الأخبار لا تشجع على كل الجبهات بالنسبة للسعوديين وحملتهم في اليمن، فالضربات الجوية لم توقف تقدم الجماعة الحوثية المتحالفة مع الموالين للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في الجنوب. ولم توقف العملية التي ترى فيها المملكة صورة عن حزمها وشدتها في القضايا الإقليمية، اتفاق إطار بين الولايات المتحدة وإيران حول ملف الأخيرة النووي. وتبدو طهران على الطريق لتوقيع اتفاقية تاريخية مع «الشيطان الأكبر» في نهاية حزيران/يونيو مما ينهي عداء تاريخيا عمره هو عمر الثورة الإسلامية ويلغي العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على إيران لخرقها القانون الدولي ويفتح شهية المستثمرين الذين سيقفون بالطوابير أمام الوزارات في طهران بحثا عن مشاريع استثمار.
هل خسرت الرياض؟
والسؤال هل خسرت السعودية المغامرة في اليمن والجولة مع طهران؟ ليس بعد فهناك الكثيرعلى المحك، وقد لا ينجح الرئيس باراك أوباما الذي بدا واثقا ومرتاحا من تسويق اتفاق للكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون والموالون لإسرائيل أكثر من ولائهم لأمريكا، ونحن نعرف عداء بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي للتقارب مع إيران. ومهما يكن من أمر فالحملة في اليمن مغامرة جوية محسوبة تقوم بها السعودية وتعبر في إطار منها عن حس واثق بضرورة التحرك من أجل وقف تأثيرات الحرب الأهلية في اليمن من الامتداد والوصول إلى السعودية. وهي بهذه المثابة أول امتحان للقيادة السعودية الجديدة بزعامة الملك سلمان الذي تولى الحكم بعد وفاة أخيه الملك عبدالله في كانون الثاني/يناير العام الحالي. كما أنها امتحان للقيادة الشابة التي عينها الملك سلمان كصورة عن تحولات جيلية في البلد، فهناك نجل الملك محمد بن سلمان (34 عاما) وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي هو من يشرف على العملية وهناك الأمير محمد بن نايف ولي ولي العهد ووزير الدفاع من حصل على الدعم الأمريكي اللوجيستي والإستخباراتي للعملية حسب التقارير. وفي لعبة الرموز التي أرادت السعودية تأكيدها نجد أنها ألفت حلفا عربيا وإسلاميا يمتد خارج منظومة دول مجلس التعاون الخليحي ويضم دولا كمصر والسودان والأردن والمغرب ويلقى دعما تركيا وباكستانيا. ولم تنس السعودية أن تخرج العملية في إطار إعلامي عبر قنواتها المؤثرة في العالم العربي والمؤتمر الصحافي الذي يقدمه العقيد احمد عسيري يوميا عن مجريات الأمور وبثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنكليزية ويدعم مؤتمره بلقطات فيديو وبيانات يؤكد فيها أن المعركة لا تزال تجري لصالح التحالف الدولي الذي تقوده السعودية. تظل هذه رمزيات أرادت السعودية من خلالها تأكيد قدرتها على قيادة معركة مستقلة ومواجهة الخطر الإقليمي الذي تمثله إيران في المنطقة، وجاءت في ظل حملة دعائية مارسها الإيرانيون عن سيطرتهم على أربع عواصم عربية. بل وهدد فيه متشددون إيرانيون بنقل المعركة إلى مكة والمدينة.
استهداف آل سعود
والخطاب هذا واضح في تصريحات جماعة الحوثيين المعروفة بأنصار الله. ففي فيلم سيعرض على قناة «بي بي سي» البريطانية «اليمن: صعود الحوثيين» من إخراج اليمنية صفا أحمد تلتقي مع أحد ممثلي الحركة قرب الحدود اليمنية – السعودية. وفي المشهد يشير بيده إلى الجدار الذي أقامته السعودية على حدودها مع اليمن ويقول «هذا لا يعني شيئا ولا يمثل شيئا». وواصل قائلا «لا يمكن تحديدنا بالطائفة أو بالحدود» و»سنقوم بمساعدة المستضعفين في كل أنحاء العالم» متوقعا في طيات كلامه نهاية العائلة المالكة في السعودية.
إزاء خطاب كهذا يجب أن تشعر السعودية بالخوف، خاصة أن ما يجري في حديقتها الخلفية اليمن يؤثر عليها، وكما قال مؤسس السعودية الملك عبد العزيز بن سعود موصيا أبناءه أن «الخير والشر» يأتيان من اليمن. ومن هنا كانت وصيته أن لا يكون اليمن قويا بدرجة يهدد فيها مصالح السعودية ولا ضعيفا أيضا. وليست هذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها السعودية اللعب في السياسة اليمنية، ففي الماضي اعتمدت على وكلائها من رجال القبائل المقيمين على الحدود واشترت ولاءهم بالمال والتخويف، كما ربت حلفاء لها من السلفيين والإخوان المسلمين من جماعة الإصلاح وغيرها. وفي الستينيات دعمت الملكيين ضد الجمهوريين الذين لقوا دعما من الرئيس جمال عبد الناصر. وفي عام 2009 خاضت السعودية حربا ضد الحوثيين في شمال البلاد دعما للرئيس السابق صالح الذي يتحالف الآن مع أعدائه السابقين ضد السعوديين.
مقامرة
لكل هذا تبدو «المغامرة» السعودية اليوم مقامرة محفوفة بالمخاطر ليس لأن اليمن بطبيعته الجغرافية والسكانية معقد وغير قابل للكسر بسهولة، ولكن لتعدد الأعداء الذين تقاتلهم السعودية في اليمن وقلة الأصدقاء. فسياساتها في عهد الملك عبدالله أسهمت في تغول الحوثيين وبالضرورة استغلال صالح الوضع لتصفية حساباته مع الرئيس الذي تدعمه الرياض وهو عبد ربه منصور هادي الذي فر من صنعاء ومن عدن وهو مقيم اليوم في المنفى السعودي. ولا ريب أن سياسات الحوثيين الإنتقامية وتصفية الحسابات ومحاولتهم السيطرة على مقاليد البلاد في بلد غالبيته سنية أدت لنفاد صبر السعوديين وحلفائهم. ومن هنا جاء التدخل الجوي وإن كان متأخرا ولن يغير من الواقع شيئا طالما لم ترسل السعودية والدول المتحالفة معها القوات البرية، ويظل هذا رهن الجيش العربي الذي أقرته القمة العربية في شرم الشيخ الأسبوع الماضي واستعداد السعودية والدول التي تتحالف معها لإرسال القوات البرية إلى اليمن. وقبل الحديث عن مآلات الحملة العسكرية وقدرة السعوديين على هزيمة الحوثيين لا بد من تسييق التدخل السعودي في سياقه الإقليمي أي التنافس السعودي – اليمني.
الرياض ضد طهران
يجمع كل المحللين على أن اليمن هو آخر جبهة تتنافس فيها السعودية وإيران على النفوذ في المنطقة، فمن العراق إلى سوريا ولبنان والبحرين إلى اليمن هناك اليوم لعبة قائمة وحرب بالوكالة دائرة بين الإيرانيين والسعوديين. وعلى خلاف الحروب السابقة التي تجري في السر من خلال دعم أطراف الصراع. في سوريا تدعم إيران نظام بشار الأسد فيما تقدم السعودية الدعم لطيف من الجماعات المعارضة. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين سعوديين حديثهم عن تنسيق أمني مع الأتراك كانت ثمرته سيطرة تحالف من جماعات المعارضة السورية بقيادة جبهة النصرة على مدينة إدلب. وفي لبنان قررت السعودية دعم مؤسسة الجيش اللبناني بثلاثة مليارات دولار فردت إيران بتقديم معدات عسكرية له. وهذه اللعبة تتناسخ وستظل تتناسخ طالما استمرت الفوضى في العالم العربي وغابت الحكومات القوية التي أسهمت السعودية بدور فيها من خلال دعمها للثورات المضادة في مصر وتونس واليمن حيث تجني ثمار «مبادرتها» التي أبقت على صالح دون عقاب ورئيسا لأكبر حزب في البلاد. وبينما تظهر أصابع إيران واضحة في لبنان وسوريا والعراق والبحرين يرى المعلقون الأمريكيون «مبالغة» في تقدير دور إيران ودعمها للحوثيين، حيث اكتفى البعض بالقول إنها مولت الحوثيين لكنها لم ترسل مستشارين. وكان واضحا في افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» (1/4/2015) تحذيرها من مخاطر التدخل العسكري السعودي وقالت إنه يهدد بجر المنطقة لحرب طائفية ويعرقل خطوات الحل وكفاح الإرهاب. ومهما كان تقدير المعلقين الأمريكيين فقد ذكرت صحيفة «التايمز» أن إيران تلعب دورا في دعم الحوثيين من خلال الرحلات الجوية ما بين صنعاء وطهران، وإرسال مستشارين من حزب الله لدعم الحركة. ولا يمكن التقليل من دور إيران المرتبط بتحولات الحركة الحوثية التي استلهمت شعارات ومبادئ الثورة الإسلامية، واعتبرت الحوزات العلمية في قم محاضن لعدد من قادتها في تحولاتهم من الزيدية التقليدية نحو الإثنا عشرية. ورغم بعد اليمن وعدم أهميته للإستراتيجية الإيرانية إلا أن طهران حاضرة في الحديقة الخلفية للسعودية ومنذ أيام الشاه، كما لعب علي عبدالله صالح الذي يحلو له الحديث عن «رقصة الثعابين في حكم اليمن» الورقة الإيرانية لابتزاز حلفائه السعوديين عندما كان في الحكم. ويظل توصيف الحرب في اليمن بالطائفية مضلل. واكتسب بعده الطائفي من خلال التجييش ودخول إيران والسعودية الساحة، فهو بطبيعته صراع محلي لاعبوه محليون ويجري اليوم تجيير خلافهم من قوى خارجية. ومن هنا يبدو الموقف الأمريكي، حضوره وغيابه مثارا للشك.
