البيروقراطية تسيطر على منظمة التحرير

حجم الخط
0

ج. أراد فتح حساب بنكي في رام الله. وهو من سكان القدس ويعيش في أحد أحيائها خلف الجدار. فعليًا ميدان المنارة أسهل عليه في الوصول أكثر من شارع صلاح الدين في القدس. ج. منذ فترة طويلة لم يجدد بطاقة هُويته لأنه لم يدفع «الأرنونا» في السنوات الأخيرة، كدليل على أن مركز حياته في القدس. عندما سيحاول تجديد بطاقة هُويته فإن الدولة ستلغي مكانته كمقيم دائم وحينها سيبقى من دون مواطنة. ولكن في البنك الفلسطيني في رام الله رفضوا فتح حساب له. «اذهب وجدد بطاقة هُويتك الإسرائيلية»، قالوا له. ومهما كانت الأسباب، فهم في البنك يخضعون لتعليمات وزارة الداخلية الإسرائيلية بعدم الاعتراف ببطاقة الهُوية القديمة للفلسطينيين من سكان القدس. في وسائل الإعلام الرسمية في الضفة الغربية يسمون بلدية القدس «بلدية الاحتلال». فعليًا، يحرصون على الخضوع لإملاءاتها.
المجلس المركزي لـ م.ت.ف وجه اللجنة التنفيذية ـ حكومة م.ت.ف الفلسطينية ـ لتجميد الاعتراف بإسرائيل. ولكن هذا التجميد فعليًا ما زال بعيدا. محمود عباس يسيطر على اللجنة التنفيذية وهو الذي سيقرر هل ومتى يجب العمل حسب هذا التوجيه. ولكن إذا تم سحب الاعتراف بإسرائيل فهل يوجد لهذا معنى في الواقع؟ مثلًا، هل ستوجه السلطة الفلسطينية البنوك لعدم احترام القواعد التي وجهتها حتى الآن بخصوص فتح حسابات بنكية لـ ج. والفلسطينيين المقدسيين الآخرين الذين يوجدون في وضعه؟ هذا ليس مجرد سؤال. هناك فضاء واسع يفصل بين اللحظات السياسية التي تحظى بالعناوين مثل خطاب عباس والقرارات أو التوصيات للمجلس المركزي (البرلمان المصغر لـ م.ت.ف) والحياة الحقيقية للناس. هذا الفضاء نسج باندماج بيروقراطي مزودوج نشأ في الـ 24 سنة الأخيرة منذ توقيع اتفاقات أوسلو حيث تعمل السلطة في حالات كثيرة كمقاول من الباطن لإسرائيل. أحيانا تقوم السلطة بذلك من دون أن يكون لها خيار آخر. وأحيانا من خلال تبني منطق إسرائيل. الاختبار الحقيقي لمصداقية البيانات الرسمية هو في تغيير البيروقراطية الفلسطينية ومنطق وجودها. هل هذا ممكن؟.
