تحت مبرر التحقق من الهويات طالب حراس المحكمة العسكرية في تونس فريق المحامين الذي حضر للترافع عن المدون ياسين العياري، الاستظهار بالبطاقات المهنية قبل دخول قاعة الجلسات.
القرار أثار في الحين قدرا من الاستغراب وجعل أحد الأعضاء يقول لرئيسة المحكمة قبل بدء المرافعات «نحن لسنا في ثكنة حتى نخضع لمثل ذلك الاجراء». لكن الرئيسة، وهي قاضية وعسكرية في الوقت نفسه، ردت على الاستاذ المحتج بأنه «ولدواع أمنية فلن يسمح لأي شخص بالدخول وانها اي المحكمة في ثكنة بالفعل».
معظم اعضاء هيئة الدفاع فضلوا ترك مواقعهم والانسحاب للاحتجاج على وصف المحكمة بالثكنة، قبل ان يصدر الحكم بسجن المدون سنة نافذة من أجل المس بكرامة الجيش. أما قنوات التلفزيون العمومية والخاصة التي لم يسمح لها بتغطية الجلسة، رغم انها كانت نظريا مفتوحة وعلنية، فلم تجد طائلا من السير عكس التيار وخوض متاعب هي في غنى عنها. لأجل ذلك ربما لم يتحقق الاعلاميون مما جرى داخل المحكمة الثكنة، بل انشغلوا باشياء اخرى، مثل الوجود المقلق والمشبوه لطباخ داخل ثكنة اخرى تابعة لقوى الامن هذه المرة في محافظة القصرين بالوسط الغربي لتونس. الطباخ وجهت له اتهامات بأن له ابنا منتميا لتنظيم ارهابي، والقضية اثيرت في برنامج حواري على قناة خاصة، لتضطر وزارة الداخلية بعدها لاصدار بيان قالت فيه بأنه» تم ايقاف التعامل مع الطباخ المذكور يوم 12 مارس/ اذار 2014 بعد بلوغ الإدارة المعنية تحريات بخصوص ابنه ولمجرد الاشتباه فيه».
لكن بعيدا عن كل ذلك جرت تحريات وتحقيقات من نوع خاص داخل ثكنة اخرى، هي قصر الضيافة في الضاحية الشمالية للعاصمة، قادها رئيس الحكومة المكلف بعد جمعه لاكثر من ثلاثمئة سيرة ذاتية لشخصيات رشحت للفوز بمناصب في حكومته الجديدة. التحريات ظلت محصورة داخل الدوائر الضيقة والمغلقة للرئيس الجديد، وحتى قادة الاحزاب ورموزها لم يكونوا على اطلاع تام ودقيق على ما يدور في ذهن الرجل، أو على الطريقة والاسلوب الذي سيعلن به عن انتهاء مشاوراته الماراثونية وإعلان تشكيله الحكومي. لقد طالبهم على انفراد بالاسماء التي يقترحونها، بدون ان يسمح لهم بالاطلاع على التركيبة المرتقبة، فضلا عن كشف لونها أو طعمها الحزبي والسياسي. وظل يردد باستمرار وامام الجميع بانه سيتشاور مع الكل بدون اقصاء أو فيتوهات. أ
ما خارج قصر الضيافة فقد كانت الضغوطات السياسية والاعلامية تنهال من كل حدب وصوب في اتجاه واحد لا غير، وهو «قطع الطريق» امام مشاركة الاسلاميين في الحكومة الجديدة تحت مبرر أن الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي افرزت فائزا ومهزوما، وان منطق الديمقراطية يفترض ان الفائز هو الذي يستأثر لوحــــده بمواقع السلطة، مقابل بقاء الطرف المهزوم في موقع المعارض.
استاذ القانون الدستوري ورئيس هيئة تحقيق اهداف الثورة سابقا عياض بن عاشور كان واحدا من الاصوات التي ارتفعت لتقول «بان تشريك حركة النهضة لا يتماشى مع ارادة الناخبين، لان العديد منهم يعبرون من خلال شبكات التواصل الاجتماعي عن عدم رضاهم عن مثل تلك المشاركة، والشيء نفسه يحصل داخل حركة نداء تونس». والبعض الآخر علق بأنه لم تعد هناك فائدة أو جدوى من الانتخابات، مادام الامر محسوما مسبقا داخل الغرف المغلقة بين «الشيخين» الغنوشي والباجي.
حتى حمادي الجبالي القيادي المنسحب من حركة النهضة قال في تصريح لوكالة الانباء الالمانية، بأن «مشاركة الحركة في حكومة الحبيب الصيد خطأ بحق الديمقراطية الناشئة، وانها ستجعل الساحة السياسية تفتقد لتيار قوي يمثل المعارضة، التي هي الركيزة الاساسية الثانية في اي بلد ديمقراطي، الى جوار مؤسسسة الحكم». أما الجبهة الشعبية وهي تجمع لاحزاب يسارية فقد اعتبرت، على لسان الناطق الرسمي باسمها، ان مشاركة النهضة في السلطة هي خيانة للوعود التي قطعها نداء تونس على نفسه في الحملة الانتخابية، وانه ان كان لابد من قيام حكومة ائتلاف فيجب ان تضم الى جانب حزب نداء تونس «الاحـــزاب الديمقراطية والمدنية التي تتفــــق معه في الخطـــوط العريضة للحكم». على الجانب الاخر كان موقف النهضة ومثلما جاء على لسان الشيخ راشد الغنوشي في مقابلة أجرتها معه صحيفة «العربي الجديد» هو ان مصلحة البلاد تقتضي وجود الحركة في الحكومة المقبلة وان « كل اليسار يقترح علينا ان نبقى في المعارضة وهو موقف مريح ودافئ ولا احد ينكر ان النظام الديمقراطي هو سلطة ومعارضة وبانتفائها يختل الوضع الديمقراطي، ولكننا في ديمقراطية ناشئة نحن أحوج ما نكون الى التوافق، وليس تغليب فريق على آخر، وهذا هو التطور الكبير الذي افرزه الحوار الوطني، بينما البلدان العربية الاخرى لم تعرف ذلك التطور…».
المقربون من الباجي قائد السبسي، وهو المهندس الحقيقي للحكومة وصاحب الكلمة الفصل داخل حزبه، كانوا يرون انه يدفع باتجاه مشاركة لا تلقى ترحيبا واسعا داخل «النداء» وفي الاوساط المقربة منه، وسلسلة الاضرابات العمالية المتتابعة في قطاعات حساسة وحيوية مثل، النقل والتعليم والفسفاط، التي أثارت قدرا من الريبة، خصوصا لجهة اختيار توقيتها، كانت مؤشرا على ان منطق لي الذراع واستعراض القوة قد بدأ يكتسح بالتدريج مساحات فتحت بجهد وصعوبة امام حكومة وحدة وطنية تضم كل الالوان والاطياف على اختلافها وتنوعها.
الاشارة الخارجية الوحيدة جاءت من المانيا يوما واحدا قبل اعلان الصيد عن حكومته، فقد صرح وزير خارجيتها الذي بدأ زيارة الى تونس ليومين، صادف ان كان يومها الاول هو يوم الاعلان عن أن البلد يمثل «مصدر الهام للدول العربية والاسلامية، وانها تعد مثالا يحتذى في تجاوز المحن في مسار الانتقال الديمقراطي». كلام الوزير الالماني لم يختلف كثيرا عما ظل يردده الشيخ راشد الغنوشي من ان تونس هي الشمعة الوحيدة التي ظلت تشتعل بعد ان سقطت باقي دول الربيع العربي في طوفان من العتمة والخراب.
لكن السؤال الاهم هو ان كان ما جرى في الساعات الاولى من صباح الجمعة الثالث والعشرين من الشهر الجاري هو انطفاء مكتوم وفي كنف الهدوء والسرية لتلك الشمعة اليتيمة والفريدة. لقد ظهر الحبيب الصيد بشكل مفاجئ وغامض ليعلن تشكيلا حكوميا قلب الأمور رأسا على عقب، واستبدل منطـــق الوحـــدة الوطنية باستنساخ رديء ومشوه لوحدة اقليمية صار هدفـــها المعلـــن والوحيد هو اقصاء الخصوم وطردهـــم، إما عـــبر الانقلابات العسكرية او الديمقراطية. هل كان الامر انقلابا آخر على الاسلاميين نفذته آلة الديمقراطية المحلية بتوجيه خارجي مفضوح؟
قبل نحو شهر من الآن سألت صحيفة «الخبر» الجزائرية الشيخ راشد الغنوشي عن المبررات وراء عدم ترشيح حركة النهضة لاحد ابنائها للانتخابات الرئاسية. جواب الشيخ كان، «انا مقتنع تماما اننا لو رشحنا نهضويا لما وصلت تونس الى هذا اليوم، ولما وصلنا الى الانتخابات… معنى ذلك اننا لو تقدمنا الى ذلك المنصب سينهار المسار بانقلاب بارهاب باغتيالات بفوضى عارمة…».
اذن كانت الخطوط مرسومة ومضبوطة بدقة، ولم يكن أمام الإسلاميين من سبيل سوى التحرك داخل الهامش المسموح والمرخص. لقد فعلوا ذلك واجادوا اداء الدور، وقدموا تنازلات مؤلمة وقاسية كادت تعصف بهم وبوحدتهم. ولكن مقابل ماذا وفي سبيل أي شيء بذل كل ذلك الجهد؟ يقول معظم اعضاء مجلس الشورى الذين اجتمعوا الاحد الماضي للتداول في الاعلان المفاجئ عن ولادة حكومة ثكنة قصر الضيافة. من اراد للنموذج التونسي الانتكاس وللتجربة الاسلامية في السلطة ان تظل عالقة فقط في مشهدين اثنين لا ثالث لهما، إما قطع الرؤوس على الطريقة الداعشية أو قطعها في الجانب المقابل على الطريقة السيسية؟
من المؤكد ان نجاح التجربة التونسية هو مصدر ازعاج وقلق للكثيرين داخل وخارج المنطــــقة، ولكن هشاشة حكومة الصيد وتجاهلها لمسار الحوار والوفاق الذي جنب البلاد وحماها من هزات واضطرابات الجوار قد يعجل بموتها وسقوطها القريب، بعد ولادة مفاجـــئة معاكسة لسنن الطبيعة.
هذا ما يقوله تاريخ الولادات المشوهة للحكومات التي خرجت من ثكنات المدنيين او العسكر ثم دفنت بعد عمر قصير، بدون أن تحزن الشعوب لفراقها أو تذرف دمعة واحدة عليها وهذا ما يقولــــه أيضا ميزان القوى الذي أدارت حكومة الثكنة ظهرها له لتقفز في فراغ لا أول له ولا آخر.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية