونهم الكلمات
رسالة من أرمينيا
هكذا بعيدة في البقعة الخاصة بك في هذا العالم:
الأزهار الغددية الناضجة تزهر وشجرة السرو
ترتجف من شدة الحرارة (التي نتحملها
أيضا بطرقنا المناسبة)، أحول ذهني
نحو النهب الدقيق، انبعاث
الشظايا اللامعة وغير اللامعة،
وثلاثة أنواع من الحبوب المتبقية على قيد الحياة
أتردد وسط الكوارث الظرفية
أحدق في الموتى الحقيقيين
*شاعر ومترجم من المغرب
تقديم وترجمة الحبيب الواعي