مثلًا، إسرائيل تمنع الفلسطينيين سكان الضفة الغربية من قيادة سيارات ذات لوحات صفراء، السلطة الفلسطينية تجبر كل من هو متزوج من أحد سكان أو أحد مواطني إسرائيل من إصدار تصريح خاص من وزارة المواصلات الفلسطينية إذا أراد قيادة سيارة إسرائيلية داخل المناطق أ. في كل مرة تقوم الشرطة الفلسطينية بحملات للعثور على سيارات مسروقة أو غير مؤمنة، التي لوحاتها صفراء. فلسطينيون كثيرون اعتادوا على أن يشتروا بثمن رخيص سيارات إسرائيلية عمرها عشر سنوات أو أكثر، وعند انتهاء فترة الترخيص السنوية وقيادتها في المناطق (ب) حيث السيطرة الأمنية لإسرائيل.
هل في أعقاب اجتماع المجلس المركزي لفتح والتصريحات الهجومية لعباس ستتنازل السلطة الفلسطينية عن دورها في المتاهة البيروقراطية وأن تمكن الفلسطينيين من قيادة السيارات الإسرائيلية، بشرط أن يكون التأمين والترخيص مكتملين؟.
مثال آخر هو عمل لجنة المياه الإسرائيلية الفلسطينية الذي تجدد قبل نحو سنة. عمل هذه اللجنة تم تجميده في حينه من قبل الوزير السابق لسلطة المياه، شداد عتيلي، لأنها تحولت لتكون وسيلة لمنح إذن فلسطيني للمستوطنات. الفلسطينيون اضطروا إلى المصادقة على مشروعات مياه وصرف صحي في المستوطنات كشرط للمصادقة المقننة لمشروعات محدودة لهم في مجال البنى التحتية للمياه والصرف الصحي. ضغط إسرائيلي شديد على السلطة أدى قبل ثلاث سنوات تقريبا إلى إقالة عتيلي وتعيين وزير آخر هو مازن غنيم، هل هجومية المجلس المركزي بإلهام من خطاب عباس ستؤدي إلى تجديد المعارضة الفلسطينية على إعطاء الموافقة على العملية الكولونيالية بوساطة المشاركة في لجنة المياه؟.
في نهاية تشرين الأول نشرت الإدارة المدنية في صحيفة «القدس» عطاء لاستئجار سيارات ذات لوحات ترخيص فلسطينية «لتقديم خدمات في مناطق أ و ب». هذه الصيغة أثارت الشكوك بأن الأمر يتعلق بخرق الاتفاقات: الإدارة المدنية ليس عليها العمل داخل هذه المناطق التي تقع تحت السيطرة المدنية الفلسطينية.
في رد مهدئ لصحيفة «هآرتس» قالت المتحدثة بلسان منسق أعمال الحكومة في المناطق بأن استئجار هذه السيارات من شركات فلسطينية لمصلحة الموظفين الفلسطينيين في الإدارة المدنية ليس أمرا جديدا. وأضافت إن الأمر لا يتعلق بتقديم خدمات (برغم أن هذا كان مكتوبا في العطاء) بل إن السيارات ستستخدم من أجل سفر العاملين الذين يعيشون في مناطق أ و ب ويتم تشغيلهم في أقسام الزراعة وجودة البيئة والمياه التابعة للإدارة المدنية التي تعمل في المناطق ج. هل المجلس المركزي سيمنع صفقات كهذه مع الإدارة المدنية، التي تشكل أحد الأجهزة الحيوية للكولونيالية الإسرائيلية التي تحدث عنها عباس؟.

يعارضون ويخسرون

السلطة الفلسطينية ترى كإنجاز حقيقة أنه حسب اتفاقات أوسلو، فإن السكان لا يقابلون بصورة مباشرة موظفي الإدارة المدنية من أجل الحصول على التصاريح، بل يقدمون الطلبات عبر موظفين فلسطينيين. ولكن هؤلاء بدلا من تمثيل أبناء شعبهم تحولوا إلى وكلاء بريد أو ممثلين للسلطة الإسرائيلية أمام الفلسطينيين. امرأة تريد تصريحا لمرافقة أختها في مستشفى في إسرائيل، والموظف الفلسطيني قال لها إنها لن تحصل على التصريح. سواء لأنها شابة أو لأنها متزوجة من شرطي في حماس أو لأنها نشيطة نسوية لها صوت قوي ـ لا يمكن معرفة ذلك. بدل تمثيلها في نضالها للحصول على حقها في مرافقة أختها فإن الموظف يشرح لها موقف إسرائيل الذي استوعبه تماما.
مواطنة أجنبية متزوجة من فلسطيني تعيش في الضفة الغربية من عشرين سنة تقريبا تريد المرور في إجراءات جمع شمل العائلات والحصول من إسرائيل على شهادة مواطنة في الضفة الغربية. وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية التي عليها نقل طلبها إلى الإدارة المدنية رفضت ذلك. «الإسرائيليون لا يقومون بعلاج هذه الطلبات، «ليس هناك مبرر لتقديمه»، قال الموظف الفلسطيني. عندما يحاول الموظفون الفلسطينيون معارضة تعليمات إسرائيل، يخسرون.
قبل نحو سنة أضرب موظفو لجان الارتباط الفلسطينية بعد الاستنتاج أن تعليمات إسرائيل الجديدة لإعطاء تصاريح زراعية لفلاحة الأراضي التي تقع خلف جدار الفصل تؤدي إلى سيطرة إسرائيلية. الإضراب أوقف إعطاء التصاريح، لكنه أضر فقط بالمزارعين، واضطر الموظفون إلى العودة إلى العمل.
بعد سنوات منعت فيها إسرائيل معظم سكان قطاع غزة من السفر إلى الخارج في جسر اللنبي، في السنوات الأخيرة بدأت بالسماح بذلك بشرط التوقيع على تعهد بعدم العودة خلال سنة. إسرائيل تحظر على سكان القطاع التوقف في مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة وتجبرهم على السفر بطريقة منظمة مرة في الأسبوع مباشرة إلى جسر اللنبي. أيضا العائدون إلى القطاع عبر جسر اللنبي عليهم العودة حالًا في رحلة سفر منظمة تسير مرة في الأسبوع. مرة كل أسبوعين هناك رحلة منظمة إلى القنصلية الأمريكية في القدس لسكان القطاع الذين يريدون الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة. إعطاء تصاريح الخروج هذه تم تجديده بعد أشهر من التجميد، وفقط في أعقاب استئناف قدمته جمعية «غيشة». هذه الرحلات المنظمة ـ التي تجبر بضع مئات من الأشخاص في كل شهر على القيام بترتيب وقتهم مع الجدول الزمني الصارم لهذه الرحلات ـ ملزمة بمرافقة ممثل لجنة الارتباط الفلسطيني، الذي يراقب عدم قيام أحد بخرق شروط التصريح. مراقبة مماثلة تقدم أيضا للرحلات المنظمة التي تخرج من حاجز قلندية إلى حاجز إيرز، التي فيها سكان القطاع الذين حصلوا على تصاريح الخروج ـ بشكل عام لأغراض العلاج ـ لكنهم مكثوا فترة في الضفة الغربية تتجاوز ما هو وارد في التصريح.
بيروقراطية السلطة الفلسطينية تجد ضعفها أمام القوة والسيطرة الإسرائيلية. لهذا فهي توافق على توظيف مرافقين من قبلها للقيام بالاشراف على تطبيق قيود الحركة الإسرائيلية. لذلك فهي لا تستطيع منع بناء «غابة غوردي» من دون تصاريح بناء في كفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين التي تقع خلف جدار الفصل في القدس، برغم أن إسرائيل لم تعمل على فرض صلاحياتها هناك. السلطات تصل إلى السكان هناك فقط لجباية الأموال للبلدية، لكن ليس عندما يتعلق الأمر برفاههم. مؤسسات السلطة ممنوعة من العمل في المناطق التي تخضع لحدود بلدية القدس. أيضا ليس من أجل منع كارثة بلدية يتم بناؤها امام نظر الجميع.
مشكوك فيه إذا كانت هذه البيروقراطية يمكنها أن تتغير وأن تسمح لنفسها بالتوقف عن الخضوع للتعليمات الإسرائيلية. في اللحظة التي تتوقف فيها عن الخضوع، فإن السلطة الفلسطينية لا تستطيع أن توفر جزءا كبيرا من الخدمات التي من أجلها وجدت منذ البداية، وإسرائيل ستعاقبها على عدم الخضوع هذا. هذا هو الشرك الكبير للإدارة الذاتية المرتبطة بإحسان الاحتلال التي ترتدي جلد منظمة تحرر وطني.

هآرتس19/1/2018

 البيروقراطية تسيطر على منظمة التحرير
السلطة الفلسطينية مجبرة على التعاون مع إسرائيل في إدارة المياه والزراعة وهذا هو فخ الاحتلال
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية