باريس – «القدس العربي»: في بولندا 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية لكن الجنود لم يغادروا بعد إلى بلادهم، المصابون من الجنود الفرنسيين يُعالجون قبل عودتهم، والجنود السوفييت صاروا المتحكمين الجدد بالبلد بعدما طردوا النازيين منها.
تدخل في بداية الفيلم إلى المستشفى راهبة تترجى المساعدة، تلتقي بها ماتيلد، وهي متطوعة في الصليب الأحمر الفرنسي لمعالجة جنود بلدها قبل عودتهم، تطلب منها الرحيل لأن المكان ومتطوعيه مخصصون للجرحى الفرنسيين، تصر الراهبة، فتسمعها ماتيلد وتخرج معها.
هنا يبدأ فيلم المخرجة الفرنسية آن فونتاين التي أخرجت في 2009«كوكو قبل شانيل» (Coco Before Chanel). في شتاء بولندا وثلجها، في أجواء سوداوية حيث تدور معظم مَشاهد الفيلم بين الدير وراهباته المغتصبات، والمستشفى، والطريق بينهما، وتقطعه ماتيلد ليلاً مارةً بين الثلوج معرضة حياتها للخطر.
أدت دور ماتيلد الفرنسية لو دو لاج التي أدت دور البطولة في فيلم «تنفس» (Respire) في 2014. ممرضة من عائلة فقيرة، شيوعية، عقلانية، هادئة، تركت دراستها في فرنسا وجاءت متطوعة، تجد نفسها ملتزمة بمساعدة الراهبات، خلافاً لتعليمات المستشفى العسكري، تخرج ليلاً وتعود صباحاً، يرفضنها بداية لأسباب دينية تخصهن، تجد الراهبات أخيراً ألا بديل آخر غير ماتيلد، فتزورهن يومياً، وفي مرة أثناء رجوعها في عتمة الغابات يوقفها حاجز لجنود سوفييت، يعتدون عليها ويحاولون اغتصابها، تصرخ إلى أن يأتي المسؤول، يفكها عنهم ويأمرها بالرحيل.
الفتاة الشيوعية كانت المنقذ الوحيد للراهبات، وماتيلد الشيوعية كانت كذلك ضحية الجنود السوفييت، الذين اعتدوا على الراهبات وتسببوا في مأساتهن، حكاية الفيلم كله. في الفيلم نجد طرفيْن، معتدي ومعتدى عليه، المعتدي هو هنا الجندي، والمعتدى عليه هن النساء، مؤمنات وملحدات. نقول الجندي وليس الرجل، لأن علاقة سريعة تنشأ بين ماتيلد والطبيب المسؤول عنها (الفرنسي فانسان ماكاين) الذي يزور معها أخيراً الدير لمعالجة الراهبات. ونقول الجنود لأن الراهبات كن ضحايا الجنود السوفييت كما كن قبلها ضحايا الجنود النازيين.
دخل السوفييت يوماً إلى الدير واغتصبوا بعضاً من راهباته، وأرهبوا الجميع، أحداث الفيلم تدور بعد أشهر من ذلك، حيث بدأت الراهبات في دخول فترة الولادة، حالة من الرعب سيطرت على الدير، للهول الذي أدخله الجنود إلى حياة الراهبات أولاً، ولكن قبلها وبعدها بسبب العقليات التي تتحكم بهن، وسيطرة الراهبة الأم عليهن، ليأتيهن العذاب مُضاعفاً بسبب شعورهن الإيماني، خوفهن من ربهن وطاعتهن للأم، ما لم تكن ماتيلد تعطيه أي اعتبار كممرضة أولاً وملحدة ثانياً، فتصر على أن تتولى عمليات الولادة، وعلى الاعتناء بالمرأة وطفلها بعد الولادة، مواجهة بذلك تسلط الأم الراهبة التي تعرضت هي كذلك للاغتصاب.
لا تكمن قوة الفيلم، الممتاز بصرياً، في حكايته فحسب، في ما تتضمنه من آلام من جهة ووحشية من جهة أخرى، بل في كون الحكاية مبنية على وقائع حقيقية، على تناوب الظلم من النازيين إلى السوفييت، وانفراد كليهما بالضعيف، والحديث عن البلد كله، كما عن دير الراهبات، حيث لا حماية لهم غير ما يعتقدون بأنه آت من السماء.
وفي الفيلم ثنائيات لا يمكن التغاضي عنها في الحديث عنه: الراهبة/الشيوعية، الامرأة/الرجل، المدني/العسكري، السلم/الحرب وغيرها، ما لم يكن حضوره في الفيلم إلا طبيعياً وغير مقحمٍ، كونه واقعا في مكان وزمان محدديْن.
وليس لحكاية الفيلم معنى مكتمل من دون الراهبة ماريا (البولندية أغاتا بوزيك)، غير المؤمنة بحق، بروحها المدنية وعدم انصياعها الأعمى للراهبة الأم، وكانت السبب الأساسي في إنقاذ الراهبات، في إحضار ماتيلد إلى الدير، والأهم في العمل على إبقائها رغم تمنع الأم وخوف الأخريات من المزيد من الخطايا، ككشف أجسادهن للممرضة.
الفيلم يذكر بآخر ارتبط معه بأكثر من سياق، وليس الحكاية، والحديث هنا عن الفيلم البولندي الممتاز «إيدا» ((2013، لبافو بافليكفسكي. والسياقات هي الرهبنة وبولندا والنازية والسوفييت، وتفاعلها مع بعضها. «البريئات» من إنتاج فرنسي بولندي بلجيكي مشترك، وعُرض في مهرجان سندانس السينمائي.
سليم البيك