الرهان الهولندي

حجم الخط
0

الموظفون الهولنديون رفيعو المستوى الذين وقعوا على تبرع بمبلغ نصف مليون يورو للمنظمة الإسرائيلية ـ الفلسطينية «كوميت مي» من اجل مشروع إنتاج الكهرباء البيئية في القرى الفلسطينية في مناطق ج، كانوا يعرفون أن المشروع يتم بدون الحصول على الترخيص من سلطات الاحتلال الإسرائيلية.
ورغم ذلك قرروا المخاطرة، على فرض أنه يوجد لدولتهم اتفاق محترم مع إسرائيل: نحن الهولنديين لن نزعجك بسبب الاخلالات المنهجية للقانون الدولي والمستوطنات. قد نقول لا، لا، لا، لكننا سنستمر في العلاقة الاقتصادية والثقافية والعلمية والاجتماعية الممتازة معك. مقابل طول النفس لدينا أنت ستسمحين لنا بتمويل مشروع انساني من خلال غض النظر.
الجزء الاكبر من التبرع الهولندي لإنتاج الكهرباء البيئية في المناطق ج ـ 350 ألف يورو ـ تم استثماره في مشروع في قرية جوبة الديب في شرقي بيت لحم. ومنذ العام 1988 والقرية تطلب ايصالها بشبكة الكهرباء، لكن الادارة المدنية رفضت ذلك. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2016 عندما استكملت «كوميت مي» وضع الشبكة المصغرة اصبحت القرية التي فيها 31 منزل و160 مواطنا وروضة اطفال ومسجد وخمسة محلات صغيرة وعيادة متجولة تأتي مرة في الاسبوع، تحصل على الكهرباء.
على مدى ثمانية اشهر شعر الموظفون الهولنديون بأن رهانهم قد نجح. التقارير الميدانية كانت مشجعة: تحسن في ظروف النظافة والصحة بفضل استخدام الثلاجات لتخزين الغذاء والدواء، والشعور بالأمن بفضل الانارة الليلية، وتمديد ساعات العمل في الليل، ولا سيما نشاطات الاطفال الذين يحضرون الوظائف البيتية، وتحسن التعليم بفضل تشغيل الحواسيب، وتخفيف عمل النساء بفضل استخدام الادوات الكهربائية.
بدل المولدات التي تحدث الضجة وتلوث الجو وذات الثمن الباهظ، التي كانت جوبة الديب تستخدمها حتى الآن والتي توفر الكهرباء لثلاث ساعات في اليوم فقط، تم اعطاء حل صديق للبيئة وصديق لمن يستخدمه.
لا يمكن لأحد الاعتراض على ذلك، هكذا اعتقد الهولنديون، لكن تبين أن هناك من يعترضون. أبطال الادارة المدنية الذين ينفذون سياسة إسرائيل، والذين لا يحتملون وجود كهرباء في رياض الاطفال الفلسطينية قاموا باقتحام القرية في يوم الاربعاء الماضي وصادروا الألواح الشمسية وأمورا أخرى، وتسببوا بضرر الأدوات.
وخلال ساعة واحدة قاموا بهدم موقع استغرقت اقامته خمسة اشهر، وقاموا بفصل الحواسيب والثلاجات، وتظليم القرية، وأعادوا اليأس والمولدات الملوثة. وفي المحيط كانت اضواء المستوطنات والبؤر الاستيطانية تسطع.
ما الذي يسمح لإسرائيل بأن تبصق على اموال ضرائب الهولنديين، وادارة ظهرها لحكومة من الحكومات الاكثر صداقة لإسرائيل؟ اليكم بضع فرضيات: لأن طول النفس الهولندي والاوروبي تجاه إسرائيل وادارة ظهرها لمباديء العدل الاساسية يسمح بذلك، ولأنها تعتقد أن اوروبا قلقة من مشكلاتها وأنها لن تتفرغ لاتخاذ اجراءات حقيقية، ولأن إسرائيل قامت بتحطيم وسائل انسانية اخرى قامت بتمويلها الدول الاوروبية. وباستثناء الاحتجاج والتصريحات لم يحدث أي شيء لأن إسرائيل هي دولة يهودية ديمقراطية.
المواطنون في إسرائيل، في غالبيتهم الساحقة، لا يحتجون ولا يعارضون، ولا يعتبرون تحطيم مصدر الكهرباء لقرية فلسطينية كارثة أو اجحاف. إن عدم وجود معارضة يشجع على المزيد. والمواطنون في إسرائيل يعتقدون أيضا أنه يحظر على دولة اجنبية التدخل في شؤوننا، وأن هذا الموضوع هو شأن خاص بنا. أي نحن من يجب أن نقرر إذا كانت ستكون هناك كهرباء في جوبة الديب أم لا.
لماذا يعتبر هذا شأنا خاصا بنا؟ شبان كثيرون قاموا بالانتقال من القرية إلى المناطق «أ» أو «ب» لأنهم لا يستطيعون تحمل ظروف الحياة بدون رخص البناء والكهرباء. واذا غادر الجميع القرية فإن اراضي اخرى ستكون شاغرة من اجلنا، نحن مواطنو الدولة اليهودية الديمقراطية. المسألة بسيطة وهي التفكير الإسرائيلي بعيد المدى.
نحن نأمل أن احتجاج الهولنديين لن يتوقف عند الكلام فقط في هذه المرة.

هآرتس 5/7/2017

 الرهان الهولندي
الاحتجاج اللفظي يجعل إسرائيل تتمادى في تعديها على المواطنين الفلسطينيين
عميره هاس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية