السعودي محمد أبو شرارة: تكلّف الشعر سقوط في فخ الركاكة

حجم الخط
1

الخرطوم ـ منى حسن: مثلما أن للجنوب في كلِّ بلدٍ ذاكرة مكتنزة بالأساطير والجمالِ، وتاريخا حافلا بالحكاياتِ، كان لجنوبِ المملكة حظٌ لا يقلُ عن نظرائه قيمةً وتاريخًا وحضارة..
في جنوب المملكة، وفي سهولِ قريةٍ جميلةٍ غافيةٍ في أحضان طبيعةٍ حالمةٍ مغريةٍ بالشعرِ، والتأمل، تُدعى باشوت، ولدَ محمد أبو شرارة شاعرًا قلقا، نزقًا، عاشقًا للجمال، وتفتحت شاعريته على خضرة الحقول من جهة، وقسوة الصحراء وجمال لياليها المقمرة من جهة أخرى، بينما ظلَّ النخيلُ يُلقنه أبجدية الخلود.. يعمل أستاذًا للغة العربية، وهو مؤسس ورئيس جماعة ألق الشعرية في نادي نجران الأدبي، حاز في مسيرته الأدبية الثرية عدة جوائز، منها حصوله على المركز الخامس في مسابقة أمير الشعراء الموسم الخامس، أشرع لنا نافذة من بوحٍ فكان هذا الحوار..
• الشاعر مسافرٌ صوب ذاته، ضالتُه المعنى، وزادهُ القلق، هلا أشرعت لنا نافذة نرى من خلالها الشاعر المسافر في أعماقك؟
■ أنا ابن المطر الجنوبي، نشأت في سلةِ الغمامِ والريحانِ والبرك والوزَّاب الجبلي، في جنوب المملكة، تعلمت الشعر كما تتعلم السمكة السباحة، فالبيئة التي نشأت فيها معجونة بالشعر والجمال، فمن أحواض البرك والريحان التي تحاصر بيتنا، إلى الغمام الذي يتسلل داخل الغرف والشرفات، إلى أحاديث أبي – رحمه الله- ومسامراته عن أبي زيد الهلالي، والزير سالم، وعنترة، في هذه البيئة يصبح الاستثناء ألا تكون شاعرًا.. لهذا فإن ارتباطي المبكر بالطبيعة، وبُعد قريتنا عن صخب المدينة، مهّدا لي حب التأمل، فبدأت تكبر معي الأسئلة الوجودية، وبدأ القلق الشعري يغذيها وبدأ الشاعر بداخلي يكبر محملا بقلق الوجود من جهة، وحب حياة الريف والعزلة من جهة أخرى، ولعل التحاقي بالمعهد الديني شكل في أعماقي بذورا، للقبول والرفض، لاتزال تتساقط من خلال اللغة كلما اهتز غصن الكلام.
• تقول الروائية الإنكليزية جورج إليوت: «إن أروع لغة هي تلك التي تتألف من كلمات بسيطة وغير متكلفة»، إلى أي مدى تؤيد هذا القول في الشعر؟
■ لم أجد زهرة مفعمة تتكلف أناقتها، ولا بلبلا صداحا يتكلف دوزنة مقاماته، ولا بحرا يتكلف زرقته؛ الجمال لمسة إبداع وسلامة ذوق، وصفاء قريحة، وكل الذين تكلفوا الشعر وقعوا في فخاخ الركاكة. والشعر ـ بالذات ـ مسؤول عن مخاطبة الشعور قبل العقل، ولن ينجح شعور متكلف أبدا. وإن كنتُ أرى لفظة (بساطة) في مقولة إليوت لا معنى لها، لأن الإحساس باللغة ذوق، ولكل شخص ذوق يختلف عن الآخر، وما أراه بسيطًا يراه غيري عكس ذلك، فتحديد البساطة أمر نسبي، ويبقى الحكم في هذه المسألة أمرا لا يتأتى إلا لنفس سليمة الحس، مليئة بالحب، غنية بالذوق، مترعة بالجمال.
• القارئ لقصيدتك المثقلة بالأسئلة الوجودية والفلسفية يتساءل عن المشارب التي استقت منها تجربتك، ومن أين تسللت الصوفية لشعر محمد أبو شرارة؟
■ قريتنا المتصوفة الناسكة، التي انتبذت مكانا غربيا عن ضجيج المدينة، وبهرج الحضارة، قضيت فيها شطر طفولتي وليس لي أصحاب إلا الأشجار والأزهار والطيور، وعلاقة حب طفولية بأغنام أمي، وعلى جبال القرية الشاهقة التي قربتني من السماء، حتى كنت أتوهم في طفولتي أنني سألمس الأزرق بيدي، في هذه القرية المنعزلة عزلة محببة؛ بدأت رحلة التأمل في الكون، وبدأت أسئلة الوجود تتشكل. كان أبي إمامًا لأحد مساجد القرية، وكان عابدًا، ناسكًا، متبتلًا، قال لي ذات يوم: إن ما يقرأه من القرآن كل يوم لا يزيد فيه شيئا إذا دخل رمضان! فكان لسمته ووقاره وتبتله أثر كبير في تشكل الذات بداخلي. التحقت بالمعهد الديني، وحفظت أغلب القرآن، وفي الوقت ذاته كانت بين يدي مكتبة أخي الكبير، المليئة بكتب الفكر والفلسفة ومشارب المعرفة المختلفة، التي كنت أعكف عليها ليالي بشغف لا أعلم له مصدرا، وكبرت وكبر داخلي سؤال الوجود، وزاده قلق الشاعر توترا، حتى لم أدع فيلسوفا إلا سألته، ولا ديانة شرقية ولا غربية إلا استكشفتها، ولا خرافة إلا راودتها، ولا أزال أكبر ويكبر معي سؤال الوجود، وإن كان قلق البحث عن الإجابة، أجمل لدي من الإجابة ذاتها لو وجدتها.
• الكتابة في كثير من الأحيان عبارة عن تفاعل الكاتب مع من/ وما حوله، سلبيًا كان أم إيجابيًا هذا التفاعل، إلى أي مدى يكتبك هذا الوصف؟
■ يبدو لي أنني أعيش في عزلة حقيقية، حتى وأنا أخالط الناس، لي عالمي الخاص الذي يبعدني عن المجتمع، ربما أبقى في مكان العمل سنوات عديدة، وأكتشف أنني لا أعرف أسماء الناس الذين أراهم يوميا، أعترف بفشلي في العلاقات الاجتماعية، وأصدقائي ـ خارج دائرة الشعر ـ يعدون على أصابع اليد الواحدة، أتفاعل مع الأحداث بشكل يشككني أحيانا أنني لا أشعر بها، فقد تقوم حرب وتسقط دول من دون أن يطرف لي جفن، ولكنني قد أبكي مع أغنية لفيروز، أو أغنية من أغاني الجبل، كما تبكي الثكلى!
• تعرضت مؤخرا لاتهامات بالتعدي على المقدس، والجُرأةِ عليه، هلا وضحت لقارئك ماهية تلك التجربة، وماذا أضافت لك كشاعر؟
■ هي ليست اتهامات بقدر ما هي حقيقة أعيشها وأعانيها كل لحظة، فالشاعر في أزمة أزلية مع السلطة، أيا كانت هذه السلطة، دينية أو سياسية، منذ مدينة أفلاطون وتاج الغار، حتى اليوم. إن الشاعر يُخلقُ رافضا للسائد، متمردا على القوانين، محاولا اجتراح آفاق جديدة، ورافضًا كل الأطر والتابوهات، ومنذ سنوات تحررتُ من حاجز الخوف، وكسرت التابو، وأفرغت صندوق التفاح الديكارتي تفاحة تفاحة، وبدأت أشكل ذاتي، بعيني وعيٍ جديد، ولم يكن الطريق معبدًا، بل كان محفوفا بأفاعي السائد، وعقارب الإطار! وأصدقكِ القول: لقد ولد في داخلي الشاعر ولادة حقيقية، بعد سنوات من تعلقه في مشيمة إسمعْ وأطِعْ، وظُلمات قُل ولا تقل، فلا سمعا ولا طاعة إلا للحقيقة مجردة بلا تزييف، وللجمال في أسمى مجاله. إن من حق الإنسان أن يسأل، وأن يبحث عن الإجابات في كل مكان. ولم تزدني ردود الأفعال المخالفة إلا إصرارًا على التقدم، ومن عادتي أني لا أكذب على نفسي، فقد أجامل وألاطف في علاقاتي مع الناس، ولكنني صريحٌ جدًا داخل النص لا أوارب ولا أداهن، فلست مؤمنًا بالشاعر الذي لا يقول كل ما لديه.
