التصويت الاجتماعي لأمريكا

حجم الخط
0

الرسالة الاساسية التي تظهر من الانتصار الملفت لدونالد ترامب في الولايات المتحدة، هي أنه توجد في المجتمع الأمريكي تيارات ورواسب عميقة من الكراهية وخيبة الأمل تجاه المؤسسة التجارية والسياسية، التي أبقت الكثير من المواطنين تحت التهديد في حقبة التغيرات الاقتصادية والثقافية المتسارعة. نجاح ترامب يكمن في معرفة نقاط الضائقة والخوف، لا سيما في اوساط طبقة الياقات الزرقاء، وتحويلهم إلى بنية سياسية لحركة احتجاج جديدة أدارت ظهرها للنظام القائم ووعدت باحداث تغيير بعيد المدى في سلم الاولويات وانماط سلوك الأمة الأمريكية.
المرشح الجمهوري، خلافا لخصمته، كشف منذ البداية هذه القطبية التي تفاقمت بين النخب وبين المحيط، الذي يتكون من مواقع صناعية تحولت إلى مدن أشباح (لا سيما في ولايات مشيغان وسكنسون وبنسلفانيا)، ومن المدن والقرى التي تجاوزها النهوض من الازمة الاقتصادية. على ضوء تراجع اوساط تقليدية كاملة في الاقتصاد الأمريكي مثل صناعات الانتاج، وعلى خلفية العولمة والثورة التكنولوجية اقترح ترامب اتجاها جديدا على هذا الجمهور. نظرا لأن طبقة العمال البيض كانت تتركز في الولايات صاحبة انماط التسويق الديمقراطية، فإن كلينتون لم تبذل كل جهدها ومصادرها في هذه الولايات. وتوقعت أن المجموعات في المحيط، اضافة إلى الاقلية السوداء والهسبانيين، ستخلق تحالف يتفوق على الخسارة في اوساط طبقة الياقات الزرقاء.
وقد استغل ترامب التعب والرغبة في التغيير. وهنا نشأ تداخل استثنائي بين الوضع الصعب لقطاع كامل وخصوصا في «قطاع الصدأ» في أرجاء الغرب المتوسط الصناعي وبين السعي الطبيعي الذي تجاوز حدود قطاع معين، لنقل مقود السلطة إلى الحزب الخصم مع انتهاء ولاية براك اوباما. وهذا خلافا لجميع التوقعات والاستطلاعات، حيث إنه مثل قضية خروج بريطانيا، لم يستطيعوا حل شيفرة «الشعب الذي يختار»، وبقوا أسرى داخل المكان المحصن لمجموعات النخبة في المجتمع الأمريكي.
من هذه الناحية فإن التماثل بين اوباما وبين كلينتون كان بمثابة عناق الدب الذي أكد الصلة الكبيرة والواضحة بين الرئيس وبين وريثته المحتملة. بكلمات اخرى، حقيقة أن اوباما عمل خلافا للانماط المتجذرة في الثقافة السياسية الأمريكية ومنح الدعم والشرعية لمن تسير على طريقه، عملت كالسهم المرتد وأضرت بوزيرة الخارجية السابقة. منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حظي مرشح واحد فقط ـ الجمهوري جورج بوش الأب ـ بالانتخاب للرئاسة بعد ثماني سنوات من ادارة جمهورية لرونالد ريغان. إن تجاهل اوباما وكلينتون للطابع التاريخي المتكرر، وبدل ذلك رفع لواء الوضع القائم والحفاظ على ما هو موجود، منع استمرار الديمقراطيين في الحكم اربع سنوات اخرى.
صحيح أن الواقع الأمريكي الحالي فيه مجموعات اجتماعية متعلمة ونبيلة وراضية من النظام السياسي والاقتصادي القائم. لكن فشل كلينتون الاستراتيجي كان تركيزها على أمريكا الشبعى مع اهمال الطبقات التي لم يتحسن وضعها. هذا على الرغم من اقوالها عن واجب الاهتمام برفاه الطبقة المتوسطة.
الانقلاب الحالي ينهي تحالف الاقليات الذي بدأه الرئيس فرنكلين روزفلت. الحديث يدور عن طبقة اصحاب الياقات الزرقاء، التي تكونت في الثلاثينيات من القرن العشرين من جمهور المهاجرين الكاثوليكيين من اصل ايطالي وبولندي وايرلندي. نجاح ترامب في تجنيد هذه الجماعة الاجتماعية يفتح صفحة جديدة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة، ومن شأن ذلك أن يعيد تشكيل هذا الواقع بناء على خطوط جديدة.

إسرائيل اليوم 10/11/2016

 التصويت الاجتماعي لأمريكا
ترامب عزز القطبية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وجند «الياقات الزرقاء» وفاز
ابراهام بن تسفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية