ملاحقة البوكيمون لم تقفز عن سوريا، إلا أنه، وخلافا للملاحقات المهووسة في الحدائق وشوارع المدن والمجمعات التجارية، يوجد لدى الأولاد في سوريا اختراع جديد. فهم يقومون برسم لافتات صغيرة ويبحثون عمن ينقذهم: «بوكيمون، أنا موجود في قرية «نابل» في محافظة إدلب، تعال وأنقذني». هذا ما كتب على احدى اللافتات التي هي في تزايد مستمر. ولكن أي بوكيمون لن يأتي إلى قرية نابل لإنقاذ الأولاد. فالحرب السورية لا تعمل أي حساب للبوكيمونات ولا تأبه بها، ولا تأبه ايضا بالعمليات الإرهابية في ألمانيا أو الانقلاب في تركيا. فهي تستمر بدون توقف وتشمل القصف الأمريكي مثل الذي كان في الاسبوع الماضي، والذي قتل نتيجته عشرات المواطنين في منطقة منبج التي يسيطر عليها داعش.
في أعقاب هذا القصف كان هناك خلاف شديد بين المتمردين حول استمرار القصف ضد داعش، أو وقفه بسبب الحاقه الضرر بالمدنيين. القوات الكردية السورية التي تحارب في اطار «القوات الديمقراطية السورية»، التي هي مليشيا قامت بانشائها الإدارة الأمريكية، تطالب باستمرار القصف على اعتبار أن وقفه سيخدم داعش. وفي المقابل، يطالب عدد من المليشيات التوقف عن القصف بسبب الاضرار بالمدنيين.
الادارة الأمريكية تعرف جيدا مفترق هذا القرار من افغانستان والعراق وباكستان، وهي تخشى من أن استمرار القصف سيضر بصورة الولايات المتحدة وسيتم النظر اليها كعدو، كما يُنظر إلى القوات الروسية التي تستمر في قتل المدنيين. المعارضون للقصف الجوي من بين المتمردين يقومون بنشر صور يظهر فيها المدنيون الذين ماتوا حرقا، وبيوت مهدمة واطفال شُوهت جثثهم. وفي المقابل، من يؤيدون القصف الجوي يزعمون أن هذه الصور مفبركة.
هذا فقط خلاف من الخلافات التي تميز هذه المرحلة من الحرب. وهناك خلاف داخلي آخر يجري في داعش بين معارضيه من الاجانب وبين المقاتلين العراقيين، الذين يعملون معا. وقد وصل هذا الخلاف إلى ذروة المواجهة العنيفة في الموصل، التي قتل فيها عدد من المقاتلين الاجانب في داعش على أيدي مقاتلي داعش العراقيين.
نشأ التوتر على خلفية رفض المقاتلين المحليين الانصياع لأوامر القادة الاجانب. لأنهم حسب زعم المحليين يحصلون على الوظائف الافضل، سواء في الاجهزة المدنية مثل شرطة الدين، أو في جهاز التعليم أو الوظائف القيادية رفيعة المستوى في الجيش.
صحيح أن هذه المواجهات ليست ظاهرة جديدة، لكنها يمكن أن تبشر بالخير لقوات التحالف والقوات العراقية التي تخطط لاحتلال الموصل.
المشكلة هي أن الجيش العراقي يقف في مواجهة داعش في العراق، حيث أن قدراته محدودة جدا. في الاسابيع الأخيرة حاول احتلال القرى الواقعة في جنوب الموصل من اجل فتح الطريق إلى المدينة.
الصحافي الكردي، أيوب نوري، قام بزيارة ميدان المعارك وتحدث في موقع «روداو» الكردي عن مغامراته. وقد وصف نوري كيف أن الضابط العراقي يجلس على كرسي من البلاستيك ويصرخ على رجاله باللاسلكي: «اخرجوا للحرب وإلا سأقوم باعتقالكم». الجندي الذي قام بمرافقة نوري قال ساخرا: «إنه يُحدث الضجة فقط، لهذا لا يجب الالتفات إلى اقواله».
والأمر الأقل تسلية هو التقارير حول إعطاء الجنود العراقيين معلومات لرجال داعش حول مواقع القوات العراقية. لأنه في بعض الحالات يكون مقاتل داعش والجندي العراقي من نفس العائلة أو من نفس القرية.
إن الخلافات الداخلية هي جزء من واقع الحياة اليومي في اوساط المقاتلين. وهي تثير القلق الشديد لدى واضعي الخطط الاستراتيجية. صحيح أن الجنود العراقيين الذين ساعدتهم المليشيات المسلحة قد نجحوا في احتلال الرمادي والفلوجة، إلا أن الموصل هي مسألة معقدة أكثر. لذلك تفضل الولايات المتحدة الاعتماد على القوات الكردية في العراق. وقبل نحو عشرة أيام تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين البنتاغون وقيادة البشمارغا الكردية، سيتم بناءً عليها منح القوات الكردية في العراق مبلغ 415 مليون دولار من اجل دفع الرواتب وزيادة عدد الجنود.
الأمريكيون والاكراد ينفون أن المذكرة تشمل بناء مواقع عسكرية في كردستان. ولكن الحكومة العراقية التي تعارض هذه المذكرة، لا تصدق هذا النفي وتعتبر أنه يوجد للأمريكيين نوايا لإلحاق الضرر بسيادتها. وفي نفس الوقت لا توجد للحكومة العراقية رافعات تأثير على السياسة الأمريكية أو منع التحالف الرسمي بين واشنطن وأربيل، عاصمة الاكراد.
والنتيجة هي أنه مثل افغانستان وسوريا، والفترة الاولى من حرب الخليج الثانية، تمنح الولايات المتحدة مكانة رسمية لقوى غير حكومية، مليشيات ووحدات محلية، قد تخدم الهدف الرئيس وهو القضاء على داعش، لكن في نفس الوقت تتحول إلى صاحبة الأماكن التي تسيطر عليها، بغطاء أمريكي أو دولي. وبهذا تقوم بتعويق كل اتفاق سياسي.
هآرتس 26/7/2016