الحلال والحرام في تونس

حجم الخط
15

منذ نعومة أظفارهم يتربى الأطفال في تونس على كلمتين اثنتين، هما الحلال والحرام. وغالبا ما يسمعون آباءهم وأمهاتهم وهم يصرخون في وجوههم غاضبين مزمجرين» لا تفعلوا كذا ولا تقولوا كذا وإياكم ثم إياكم أن تقوموا بكذا أو تتصرفوا مع فلان أو علان بكذا وإلا وقعتم في المحظور والحرام ودخلتم النار وبئس المصير»، أو يربتوا على اكتافهم مهللين ومشجعين وهم يقولون لهم بلطف وود انه» لا مانع أن تفعلوا كذا أو تقولوا كذا أو تتصرفوا على ذلك النحو مادام حلالا محللا لا تشوبه شائبة».
وكلما كبروا وتدرجوا في السن والمعارف يبقى الحلال والحرام بالنسبة لمعظمهم لغزا مبهما يؤرقهم ويلازمهم في حلهم وترحالهم ويحضر في معظم خطواتهم وأعمالهم ومشاريعهم، من دون ان تكون لهم القدرة على استيعابه أو فهمه أو حتى الاقتراب المباشر منه. والنتيجة هي أن البعض منهم يلجأ بفعل عجزه وقصوره عن الفهم، أو لامتلاكه فهما خاطئا ومشوشا، إما للثورة والرفض القاطع لما يراه قيدا معطلا لتحرره وانعتاقه، ويقطع حينها كل صلاته وروابطه الوراثية بالدين، أو يعلن على العكس رفضه وثورته على ما لا يراه حراما وما لا يعده حلالا، ويقوي تلك الروابط والصلات وفقا لتمثلات وتصورات خاصة به، تخرج عن المألوف.
لا يحصل ذلك بالطبع في تونس وحدها، فالامر يتكرر على النحو نفسه تقريبا في كل الدول العربية والإسلامية بلا استثناء. أما الاختلاف فربما هو أن التونسيين يجدون صعوبة اكثر من غيرهم من العرب والمسلمين في التعرف على من يدلهم أو يرشدهم الى الحلال والحرام، أو يعرفهم الفرق بين المصطلحين ويفهمهم تلك العلاقة الملتبسة في معنى الحلال والحرام، بين الدين والقانون. فهم متروكون منذ اكثر من ستين عاما، اي منذ اعلان استقلالهم عن فرنسا إلى ما يشبه الفراغ، اي الى مصائرهم واجتهاداتهم الذاتية، في البحث عن جواب لمعنى الحلال والحرام من دون ان تكون لهم مرجعية دينية واضحة ومعلومة، يطمئنون لها ويعملون وفقا لتوجيهاتها. إنهم مثل قصبات فارغة في الريح، ومثلما يمكن للمرء أن يعثر على إبرة وسط كومة قش، فإنه باستطاعتهم متى رغبوا في الحصول على مثل ذلك الجواب أن يعثروا على عالم متضلع في الفقه أو في الشريعة ليشرح لهم منسكا أو فريضة أو حتى يعلمهم متى يكون الفعل نفسه حلالا مرة وحراما مرات أخرى. ولكن ذلك لا يعود عليهم غالبا بفائدة كبرى، فحتى لو قال لهم فقيه أو عالم بأنه من الحرام المحرم فعل أمر ما، أو قال لهم على العكس أن ذلك الفعل حلال محلل فلا معنى أو تأثير لكلامه على معاملاتهم أو تصرفاتهم، أو أي وجه من وجوه حياتهم اليومية المحكومة فقط وحصريا بالقانون.وذلك هو بالتحديد مربط الفرس، فالتناقض الذي يعيشه التونسيون منذ الاستقلال هو أنهم يسمعون ويقرأون ان الحلال والحرام من صميم الدين، ولكنهم يعيشونه ويطبقونه في الغالب بعيدا عنه وبمنأى عن أحكامه وتعاليمه.
وجوهر الإشكال هو أن علاقتهم بالاسلام ظلت شديدة الالتباس والغموض والتعقيد. فلم يكن في تصور بورقيبة اول رؤساء تونس ان يكون هناك دور للدين خارج جدران المساجد، أو ان يكون هو المنظم والمحدد للمعاملات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية للدولة الناشئة. كان المبرر دوما، ان تونس دولة «الاسلام دينها والعربية لغتها» مثلما نص عليه الفصل الأول من دستورها القديم والجديد، من دون الحاجة لأن يكون هناك ارتباط عضوي ومباشر بين اسلامها وعروبتها، وبين نمط عيشها أو قوانينها أو تشريعاتها. ولكن لا بورقيبة ولا خلفه بن علي كانا يملكان الشجاعة لإعلان الانفصال التام والصريح عن الاسلام، بل كانا يبرران كل التشريعات والقوانين وحتى الأفعال والقرارات الغريبة والمثيرة للجدل بأنها استلهام لروح الإسلام واجتهادات مطلوبة لا تتعارض بأي حال من الاحوال مع ثوابت الدين والعقيدة.
ولعلكم تذكرون جيدا كيف شرب بورقيبة كأس عصيره الشهيرة في نهار رمضان وهو يقول لشعبه «افطروا لتقووا على ملاقاة عدوكم»، وكيف أخبرهم في خطاب له في الستينيات أن الإفطار في رمضان ليس متعارضا مع الدين وان «الصوم الذي يقعد الناس عن توفير اسباب الحياة والرفع من مكانة الدين وبلوغ الأهداف السامية، هو أمر يجعلكم في حل من الصيام، على أن تؤدوا صيام الايام التي افطرتم فيها عندما يتيسر لكم ذلك، يوم تحالون على التقاعد مثلا أو حين تكون الظروف مواتية، وليس هناك مانع ديني يمنع ذلك». وتذكرون أيضا كيف قرر بن علي إلغاء فريضة الحج في عام من الاعوام تحت ذريعة الحرص على أن يجنب شعبه العدوى بانفلونزا الخنازير، وكيف أعلن وزيره للشؤون الدينية حينها ان «السفر الى البلد الموبوء غير جائز» وقال في بيان رسمي إن سبب اتخاذ القرار هو» طبيعة هذه الظاهرة اي انفلونزا الخنازير ومدى انعكاساتها الصحية المتوقعة في موسم الحج المقبل، وتأكيدا أن حفظ النفس من اسمى مقاصد الدين الاسلامي الحنيف».
لقد كان الرجلان اللذان حكما تونس على مدى أكثر من نصف قرن يقدمان نفسيهما على أنهما رعاة وحماة للدين وأنهما مجددان ومجتهدان ومفسران لتعاليمه وأحكامه، وأن ما يعلنان حظره هو الحرام وما يقرانه ويباركانه ويوافقان عليه هو الحلال.
وكلما أدارا ظهريهما لحكم من احكام الاسلام كانا يسارعان فورا للاعلان بأن ما قاما به هو اجتهاد وتجديد وتطوير لا نسفا أو ابتعادا عن مقاصده وغاياته. وكانت وجهة نظرهما هي أن الزمن كفيل بجعل الرافضين لمواقفهما يذعنون بالنهاية للامر الواقع. ولعل ذلك ما يتكرر الان في زمن الباجي قائد السبسي، ولو بطريقة معكوسة. فبعد ان قال قبل عام من الان في خطاب ألقاه في ذكرى المصادقة على مدونة الاحوال الشخصية «نحن شعب مسلم ولذا فلا نحتفل بأي اصلاح يبتعد عن قواعد الاسلام». وردد انه من الضروري ان تترك مسألة المساواة في الارث لوقت اخر، عاد ليقول قبل ايام فقط في خطاب في المناسبة ذاتها «ان موضوع الارث هو من امور البشر التي تركها الله سبحانه وتعالى ورسوله الاكرم لاجتهاد العباد ونحن اجتهدنا».
ومثلما وجد بورقيبة ثم بن علي شيوخا يباركون افعالهما واقوالهما وجد قائد السبسي مفتيا يعلق على كلامه بالقول إن «رئيس الجمهورية استاذ بحق لكل التونسيين وغير التونسيين، وهو الاب لنا جميعا بما أوتي من تجربة سياسية كبيرة وذكاء وبعد نظر». أما ما الغاية من وراء تمسك كل الأنظمة التي حكمت تونس بالتدخل الفض والمباشر في مسائل من صميم العقيدة الدينية، رغم ادعائها انها انظمة مدنية وحداثية؟ ولماذا فضلت ولا تزال ان تحتكر لنفسها الحق في رسم الحلال والحرام، رغم عجزها عن تبريره وشرحه وتقريبه من الناس؟ فانظروا قليلا حولكم وستعرفون من يستفيد من بقاء الحلال والحرام مصطلحين غامضين وغريبين وملتبسين في اذهان الاطفال والكهول وحتى الشيوخ ايضا.
كاتب وصحافي من تونس

 الحلال والحرام في تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية