أزمة القطار في يوم السبت لم تكن خدعة محكمة لبنيامين نتنياهو لتبكير موعد الانتخابات في الكنيست بطريقة «قلب الأمور رأسا على عقب»، بل نتيجة احتكاكات في الزعامة الحريدية، التي لم تهدف إلى توسيع تأثيرها في نمط الحياة في إسرائيل. كتابان نشرا في السنتين الأخيرتين يبرهنان على ذلك. الكتاب الأول هو كتاب «حياة الحاخام المعلم يوسف كارو» للدكتور مور التشولر، الذي يصف عظمة هذا الحاخام الصوفية من صفد في القرن السادس عشر، الذي وضع السلوك الشرعي لأجيال. والكتاب الثاني هو كتاب «العظماء» ـ شخصيات حددت ملامح اليهودية الحريدية في إسرائيل ـ لباحثين تعقبوا آثار شخصيات حافظت على العالم القديم في وجه النشاطات التحديثية الصهيونية والرسمية.
هذه الشخصيات وجدت نفسها في حرب متواصلة أمام الهاتف المحمول والإنترنت والفيس بوك، التي أثرت في المجتمع الحريدي في توجهات متناقضة. هذه التأثيرات أضعفت الحاخامات الكبار وممثليهم الحريديين في الكنيست الذين جعلوهم يوافقون على تسوية خطة حائط المبكى، مثلا، التي تراجعوا عنها بضغط من المتطرفين. هذا التوجه أشعل أيضا الخلاف على أعمال القطار.
ولأنه من الناحية الرسمية حتى أمر كهذا الذي هو نتيجة صراع داخلي حريدي، ابتز من الحكومة نموذج سلوك مشوه آخر مصدره الضعف. الليكود الذي يسعى للحفاظ على سلامة الائتلاف في فترة أزمة القطار، وافق على تسريع إجازة قانون مميز. ليس التمييز بين العلماني والمتدين اللذين لهما احتياجات مختلفة، بل قانون يمكن عضو علماني من الليكود في تل أبيب من الشراء في يوم السبت، لكنه لا يمكن زميله من الحزب في نتانيا من ذلك.
لا يوجد حزب حاكم معني بهذا التمييز بين أعضائه، لكن هذا هو الواقع الذي وافق الليكود على تشكيله في غير مصلحة أعضائه العلمانيين خارج تل أبيب فقط من أجل أن يواصل نتنياهو منصبه رئيسا للحكومة. هذه إشارة واضحة على الضعف.
وهذا هو حكم أعمال تشريع الليكود الأخرى. إن محاولة منع إجراء تحقيق جنائي مع نتنياهو، اقتراح تقديم أي صحافي يقوم بنشر تسريب مما يحدث في الشرطة للمحاكمة والمبادرة إلى تقليص كبير لصلاحيات مراقب الدولة ـ كل ذلك يبدو حسب محللين ومواطنين عاديين أعمالا عدائية من قبل مجموعة مناهضة للديمقراطية تسعى إلى إطالة حكمها وردع خصومها.
إن هذا برهان صحيح، لكن هناك أيضا وجه آخر للعملة. مبادرات التشريع هذه هي عمليات لحزب حاكم، يشعر أن الجمهور بدأ بتسميته «فاسدين، مكروهين». المبادرات هي عدائية، لكنها أيضا دفاعية.
وهي تختفي خلف درع قانون معوق، وهي تتمسك بشدة بمدن الملاذ للخارجين على القانون. إن العقلانيين من بين محطمي الديمقراطية يشعرون أيضا أن محاولة التخلص من مخالفات جنائية بغطاء القوانين الشريرة، ستفشل.
مثلا، إذا سافر نتنياهو إلى أفريقيا لأنه يخشى من نشر استنتاجات الشرطة بشأن التحقيق معه، وأراد تأجيل لقائه مع أصحاب الزي الأزرق، فهل تحقيقاتهم من شأنها إرباكه؟
ريتشارد نكسون، كما هو معروف، تجول في إسرائيل في الوقت الذي كانت فيه قدمه تؤلمه بسبب التهاب الشرايين، فقط من أجل الابتعاد قليلا عن قضية «ووتر غيت» في واشنطن.
ولكن من يخطر بباله أن صحافيا تصل إليه استنتاجات الشرطة، لن يقوم بنشرها؟ إن صحافيا كهذا سيتصرف كالتالي: سيكتب ثلاث كلمات هي «حسب تقديري وتوقعي».
ومن هنا فصاعدا سيقوم بالإبلاغ عن استنتاجات الشرطة. و»حسب تقديري وتوقعي» توازي الصيغة التي فرضت كتابتها على الصحافيين في بداية الأنباء الأمنية «حسب مصادر أجنبية» (أيضا لو لم تكن هذه المصادر موجودة).
ولكن النظام الحاكم يشعر بانعدام الأمن، لذلك هو عنيف جدا في نشاطه البرلماني الحثيث. الليكود يعرف أيضا أن قانون التوصيات لن يجتاز امتحان الواقع، وهذا خلاف لرفضه في محكمة العدل العليا. الوحشية السياسية لنتنياهو بوساطة مساعديه ـ مثل وحشية نكسون ـ صحيحة بحد ذاتها، لكنها مقرونة بخوف خفي.
هآرتس 30/11/2017