ذات مرة كان هناك مغزى لمفهوم «الشيطان». فقد كان واضحا من هو الشيطان. أما الآن تخلى العالم عن هذا المفهوم واستبدله بالاستقامة السياسية الحكيمة، التي في اطارها يتم التعامل مع المعتدين والضحايا على أنهم أخلاقيون.
إن قتل الكثيرين من قبل الأصوليين الإسلاميين يزعزعنا. ولكن يتم القول لنا إن تسمية هذا «عمل شيطاني» يحرف الانظار عن الامر الاساس ـ الاستغلال الكولونيالي. نحن نسمع مرة تلو الاخرى أن اليأس الاقتصادي يعطي الحافز من اجل التجند للجهاد. ولكن اغلبية إرهابيي داعش في الغرب ولدوا لعائلات من الطبقة المتوسطة. والحكومات الغربية ترفض ايضا الاعتراف بالاصولية الإسلامية التي تبنتها الجاليات الإسلامية، والتي لا تريد الكشف عن الجهاديين فيها. في أساس المشكلة يكمن رفض المواجهة مع التهديد كعمل شيطاني كوني يسعى إلى تحطيم الارث الاخلاقي اليودومسيحي، واستبدال الديمقراطية بقوانين الشريعة.
هذا التملص يجد تعبيره في التعاطي مع إسرائيل. فإسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، ورغم جيرانها العرب الذين يريدون القضاء عليها، إلا أنها تمنح المساواة السياسية الكاملة لجميع مواطنيها، العرب واليهود. وفي المقابل، في السلطة الفلسطينية وحماس، لا توجد حقوق للانسان، بل يوجد مجتمع يقوم بدعم الإرهاب. السلطة الفلسطينية وحماس تمنحان تقاعدا محترما لعائلات قتلة اليهود أو الأسرى في السجون الإسرائيلية. المدارس والميادين وفرق كرة القدم يتم تسميتها على أسمائهم. واضافة إلى ذلك، في كل مرة يقتل فيها يهودي، تندلع الاحتفالات في الشوارع. إن هذه ثقافة الموت. ورغم كل ذلك فان المجتمع الدولي يقوم بالمقارنة بين إسرائيل والفلسطينيين اخلاقيا، مع تجاهل الاعمال الشيطانية.
مثال آخر على ذلك، رئيسا الحكومة باراك واولمرت اقترحا على الفلسطينيين الانسحاب من 97 في المئة من المناطق المختلف عليها، وتم رفض ذلك. ونتنياهو اقترح تقديم تنازلات أكبر من التي اقترحها اسحق رابين، بما في ذلك تأييد حل الدولتين مع ضمانات أمنية واعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية. ولكن هدف الفلسطينيين بقي على حاله، وهو انهاء السيادة اليهودية على مراحل. وفي افضل الحالات كان المجتمع الدولي يتهم الطرفين بالمسؤولية عن الازمة في المحادثات. ولكن في العادة يتم القاء المسؤولية على إسرائيل. مرة اخرى انكار للاعمال الشيطانية والمقاربة الاخلاقية.
في الوقت الحالي، بدل التطرق للفظاعة التي تحدث في الشرق الاوسط، فان ادارة اوباما تقوم بنزع الصبغة الانسانية عن إسرائيل بسبب البناء في الاحياء اليهودية. من الغريب أن يتم فرض المقاطعة على إسرائيل بسبب توسيع شرفة في القدس، في الوقت الذي يستمر فيه القتل دون اعاقة، على بعد أمتار من هناك.
قادة الغرب ووسائل الإعلام التابعة لهم يلهثون وراء الإسلاميين ويرمزون إلى أن قتل طفلة تبلغ 13 سنة من عمرها في سريرها، هو مقاومة للاحتلال. الممثلون الأمريكيون والاوروبيون يؤدون التحية أو يصمتون حينما يقوم رئيس السلطة الفلسطينية باسماع اكاذيبه ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، أو أنهم لا يعارضون القرارات التي تساهم في عدم أنسنة إسرائيل ويتحولون إلى شركاء فاعلين في الاعمال الشيطانية.
الوزن الاخلاقي يؤدي إلى عدم الشعور بالأمن الشعبي في الدول الديمقراطية. ويمكن أن التاريخ سيعتبر أن استيعاب اوروبا برئاسة المانيا لملايين اللاجئين من الشرق الاوسط، انعطافة. إن امتناع الغرب عن مواجهة الاعمال الشيطانية ضعضع الاستقرار الدولي وانشأ الفوضى والاحتجاجات الشعبية ضد المؤسسة. وفي الولايات المتحدة، مستوى النقاش السياسي الذي كان قبل الانتخابات تدهور إلى الدرك الاسفل. وهذا الشيء صحيح ايضا بالنسبة لاوروبا حيث إن خروج بريطانيا من الاتحاد يشير إلى انهيار الاتحاد الاوروبي. وتوجد هناك زيادة كبيرة في القومية المتطرفة لليمين في الوقت الذي تُحاط فيه المجتمعات بالإرهاب الإسلامي.
نحن نأمل أن تشكل هذه التحولات دعوة دولية من اجل النهوض، وأن تكون النتيجة وجود قيادة مسؤولة وشجاعة أكثر تقاوم الاعمال الشيطانية بشكل حاسم. ونأمل أن يتم الاعتراف بإسرائيل كشريكة ناجعة في الحرب العلنية ضد الإسلام الاصولي بدل أن تكون المشجب.
إسرائيل اليوم 27/7/2016