غياب أوباما
كان إغلاق السفارة الأمريكية وسحب القوات الأمريكية الخاصة من قاعدة «العند» قرب لحج في الجنوب، بمثابة خروج أمريكا من المعادلة، فخروج الأمريكيين المهين وتدميرهم معداتهم خشية وقوعها في أيدي الحوثيين وبالتالي إيران بمثابة خسارة «رصيدها» على الأرض من أجل تنسيق الحرب على الإرهاب، أي ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي يعتبر الأخطر والأكثر فتكا. وكان أوباما حتى وقت قريب يرى في اليمن «نموذجا» لمكافحة الإرهاب- تدريب قوات محلية وشن غارات بدون طيار- لكن سقوط صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014 وتمدد الحوثيين في اليمن ورفعهم راية مكافحة القاعدة جعلهم في البداية «حلفاء محتملين» للولايات المتحدة لكن تصرفاتهم والضغوط السعودية وضعت الأمريكيين خارج اللعبة، وربما رضيت إدارة أوباما بهذا الدور، خاصة ان سياساتها في المنطقة تتسم بالتخبط، وبدا هذا واضحا من الطريقة التي تعاملت بها مع تكريت وصنعاء، فقد وقفت مع إيران في العراق وضدها في اليمن.
وينبع هذا من حرص الولايات المتحدة على أن لا تتأثر المحادثات النووية من جهة وعلى عدم إغضاب السعودية من جهة أخرى. وكل هذا دليل على غياب الاستراتيجية المتماسكة، بل كان القرار السعودي تعبيرا عن عدم ثقة بالرئيس أوباما. ومن هنا فلا معنى لدعوة «نيويورك تايمز» للرئيس الضغط على السعوديين للبحث عن مسار سياسي للأزمة. فأوباما حسب مقال كتبه ديفيد روثكوف بمجلة «فورين بوليسي» مسؤول عن الفوضى في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط لأنه أراد إرضاء الإيرانيين على حساب حلفاء أمريكا التقليديين.
نتائج الحرب
لا بد من الإشارة إلى أن العملية السعودية هي نتاج للتقارب السعودي مع كل من تركيا وقطر وتأكيد الملك سلمان على الملفات المهمة وبناء كتلة سنية لمواجهة إيران الشيعية. وبهذه المثابة ترى مجلة «إيكونوميست» في عددها الأخير أن ما يهم الملك سلمان وفريقه الشاب هو نتيجة المعركة. وتعتقد أن «الحزم» في العملية ربما كان نتاجا لتأُثير الابن الشاب للملك كما انه تعبير عن رغبة للدول السنية بوقف التوغل الإيراني في المنطقة. والمهم في كل هذا هو نتيجة العملية العسكرية وما إذا كانت ستؤدي لتحقيق الإستقرار في هذا البلد الفقير. وتشير المجلة إلى أن المملكة لديها سجل في الفشل العسكري من سوريا حيث فشلت في الإطاحة بنظام الأسد بسبب دعم إيران وحليفها حزب الله له. وظلت السعودية تعتمد دائما في أمنها على الولايات المتحدة، ورغم الأجهزة المتقدمة التي يملكها الجيش السعودي إلا أن جاهزيته للقتال تظل محلا للتساؤل.
وترى المجلة أن العملية الجوية دمرت الكثير من قدرات الحوثيين لكنها لم تمنع تقدمهم. وكما يقول كريستيان غوتيز أورليشسين من جامعة رايس في تكساس «فالقصف الجوي لن يؤدي إلى إحداث دمار كبير» على الحوثيين. ويظل الغزو البري قضية أخرى، فقد طور الحوثيون قدراتهم طوال السنين. وأي عملية برية يجب أن تأخذ بعين الإعتبار توسع تنظيم القاعدة في مناطق. والسؤال هو من سيسهم في القوات البرية؟ هل مصر التي لا تزال تتذكر «فيتنامها» في اليمن؟ فيما تترد باكستان، فهي تريد إرضاء السعودية وتجنب شر إيران من جهة وحماية حدودها من طالبان من جهة أخرى.
وفي النهاية، تقول المجلة إن اليمن لن يتم وقف الحرب فيه إلا بحل سياسي. وترى أن استبعاد السعودية للحوثيين من المعادلة السياسية أمر صعب مثلما يظل تمـســك السـعوديين بهادي معوقا للحل، فقد خرج من اليمن وفقد المصداقية لدى قطاع كبير من اليمنيين.
وفـي النـهــاية فبدء حرب أسهل من إنهائها. وسيجد أعداء السعودية مـجـالا للـفـرح حـالـة تـورطها في الـيـمـن. وفي وسائل التواصل الإجتماعي يتحدث الإيرانيون بفرح عن اليمن كـ «أفغانستان السعوديين».
إبراهيم درويش