• يقول بودلير: «من بين الحقوق التي كثر الخوض في شأنها هذه الأيام ثمة حقّ منسي قد يهم الجميع أن يعاد إليه الاعتبار، إنه الحق في التناقض»، ألا ترى أن هدم تابوهات المجتمع العربي نحو التحليق بالكلمة في فضاءات ثقافية ومعرفية أكبر اتساعا باتت واقعًا وشيكا رغم كل محاولات قمعها وتحجيمها؟
■ ينطبق كلام بودلير على الشعراء قبل غيرهم، ولكي نفهم كلام بودلير يجب أن ندرك سبب طرد أفلاطون، للشعراء من المدينة الفاضلة، وندرك سرّ الفجوة بين الشعر والرياضيات، فالفيلسوف الذي يريد من الحياة أن تنضبط وفق نظريات محددة، لن يقبل الشاعر الذي يمثله قول حافظ إبراهيم: ولذيذ الحياة ما كان فوضى!
أجمل ما في الحياة التناقضات والأضداد، والشاعر قد يقول اليوم رأيًا يناقضه غدًا، ويؤمن اليوم بما يكفر به غدًا، ولأن الشاعر أرهف حسًا، وأصدق شعورًا، فإنه يعبّر عن خلجاته التي قد تمر على أي أحد غيره، فيرصدها ويظهرها للملأ في حين لا يرصدها الآخرون، فالشاعر يرصد لحظات الضعف، والشك، ولحظات القوة، واليقين، يرصد كل ذلك، من دون أن يعنيه التناقض في كل ذلك. وهذا دور الشاعر الحقيقي الذي لا يمكن تأطيره ولا حده في تابوهات الآخرين، بل يجب عليه أن يجترح الآفاق التي لا يجرؤ عليها غيره، وأن يمهد الطريق للخروج من ضيق التابو لسعة الحرية والحقيقة المجردة.
• كيف ترى دورك كصاحب قلم سعودي في رفع مستوى الوعي الثقافي بالكلمة، وهدم جدار الأحكام المطلقة؟
■ الشاعر لا يؤمن بالمصالحة مع الثابت، ودور الشاعر أن يثقب الجدار، وأن يكسر زجاج السائد، ويدق سلاسل العرف، وحاجة الناس لمن يكسر المألوف، ويغير النمط كحاجتهم للأنبياء الذين كسروا الوثن في رؤوس الجهل، وحاربوا بالحب والسلام جيوش الظلم والعبودية، الشاعر الذي يدور خلال النمط مهرّج لغوي، الشاعر الحقيقي نبيّ مبشّر، لا تأخذه في كسر النمط لومة لائم، ولهذا كله تصبح الكلمة (قولا ثقيلا) لا يقوم بها حق القيام، إلا من تدمى قدماه في سبيلها، والشعراء والمفكرون أولى الناس بتحمل ضريبة التغيير، ومنذ كأس سقراط حتى آخر سجين رأي، وهذا شأن أولي العزم من البشر.
• الناظر للمشهد الأدبي السعودي يرى أن الأدب النســـوي السعودي يمرّ بمرحلة انعتاق أســــهم في خـروج المرأة السعودية من عزلتها، هل ترى أن مساحة الحرية في التعبير المتاحة للمرأة السعودية كافية لكسر جدار العزلة من حولها؟
■ هذه المرحلة مشوهة للأسف، فالمجتمع الذكـــوري الذي ينظر للمرأة من خلال شكلها، يساهم في خــــلق مواهب مشوهة، فلا تكاد تخرج المرأة ـ غير الموهوبة ـ إلا وتجد التصفيق والإعجاب، وتنـــهمر عليها الدعوات من كل مكان. وأحمّل النقاد ضرورة الوقوف الجاد، ضد هذا العبث الذي ترمي به المطابع كل يوم، من دواوين للهراء، وروايات للأحاديث النسوية التي تتحول بقــــدرة قادر لروايات، فلو صدق الناقد معهـــن، لانكشف لهن زيف التصفيق، ومكر الدعــــوات، وهذا لا ينفي أن لدينا أصواتا نسائية متفردة، استطاعت كسر جدار العزلة، وفتح كوة للتغيير، ومازلت أكرر أن المرأة لا تحتاج من يتحدث عنها، وأنه لم يشوه قضيتها إلا التدخل الذكوري الممقوت.
• هل تؤيد حبس الشعر العربي خلف قضبان الخليل، من حيث اعتبار أنها المعيار الرئيسي لتصنيف المادة الأدبية كقصيدة؟
■ الشعر عندي كالعطر، ولا يعنيني في أي قالب وضع، مادامت رائحته جميلة! سواء كان القالب خليليًا، أو تفعيلة، أو قصيدة نثر أو أي قالب سيتم ابتكاره، ما يعنيني هو الشعر. ومن يحاول إلــــزام الشعراء بقالب معين، هو من يحاول أن يروض العندليب على النوتة، والذين يلزمون الشاعر بالإطار الخليلي هم من ادعوا أنهم يدركون ماهية الشعر ولهذا يجزمون بالتأطير، والحقيقة أنه لا أحد يدرك ماهية الشعر، ومن وجـــهة نظري إن ماهية الشعر غير مُدركة ولا يمكن تفسيرها، وكل تفسير لها إنما هو وصف لتجلٍ من تجليات الحالة الشعرية ليس إلا، فالشعر ليس الألفاظ ولا المعــــاني ولا الموسيقى ولا أي شيء، هو أمر غير قابل للتحديد، ومن حدده فإنما حدد مفهومه هو للشعر. وأنا متصالح مع كافـــة الأشكال الشعرية المطروحة، وعندي استعداد لقبول أي شكل طارئ مهما كان، مادام يحمل الدهشة الشعرية، ويقبس من نار الشعر المقدسة.
• لا يخفى على المطلع على الساحة الأدبية الخليجية، الصراع المحتدم بين شعر الفصحى والشعر النبطي، فإلى أي مدى ينحاز الجمهور السعودي للفصحى، وهل ترى أن الشعر الفصيح قادر على فرض صوته في هذا الأجواء؟
■ منذ سقوط الخلافة حتى اليوم، والحروب قائمة على اللغة، حتى باتت الأجيال تتعلم الفصحى وكأنها تتعلم لغة جديدة، وبسبب الضعف في اللغة ابتعد الشعراء عن كتابة الفصحى، وابتعد الجمهور عن سماعه. ومن جهة أخرى فالحداثة والغموض والذوبان في الآخر جعلت بين الشعر الفصيح والمتلقي حواجز، بل وتعاملت مع المتلقي بفوقية مقيتة، حتى نفر منها الجمهور وذهب إلى من يخاطبه بما يفهمه، وما يشعر به. وعندي أن في الشعر الشعبي نماذج تستحق أن تترجم وتدرس للأجيال، فالشعر النبطي اليوم هو الذي يمثل الروح العربية الحقيقية، وقد قلت، إني أجد الروح العربية في شاعر مثل ابن جدلان، في حين أنني أعيش غربة روحية وأنا أقرأ لأدونيس مثلا، فحينما وقعت الحداثة في أزمة الهُوِيَّة واستنساخ الآخر نتج عن ذلك، أن النص الفصيح أصبح غريباً في موطنه، ثم تمكن النص العامي.

 السعودي محمد أبو شرارة: تكلّف الشعر سقوط في فخ الركاكة
قصيدته مثقلة بالأسئلة الوجودية والفلسفية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية