الريف المغربي بين الوطنية التاريخية وفرضية وهم الانفصال

حجم الخط
12

تعيش منطقة الريف وبالخصوص إقليم الحسيمة ومنذ شهور وضعا مقلقا جراء استمرار الاحتجاجات على سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وهذه المقاومة الاجتماعية السلمية أدهشت السلطات المغربية وجعلتها تراهن على الحوار بدل العصا. لكن بين الحين والآخر تظهر خطابات ترغب في وصم الريفيين الذين هم أمازيغ بالانفصال، وهي خطابات مثيرة للفتنة بسبب الردود التي تخلفها خاصة في ضوء التساؤل التالي: ما هي الوطنية الحقيقية؟
وانطلقت الاحتجاجات الأخيرة منذ ستة أشهر، تاريخ فاجعة بائع السمك فكري الذي مات مطحونا في شاحنة للأزبال بعدما أراد استعادة أسماكه التي صادرتها السلطات المغربية. وأصبحت الاحتجاجات منتظمة أسبوعيا وبشكل سلمي باستثناء ما وقع الأحد ما قبل الماضي عندما تطورت المواجهات إلى إحراق أربع سيارات كبيرة وحافلة لنقل الشرطة.
وأدركت السلطات خطورة الأوضاع، وقامت بالرهان على الحوار بدل القوة والعصا، وهي ميزة مرحب بها، فالرهان على العصا خلف الكثير من المآسي في هذا البلد، والعودة إليه مجددا خارج المقاييس المتعارف عليها لن يرمي إلى فرض الأمن بل التسبب في مغامرة سياسية تهدد استقرار البلاد.
ومقابل نضج السلطات هذه المرة، ارتفعت أصوات تنعت سكان الريف بالانفصال، وهي خطابات قديمة يتم إنعاشها بين الحين والآخر في إطار استراتيجية التخويف أو تبخيس المطالب الاجتماعية وتحريفها عن سكتها الحقيقية. وتأتي هذه الاتهامات في وقت حرص متزعمو الاحتجاجات على التخلي عن كل الشعارات التي قد تشير إلى ما هو إثني أو سياسي والتركيز فقط على مطالب اجتماعية محضة.
وكانت ردود بعض الريفيين قوية على هذه الاتهامات، فقد ذهب اتجاه إلى التنديد بهذه الخطابات، بينما طرف آخر في شبكات التواصل الاجتماعي تساءل عن معنى الوطنية في ظروف يقوم الحاكمون باغتصاب حقوق الشعب مثل حالة ملف «خدام الدولة» (استيلاء نافذون في الدولة على أراض باسم القانون) أو ارتفاع أرباح مسؤولين في السلطة مقابل غرق البلاد في المديونية وتراجع الخدمات الطبية والاجتماعية. وكتب أكثر من معلق واحد: هل يمكن اعتبار المسؤولين الذين يراكمون الأموال في ظرف تعيش فيه البلاد مأساة الديون وتدهور التعليم والصحة وطنيين؟ وفي تساؤل آخر يكتب أحد مغاربة المنطقة: كم من الأنظمة تتغنى بالوطنية وتنعت المطالبين بالحق بشتى الاتهامات، خذوا العبرة من حاكم تونس السابق بن علي، اعتقل وشرد وحاكم باسم الوطنية، وأخيرا تبين أنه أكبر لص في تاريخ البلاد، وقس على ذلك.
فرضية انفصال الريف عن المغرب، هي كما أشرنا أسطوانة قديمة، يتم ترديدها منذ ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمار. ولكن إذا تأملنا تاريخ منطقة الريف، فسنجد أنه تاريخ بطولات متتالية. وكانت منطقة الريف هي المستهدفة بعد سقوط غرناطة وبدء اسبانيا تنفيذ «وصية إيزابيلا الكاثوليكية»، فقد احتل الاسبان في غفلة مدينة مليلية سنة 1497، وأرادوا احتلال باقي التراب المغربي شمالا، ولكنهم عجزوا بسبب المقاومة الشرسة لمغاربة هذه المنطقة، مما جعلهم يحتلون مناطق أخرى شمال افريقيا.
كانت إيزابيلا الكاثوليكية تعتقد في ضرورة تحويل سكان شمال افريقيا أو المغرب على الأقل إلى المسيحية حماية للقارة الأوروبية، وهو تصور ورثه الكثير من المثقفين والسياسيين طيلة القرون الماضية ومنهم عراب اليمين الاسباني كانوفاس ديل كاستيو الذي كتب منتصف القرن التاسع عشر في كتابه الشهير «معطيات حول تاريخ المغرب» أن الحدود الطبيعية لاسبانيا هي جبال الأطلس.
هذا الفكر المتعصب هو المسؤول عن تاريخ الحروب بين المغرب واسبانيا. وفي كتابه «مواجهة بين حضارتين» يعالج المؤرخ العسكري أنتونيو تورسياس بيلاسكو الحروب التي وقعت بين المغرب واسبانيا ما بين سنتين 1497، تاريخ احتلال مليلية إلى 1927 تاريخ القضاء على ثورة الريف. ويتحدث الكتاب عن حروب ومعارك لا تذكرها كتب المغرب وخاصة التأريخ الرسمي، البعض يتم تغييبه عمدا لأنه يتحدث عن تعاون السلطات المركزية في مراحل تاريخية معينة مع الغزاة والاستعمار، ومعارك أخرى يجهلها المؤرخون وتوجد فقط في الأرشيف العسكري الاسباني لأن التأريخ أو كتابة وتدوين الأحداث في المغرب كان محدودا خاصة في منطقة الريف، إن لم يكن منعدما.
نعم، دافع المغاربة طيلة القرون الماضية على وحدة البلاد ومواجهة الاستعمار بشكل موحد، لكن مناطق معينة بحكم موقعها الجغرافي في مواجهة الاسبان كان لها دور أكبر، ومنها الدور الكبير للريف. وهكذا، فالمتأمل في تاريخ المغرب وتاريخ مقاومة الأوروبيين، سيجعل الباحث يستخلص، وإن كان هذا باعتراف الاسبان أساسا، أن اسبانيا فشلت في غزو المغرب ابتداء من أوائل القرن السادس عشر بسبب مقاومة ساكنة الشمال وخاصة الريف، لأن الجغرافية جعلتهم في واجهة المواجهة، وهذا الذي جعل الاسبان يعجزون عن التقدم نحو العمق المغربي رغم احتلالهم سبتة ومليلية. واحتل الاسبان شمال البلاد بعد توقيع الدولة اتفاقية الاستعمار سنة 1912.
تاريخيا، منطقة الريف هي منطقة الدفاع عن وحدة البلاد في مواجهة الغزاة القادمين من الشمال. وتبقى المفارقة الكبيرة إلى مستويات من المأساوية هي أن الدولة وافقت على متحف للماريشال أمزيان الذي ساهم إلى جانب الجنرال فرانكو في محاربة الريفيين خلال العشرينات من القرن الماضي وقتل منهم الكثيرين، وتعهدت بإنشاء متحف للمقاومة الريفية في الحسيمة تكريما لحفظها وصونها وحدة البلاد. لكن المبنى الذي كان يفترض أنه سيكون جاهزا سنة 2014، يقطنه الآن مشردون. فهل هناك إساءة مثل هذه لتاريخ وذاكرة المغاربة؟

 الريف المغربي بين الوطنية التاريخية وفرضية وهم الانفصال
 
د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية