في المغرب، هناك تقليد راسخ باعتماد المقاربة التشاورية بين الحكومة والأحزاب السياسية حول القوانين الانتخابية قبل الانتقال إلى المسار التشاوري، هذه المقاربة مكنت من التوافق حول القواعد القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية حتى في اللحظات السياسية الصعبة.
اليوم، هناك حاجة لتأطير النقاش حول القوانين الانتخابية ووضعه فوق سكته الصحيحة خصوصا وأن بعض الجهات المجهولة شرعت في تسريب بعض المقترحات الغريبة، بدون مسؤولية سياسية واضحة، وهي مقترحات تريد أن تزج بِنَا في متاهات معتمة بعيدة عن المعايير الفضلى لانتخابات حرة ونزيهة.
طبعا لا حاجة للتذكير بقدرة القوانين الانتخابية على الضبط والتحكم في مخرجات العملية الانتخابية إذا انحرفت عن القواعد الأساسية المتعارف عليها دوليا، هذه القواعد التي تتأسس على احترام صوت المواطن وحمايته من أي تأثير أو تشويه.
الحقيقة التي لا جدال فيها أن نزاهة الانتخابات ليست محصورة في يوم الاقتراع ولكن الأعمال التمهيدية للانتخابات والقوانين المؤسسة للحظة الانتخابية لها دور حاسم في الحكم على نزاهة الانتخابات ومصداقيتها..
يمكن أن نقول اليوم بكل اطمئنان أن القوانين الحالية – بالرغم من أهميتها- لازالت تحتاج إلى تطوير حتى تنسجم مع أغراض النزاهة والشفافية.
فهناك تراكم لا يستهان به من الثغرات القانونية التي كانت تندرج في سياق استراتيجية التحكم القبلي في نتائج الانتخابات، والباقي كان يتكفل به المال السياسي والبلطجة الانتخابية، وهي الممارسة التي لم ينجح المغرب في القطع معها للأسف الشديد.
الانتخابات القادمة ستجري في ظل لوائح انتخابية رغم «تجديدها» وفق آليات تقنية لا تسمح بالتسجيل التلقائي للمواطنين البالغين سن الرشد، بل تسمح في بعض الحالات بتشطيب العديد من المسجلين، وهو ما يعني الإقصاء القبلي لعدد كبير من المواطنين والمواطنات وحرمانهم من حقهم في التصويت، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا لسلامة العملية الانتخابية. هذه الاختلالات جرى الوقوف عندها خلال يوم الاقتراع الذي جرى بمناسبة الانتخابات الجماعية والجهوية ليوم 4 ايلول/سبتمبر الماضي، حيث فوجئ عدد كبير من المواطنين من غياب أسمائهم من اللوائح الانتخابية أو تنقيلها إلى دوائر بعيدة عن مقر سكناهم. وهو ما يستدعي المزيد من الاشتغال من أجل لوائح انتخابية سليمة.
هناك نقاش آخر على صفحات الجرائد يتعلق بنمط الاقتراع، ينطلق بصفة خاصة من بعض الأحكام المتسرعة حول اللائحة الوطنية للشباب والنساء، وهو نقاش يتجاهل السياق السياسي والاجتماعي الذي تحكم في صياغة هذه الآليات ومساهمتها الإيجابية في تحقيق أهداف المناصفة والانخراط الإيجابي للشباب في العمل السياسي المؤسساتي.
التقطيع الانتخابي يحتاج بدوره إلى نقاش صريح، فرغم التنصيص الدستوري على ضرورة تحديد معايير التقطيع الانتخابي، فإن التقطيع الحالي لا زال يستند إلى معايير فضفاضة في هذا الباب.
وفي الوقت الذي يشتكي فيه الجميع من كثرة الأحزاب التي لا تعكس في جوهرها تعددية حقيقية، هناك غياب واضح للجرأة في اعتماد عتبة تمثيل محترمة تسمح بفرز قوى سياسية كبرى وتشجع الأحزاب الصغيرة على التكتل في أقطاب سياسية واضحة على غرار الأنظمة الانتخابية الديموقراطية. إن عتبة 6٪ في الدوائر المحلية و3٪ على مستوى اللائحة الوطنية ليست كافية لتجميع أصوات الناخبين في مشاريع سياسية قوية، خصوصا إذا علمنا أن العديد من الأحزاب السياسية أضحت مرتهنة لنظام الأعيان المحليين الذين يفتقرون إلى امتداد سياسي وطني، ولا يعبرون عن مشروع سياسي حقيقي بقدر ما يعبرون عن مصالح فردية أو فئوية ضيقة سرعان ما تتحول إلى مقاعد برلمانية مشتتة تعكس خريطة سياسية مبلقنة، وتنعكس سلبا على الأداء البرلماني.
إن المراقبة الخارجية للانتخابات تعتبر من أهم الضمانات لنزاهة وشفافية الانتخابات. وقد أرسى قانون الملاحظة الانتخابية القاضي بتحديد شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة و المحايدة للانتخابات أسس هذه الضمانات. وفي هذا المجال تبرز إمكانيات مهمة لتطوير نمط الملاحظة الانتخابية في بلادنا.
إن مجموع هذه الإشكاليات تمثل مساحة للتدافع السياسي الوطني بين القوى السياسية لمراجعة الثقافة الانتخابية السابقة، ولمناقشة الآفاق الضرورية لتطوير السلوك الانتخابي للمواطن، وللتأهيل الجماعي للإدارة المشرفة على الانتخابات وللنخب الحزبية، وبلورة أفكار جادة من شأنها ضخ جرعات جديدة في المسار الديمقراطي المغربي وكسب منعطف جديد في طريق الديمقراطية، والأهم جعل الانتخابات ذات رهانات سياسية تنافسية حقيقية…
حاجتنا إلى اعتماد مقاربة تشاورية وتشاركية لتأهيل قوانيننا الانتخابية لتنسجم مع المعايير الديمقراطية في هذا الباب.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين