كثيرا ما يساء الظن بالكيفية التي من ورائها دخلت الأكاديمية إلى ميدان البحث العلمي، ويعتقد بعض الدارسين طلابا وباحثين ومؤرخين وعلماء ونقادا، أن الأكاديمية هي غاية بحد ذاتها، وأنها ما أن تُستكمل اشتراطاتها عند باحث ما حتى يكون ذلك الباحث قد بلغ مراده ونال مرامه الذي نافح من أجله، غير منتبه هل سيكون هذا الذي هو غاية وافيا بشرط الجد، ملبيا مقتضيات الإبداع ومحققا متطلبات الدرس البحثي أو لا؟
ويبدو أن الإشكالية في فهم الأكاديمية في ميدان النقد ونقد النقد، أكثر إلحاحا وأهمية، كونها تعني في أدق دلالتها ضوابط البناء الشكلي للمادة النقدية المبحوث فيها عن مضامين ومحتويات علمية، تضبطها الاصطلاحات وتوجهها المفاهيم المنبثقة، في ضوء نظريات واتجاهات وتيارات ومذاهب وتمدرسات، وقبل ذلك كله المنهجية التي يحرص الناقد على انتقائها بما يتناسب والمادة الأدبية الموضوعة تحت مجهره. وهذا التناسب هو الذي يسيِّر الباحث على الطريق الذي يوصله إلى الهدف الذي به تتحقق وظائفية النقد، وتتوكد مدى فاعليته في الكشف والتحليل والتأويل والاستغوار.
ووفقا لذلك تغدو الأكاديمية الموظفة في النصوص النقدية، عبارة عن وسيلة غايتها النص المنقود وليست العكس، بمعنى أن الأكاديمية غاية والنص المنقود وسيلتها.
ولعل الفارق ما بين التصورين إزاء الفعل الأكاديمي خطير، بسبب ما يتركه من أثر على فاعلية النقد في الإنتاج والمغامرة ومدياته في المراهنة والاحتجاج، فضلا عن دافعية الناقد في التثوير والتنوير وبحسب إمكانياته الذاتية.
وإذا اعتبرنا الأكاديمية فعل بناء كيفي يظهر كتابيا على مستوى السطح الظاهري للمادة المنقودة، فإن ذلك يعني أن هناك فعلا موضوعيا كامنا في التفكر على مستوى العمق النصي لتلك المادة. وما بين استظهار السطح الكتابي وكمون المستوى النصي تتضح الاختلافية بين المرمى الذي هو النقد، والواسطة التي هي الأكاديمية.
المرمى هو بغية سمتها أنها مضمونية لا يصلها الناقد إلا بامتلاك جهاز اصطلاحي ذي أدوات معرفية، متكئة على مرجعيات ذخائرية محددة وأصيلة، بها تتوضح قدرته على الاجتراح والتمثيل، شرحا وتفسيرا كما تتجلى براعته في كبح جماح رغائبه الذاتية، التي ستنصاع للموضوعية الكتابية متسمة بالحياد، غير منحازة ولا متحاملة متحلية بالصرامة، ومتبعة الضوابط العلمية ملتزمة بالكيفيات التي تتيح للناقد إنتاج نص نقدي أصيل لا يجتر ما سبقه، ولا يكرر المشاع باعتياش طفيلي كسول، منتجا المنتج ليس مضيفا له ولا مغيرا في هيأته، ليكون نصه عيالا على النص الأصلي. وهكذا تظل حلقة العلم لدى ناقد كهذا تراوح في مكانها غير متقدمة إلى أمام ولا متزحزحة إلى الخلف، وكأنها حجر عثرة فلا هي تفسح الطريق لغيرها ليمر ولا هي تتبلور في صورة تتيح مجالا لابتكار طرائق أو اساليب يستند إليها الناقد الواعد والجاد.
وعادة ما يكون التكريس النظري والجهد الإجرائي الذي ينصهر في التفكير النقدي، وفق اشتراطات ومحددات ملحة معقدا ودقيقا، بيد أن الشكل الذي هو القالب الذي فيه تتموضع مضمونية المادة النقدية أقل حدة وأخف تعقيدا. والسبب أن هذا القالب يتشكل بيداغوجيا تبعا لأكاديمية الدرس النقدي، كأن يكون كلاسيكيا أو حداثيا، أو ما بعد حداثي، وستتحدد من ثم ممارسات الناقد الكتابية لتقبع مخزونة في تلافيف فكر الناقد، مستودعة بشكل لا واع في هيئة تراكمات مترسبة، ومجموع خبرات ذاتية وجماعية كامنة، حتى إذا ما احتاجها الناقد استدعاها بيسر وتلقائية.
وكلما تقدمت العمر بالناقد صارت تلك الممارسات بمثابة قواعد دغماطية مفروغ منها من قبيل كيفية التنصيص والإحالة على المقبوس، واستعمال علامات التنقيط والترقيم والفواصل والهمزات والمدات والشدات، إلى غير ذلك من شكليات الكتابة لغة وإملاء وطباعة.
وهذا القالب هو جزء ضئيل مما يمكن أن نعرف به الأكاديمية التي هي بمثابة أداة استكمالية، لكنها ليست فاعلية تأسيسية. ولهذا عادة ما يتوزع هذا القالب الأداتي على السطح الكتابي للنص النقدي، متخذا صورتين إحداهما هي الحواشي والهوامش التي تأتي لاحقة بالمتن مدللة عليه، مؤكدة مصداقيته وأمانته، أو موضحة مستغلقه، مشيرة إلى مزيده، وبما يجعل هذه الهوامش في خدمة المضمون، توكيدا للأمانة والدقة في العمل، وكي لا يبخس الناقد الآخرين أفكارهم. والصورة الأخرى هي المتون التي تتم فاعليتها النقدية عبر تدعيم المستوى الشكلي الأكاديمي بتراتبية وتواترية، يتأرجح عبرها قلم الناقد متنا وهامشا مستكملا المحتوى الفكري بالشكل الأكاديمي، وبذلك تكون الوسيلة محققة للغاية التي هي النقد.
ولا يمكن بأي حال أن يغدو المضمون في خدمة الهامش، فذلك محال في العمل النقدي، والسبب أن الناقد لا يستعين بالمراجع والمصادر، ويبحث عن المظان ويوضح المسميات ويفهرس أو يضع ببلوغرافيات، أو بيوغرافيات إلا توكيدا لفكرة نقدية أصيلة هي بمثابة الرسالة التي يبغي توصيلها لقارئه. والسؤال هنا ماذا لو غدا الشكل الأكاديمي والمضمون النقدي غاية بحد ذاتهما؟ هل سيتمكن الناقد من بلوغهما معا بلا تذبذب ولا جائرية؟ وكيف ستنعكس إحدى الغايتين على الأخرى، أم أنها تتحقق على حساب الأخرى، وبذلك تتضاد الغايتان وتتقاطعان؟ وهل يصح اقتصار النقد على إحداهما في إنجاز فعل يوصف بأنه نقدي؟ وأي المستويين سيوصل الناقد الى مراميه بغض النظر عن كون ذلك المستوى متنا أم هامشا؟ وما طبيعة المرامي أهي كمية أم نوعية ذات تطلعات إيجابية أم سلبية؟
إنّ الإجابة على هذه التساؤلات ستكون واحدة، مفادها أنه: للنص الأدبي شكل ومضمون كما للنص النقدي شكل ومضمون. فأمّا شكله فتمثله الأكاديمية بصرامتها وأمانتها، وأمّا مضمونه فهو التفكير النقدي بجديته وتجريبيته وتوليديته.
ونبدأ بالأول متسائلين عن مقومات نجاح الأكاديمية فنجدها متوقفة على المنظومة التي يختارها الناقد لنفسه كقوالب يصب فيها أفكاره النقدية، علما أن هذه المنظومة لا تتأتى عن موهبة ولا علاقة لها بالسيولة القلمية، وإنما هي مرتهنة بالدرس البحثي وكيفية التخطيط له والتحضير لاستيعابه وفهمه، وهو ما تتأتى ممارسته في قاعات الجامعات التي تنماز بالعراقة والرصانة، وفق مقررات وخطط، ليكون الدرس الأكاديمي في أروقتها موسوما بأنه منتخب عن دراية ومتبلور عن علمية ليس فيه ما هو تجريبي أو شخصاني.
ولا يفهم من هذا أن الدرس الجامعي المنضوي تحت خانة الأكاديمية واحد، بل هو متنوع بحسب معطيات المرحلة التي يتلقى الناقد عبرها دروسه الأكاديمية في النقد وما فيها من اتجاهات حداثية، حتى إذا أردنا أن نعرف الناقد ومنطلقاته وتوجهاته صرنا نسأل عن المؤسسة الجامعية التي فيها تلقى أبجديات الدرس الجامعي، إلا في النادر القليل. وبالنسبة إلى الثاني أي المضمون النقدي فذلك يطول شرح قواعده وأبنيته، لكن ببساطة نقول إن نجاحه يتوقف على براعة الناقد، وما يتمتع به من موهبة أهم سماتها القدرة على التفكير الحر والمتزن، ويضاف إلى الموهبة الاكتساب المعرفي الذي يتغير ويتطور باستمرار.
وبناء على توصيفنا للنص النقدي بأنه تكامل ما بين أدوات توصل إلى غايات، فإن النقاد سيكونون على صنفين، الصنف الأول يمثله الناقد التجددي الذي يعرف كيف ينوّع ممارساته النقدية، مطورا تنظيراته، طاويا في خضمها إجراءاته الممنهجة ودامجا في صلبها تفكيره النقدي. والصنف الآخر يمثله الناقد التحجري الذي يتخذ الشكل الأكاديمي بصنمية متقوقعا عليه، محاولا فرضه على المضمون وجعله في خدمته، غير عابئ بتطوير إمكانياته وقدراته. والسبب أنه في الأصل فاقد لتلك القدرات ولهذا نجده يتعكز على الشكل محتجا به على أكاديميته، غير مدرك أن هذا الشكل وإن كان مجرد واسطة إلا أنه يخضع كذلك لضرورات التجدد والتغير، تبعا لتغيرات الدرس الأكاديمي وتجدد معطياته.
وكان أستاذنا علي جواد الطاهر قد وضع قبل أكثر من ثلاثة عقود كتيبا مهما يعلم الباحثين، ولاسيما طلاب الدراسات الأولية والعليا، أسس كتابة البحث الأكاديمي، لكن هذا الكتيب وعلى الرغم من فائدته العلمية عموما، وأهميته في عالم الدرس النقدي تحديدا، إلا أن جزءا منه لم يعد يماشي متغيرات الدرس النقدي بسبب ما طرأت على الدرس الأكاديمي من إضافات جديدة، فحذفت اشتراطات كانت تعد ضرورية آنذاك، وسيقت ضوابط جديدة أوجدها الدرس النقدي ما بعد الحداثي، ولا سيما الإمكانيات التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية في مجال البحث والتصفح والتبويب والفهرسة والتنظيم، مما لم تكن معروفة في الممارسة الأكاديمية للنقد أيام الطاهر.. وهكذا يتأكد لنا أن ليس في العلم جمود على اختلاف فروع العلم الإنسانية والعلمية الصرفة.
إن القصد من وراء ما أشير إليه هنا هو، أن نكون واقعيين غير متحذلقين نتعكز على الأكاديمية، وكأنها غاية لأنها حتما ستخذلنا في نتائجها، وفي المقابل علينا أن نحذر من التورط في الاستهانة بالأكاديمية، لأنها عند ذاك ستنقلب ضدنا، بدل أن تكون معينة لنا فلا نشتط منساقين وراء المفكر فيه نقديا، متخذين منه غاية قد لا نصل إليها البتة ما لم نتحر عن الأدوات التي بها يصبح بلوغ الغايات ممكنا، وتكون العملية النقدية تكاملية على المستوى الخارجي ما بين ناقد وقارئ وبتواؤمية المستوى النصي متنا وهامشا. وبهذا يغدو النقد فعل تخصص وميدان عمل لا ينتمي إليه كل من هب، متمنيا من القراء أن يطلقوا عليه لقب (الناقد) كما لا ينتسب إليه كل من دب متوهما أنه نموذج (الناقد)، ويظل الرهان المنطقي لكل ذلك هو مقصدية الممارسة النقدية التي تتوقف فاعليتها على اثنين، هما التفكير النقدي والتقولب الأكاديمي.
ولا مناص من القول إن في مقدمة محذورات الممارسة النقدية أهمية البعد عن السائبية في التفكير التي توجدها عوامل عدة مع ضرورة التيقظ النابه إلى مسألتين معيقتين للإبداع، هما التنميط والدغماطية اللتان ما أن يتمسك بهما الناقد متحريا القالب الأكاديمي، حتى تتقيد العملية النقدية عنده فيغدو نصه النقدي كيانا غير فاعل يجتر ما سبقه وربما يتعالى عليه تبجحا وجورا.
وكثيرا ما يتفيقه بعضهم مدعين أن أكاديميتهم واحدة منذ أن تعلموا أبجدية النقد وإلى اليوم متناسين أنهم بذلك لا يدينون أنفسهم بل يقللون من شأن الأكاديمية نفسها، كونها ليست تحجرا في الدرس ولا انغلاقا عليه في التطبيق، فالأكاديمية ليست صنما معروضا في متحف أرشيفي نتمكن من الاطلاع عليه أنى نشاء وكيف نشاء، بل هي تشكيل علمي اتفق عليه الواضعون المؤسسون وطوره اللاحقون المبدعون، وسيطوره من بعدهم الآتون وبهذا تتقدم عجلة العلم الدائرية. ولو لم تكن عجلة المعرفة دائرية لظلت نسب الزوايا ومسافات التقييس ومواضعاته واحدة في كل زمان ومكان، وهذا ما لا تقبله عقلانية العلم ومنطقيته، ومنذ أرسطو كانت المعرفة وبلوغ الحقيقة هي مراد الفلاسفة ومن بعدهم العلماء.
وجدير بالذكر هنا أن توصيفنا لمفهوم الناقد يتحدد في إطار الموضعة الإجرائية في معالجة النص المنقود أدبيا كان أم نقديا، وعلى وفق سياقات نظرية محددة، ومن ثم لا يدخل في هذا التوصيف للممارسة النقدية المعالجات المؤرشفة والفهرسية وأعمال التحرير والإعداد والتقديم باستثناء التقديم للنصوص النقدية المترجمة.
وإجمالا فإن عدم الإغراق في الأكاديمية هو الذي يجعل العمل النقدي رسالة مجتمعية أهم سماتها الشمولية القرائية التي تصلح لمختلف أصناف القراء وطبقاتهم، وهكذا كان واحد من نقادنا المتميزين الذين أسسوا ممارستهم النقدية على قواعد حتى صارت تلك الممارسات تمدرسات قائمة بذاتها أعني شجاع مسلم العاني الذي كان يحرص في معالجاته النقدية على التحرر من الثقل الأكاديمي وعدم التعنت في إرهاق كاهل القارئ بالتوثيق العلمي. والمقصود بالثقل الأكاديمي هنا تحميل الناقد للهامش كل ما يستحق أن يذكر وما لا يستحق وغرس عبارات مقننة بين أقواس أو تنصيصات، مغدقا بعبارات تلتبس على القراء وتشوشهم، وبعض منها قد لا تكون به حاجة لها، وهذا ما سيؤدي إلى الاسراف في الأكاديمية التي أخطر تبعاتها أنها تضيع على القارئ الحقيقة.
11RAI
نادية هناوي