السلام لن يخرج من هناك

حجم الخط
0

في تشرين الأول/أكتوبر 2016 تمر الذكرى الـ 25 لمؤتمر مدريد، الذي انعقد للبحث في تحريك المفاوضات لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وتوسيع دائرة السلام الإسرائيلي العربي. إحدى الاساطير المرتبطة بهذا الحدث التاريخي تقول انه فرض على رئيس الوزراء في حينه اسحق شامير الذهاب إلى المؤتمر وانه جر اليه رغم أنفه.
وكمن كان إلى جانبه في ذاك الوقت يمكنني أن اشهد دون تردد: لم يكن لهذا أي اساس. صحيح أن رئيس الوزراء شامير لم يسارع إلى هذا الحدث، ولكن ما إن قرر السفر إلى العاصمة الإسرائيلية، حتى عرف جيدا كيف يستغل المكانة العظمى في القصر الملكي ليعرض مواقف وحقوق دولة إسرائيل، كما يراها.
وبالفعل، كان خطابه امام العالم بأكمله، وعلى مسمع رؤساء القوى العظمى الخمسة والدول العربية عملا سياسيا محسوبا، عرضت فيه المباديء الأساس التي تصر عليها إسرائيل كشرط للتقدم في المفاوضات.
سمي مؤتمرا دوليا، ولكن هذا كان عمليا انعقادا تكتيكيا فقط بمشاركة رؤساء القوى العظمى ومندوب الدول العربية، وبالطبع، وفد إسرائيل. شامير، بالتنسيق مع الرئيس بوش الاب حدد لهذا الافتتاح الاحتفالي هدفا: أن يشكل مثابة افتتاح، تبدأ منه مفاوضات مباشرة بين إسرائيل وبين كل واحدة من جاراتها. وهذا ما حصل بالفعل.
لقد صمم المؤتمر تماما وفقا للطلب الإسرائيلي العنيد، الذي يرفض رفضا باتا محفلا دوليا يملي حلا للنزاع بيننا وبين جيراننا. كان رفض فكرة المؤتمر الدولي مبدأ أساس في الفعل السياسي لشامير. فبالنسبة له، كما شرح، فإن المؤتمر الدولي مثله كالمحكمة الميدانية التي يكون فيها متهم واحد، اي طرف واحد يخرج مدينا يدفع كل الثمن، ومن جهة اخرى مدعو آخر من اعضاء هيئة القضاة يتلقى ويستفيد فقط، فيما يجبر على التوقيع بالمقابل على «ورقة» عنوانها «اتفاق سلام».
في موضوع المؤتمر الدولي كان لشامير خلاف شديد في كل سنوات وجود حكومة الوحدة الوطنية ـ حكومة التداول مع المعراخ شريكه ورئيسه، شمعون بيرس. ولم يدر الخلاف فقط حول موضوع فني. كان هذا خلاف مبدئي ومصيري على مستقبل إسرائيل. فالمؤتمر الدولي معناه أن يملي على إسرائيل انسحابا مطلقا إلى خطوط 67، بما في ذلك القدس، إزالة المستوطنات وربما أيضا منح حق عودة إلى إسرائيل لعشرات الاف الفلسطينيين دون حق الاستئناف لنا. هذا ما لم يكن بوسع رئيس الوزراء شامير، وعن حق، ان يوافق عليه. وبالنسبة له، فإن المفاوضات الصادقة والحقيقية يجب أن تكون مباشرة، دون وسطاء يعادون المصالح الإسرائيلية، بين طرفي الخلاف حول طاولة واحدة، وجها إلى وجه. بهذا الشكل فقط يتبين منذ البداية إذا كانت هناك ارادة لدى الطرفين للوصول حقا إلى التسليم فيما بينهما.
في المفاوضات المباشرة تستوضح كل مطالب الطرفين، ولعل الطرفين يتمكنان من الوصول إلى حل وسط وإلى اتفاق، تفاهم، وقبل كل شيء اعتراف بأن كل منهما يتعين عليه أن يقدم تنازلات – وليس فقط اقليمية ـ والموافقة مسبقا على حل وسط. وكما هو معروف، رفض شامير رفضا باتا صيغة «السلام مقابل الأرض» وطرح بدلا منها صيغة: «السلام مقابل السلام». وقد كان فخورا حتى يومه الأخير بأن في عهده لم تسلم إسرائيل سنتيمترا واحدا من أجزاء وطنها. وكمن كان إلى جانب شامير في مفترقات سياسية مختلفة، بما فيها في مدرس، فقد كان احساسي وايماني بأنه هو ايضا، المتمسك الكبير بحق الشعب اليهودي على كل المناطق التي حررت قبل يوبيل من السنين، وبالطبع حقه في الاستيطان في كل اجزاء الوطن ـ فهم بأنه عندما ندخل إلى مفاوضات على اتفاق سلام، فإن الطرف الإسرائيلي سيكون مستعدا لتقديم تنازلات. مثلا، اعطاء حكم ذاتي واسع لعرب يهودا، السامرة وغزة.
«المؤتمر الدولي» كان بالنسبة له أمرا محظورا، لعلمه بأنه سيسير مسبقا نحو «حل» واحد، يناسب مئة في المئة كل المطالب الفلسطينية. وعليه فقد منع شامير اتفاق لندن في 1987، الذي وقعه شمعون بيرس من خلف ظهره مع الملك حسين وعني بانعقاد مؤتمر دولي. ومن اللحظة التي علم فيها رئيس الوزراء بهذه الخطوة، قفز حقا من جلدته كي يعرقلها ويشطبها عن جدول الاعمال.
لقد نزل شامير عن الساحة السياسية في 1992، ولكن تراثه لم ينزل عنها. وها هو اليوم يطرح المؤتمر الدولي للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني على جدول الاعمال العالمي، حين تدعو فرنسا إلى عاصمتها عشرات رؤساء الدول ووزراء الخارجية والتأكيد العريس الرئيس إلا هو السلطة الفلسطينية. وقد دعيت إسرائيل بالطبع هي ايضا كي تضع رأسها تحت المقصلة الفرنسية، ولكنها لن تكون حاضرة هناك وخير أن هكذا.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قاد الإعلام الإسرائيلي في عهد مؤتمر مدريد في 1991، يعرف جيدا ما هو معنى مثل هذا المؤتمر، وهكذا فإنه يكون مواصلا لخط شامير الراحل. وهو لن يدخل إسرائيل إلى هذا الفخ. هو يفهم جيدا المبادرة الفرنسية لا تستهدف تحقيق السلام، بل انسحاب إسرائيل إلى خطوط 67 دون أن يكون أي من مطالبها، وعلى رأسها الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كالدولة القومية اليهودية، موضع بحث على الاطلاق، واذا ما بحث فلا أمل في أن يقبل.
مثلما في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومثلما في مجلس الأمن، الساحتين الدوليتين اللتين تعنيان كل الوقت باتخاذ قرارات مناهضة لإسرائيل ـ هكذا ايضا بالنسبة لمؤتمر باريس وجوهره. فهذا انعقاد كل غايته هي منح ريح اسناد للفلسطينيين، دعما لمطالبهم، ومن هنا فإن نتائجه معروفة مسبقا. مؤتمر في اعقابه يتصاعد فقط الإرهاب الاجرامي ضد مواطني إسرائيل.
واذا كان هكذا، فلماذا الانعقاد على الإطلاق؟ يمكن مسبقا القول ان على إسرائيل أن تقبل كل المطالب الفلسطينية، ويأتي لباريس الخلاص. هذا هو جوهر «السلام» الذي يسعى المجتمعون في مدينة الانوار البحث فيه والقرار فيه، تحت العنوان الهاذي: «مؤتمر السلام الدولي».
وسواء شاركت إسرائيل أم لا ـ فالسلام لن يخرج من هذا الحدث الزائد. وبالتالي خير إلا تستجيب لدعوة الاوزة الفرنسية العرجاء فرانسوا أولند، وبمشاركة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ـ الذي اخرج الارنب من كيس أوبما في خطابه الذي يكشف الموقف احادي الجانب للادارة المنصرفة تجاه إسرائيل. أما سوريا المحبة للسلام، فأغلب الظن ستأتي.
باريس 2017 ليست مدريد 1991. مؤتمر باريس هو جهد دولي فارغ، يرمي إلى تغطية عري المجتمعين عن انعدام الوسيلة لديهم في معالجة المشاكل العالمية المشتعلة، كالمذبحة المستمرة في سوريا، في العراق وفي باقي الاماكن في الشرق الاوسط وفي أرجاء المعمورة. «مؤتمر دولي للسلام» ـ أيوجد عنوان مضحك أكثر من هذا لانعقاد سخيف وعدم الجدوى بهذا القدر؟

٭ مدير مكتب رئيس الوزراء اسحق شامير 1988 ـ 1992
معاريف 15/1/2017

 السلام لن يخرج من هناك
مؤتمر باريس يرمي إلى التغطية على العجز عن وقف المذبحة المستمرة في سوريا والعراق
يوسي احيمئير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية