ثمة حماقات مستحبة ومتبناة، من قبل كائنات الشطح الإبداعي العالي، والمتمثلة قي تمادي وجموح استمتاعها برؤيةِ ما يوحِي ويوهمُ به كل خداع بصري، تلقائيا، كان أو مبيتا، من منطلق هوسه الأنيق والعميق، بالكشف عن أسرار الشكل، الذي تهتدي لخباياه العين الخبيرة بآليات تملك رؤية عميقة لأشياء العالم، وتحضرنا هنا تحديدا النصوص الاستثنائية، التي أبدعها الشعراء الكبار، حيث يتحول المرئي تحت أنظارهم، إلى حروف وتشكيلات تهتدي بها الكتابة إلى مقاماتها، حيث يمكن القول، إن عين الشعر لا تقرأ الحروف، لكنها توقظها من النوم، تجس نبض دمها، تستفسر عن أحوالها، وأسفارها، وتتفقد مكامن الضوء فيها، مكامن الغرابة والملل، كما تتفقد قدرتها على الانبعاث، وعلى مواصلة السير في حدائق القول وفي صحاراه.
لا تقول العين بهوية نهائية وثابتة للحرف، ولا تكف في تحولها الدائم، عن اكتشاف أسراره، ما خفي منها وما ظهر، من خلال تغييرها الدائم لزاوية الرؤية، ووجهة السؤال، ومن خلال استبدال مواقع اختفاء الصدى، مواقع شروق الروح وغروبها، والحروف هنا، ذواتٌ، أسئلةٌ، أبراج، مصائر. والحروف هنا، حروف بقدر ما هي إلى جانب ذلك عتبات حروب. إنها الزمن الحي، حتى في موته الظاهري الذي لا تكف عين الشاعر عن تفقده، بعيدا عن بؤس المشهد الثابت، عن رتابة التكرار، حيث الرؤية التخييلية لا تكف عن الترحال في مدارج الشكل، وفي ما يتميز به من امتدادات، كأنما العين نذرت بذلك إلى ممارسة تمارينها القاسية، وإلى استضافة جسدك في سكينة الصخر، استضافة الندى، في ملكوت اللهب والسراب، في توجس ألمها.
العين أيضا تتمرن على لعبة التحويل والتحوير، وهي لعبة تزود العالم بقدرته على التحرر من أسمائه وصفاته، كما تمنحه القدرة على التعدد والتنوع. وللكمنجة أن تعيد توزيع أشكال إيقاعاتها على جغرافية الأوتار، فيما تطمئن العين إلى مهام تفكيكها لملامح الكون، من أجل إعادة تركيبها، في أفق مضاعفتها لهوية العدد، واستغراقها في متعة تكثيره.
هكذا يمكن معاينة الجمع، وقد بدا منفلتا من قلب نواة المفرد، مستسلما لفتنة التقسيم ولذته، من منطلق تحفيز الوجود، كي يطل علينا من عمق هويته الغائمة والمجردة، هاتفا بما فيه من صفات وأحوال كأي ذات منتمية إلى ذواتنا. ومن ثمة، هل من مجال للحديث عن وجود ما خارج حقل الرؤية، وخارج مداراتها؟
تفرح عين الشاعر بتقليبها لتربة وهواء فضاءاتها، بحثا عن أشكال ذلك المحتجب الذي لم يجاهر بعد بوجوده أمامنا، والذي كان إلى حين في حكم الضائع والبعيد، مع التذكير بأن ما ينْوجد خلسة تحت ضوء الرؤية، قد يكون سرا من أسرار الوجود، ولو على سبيل الوهم. وما يتعثر به فضول العين، قد يكون علامة مؤشرة على قابليةٍ جاهزة لإنتاج فيض من المرئيات، على الإشارة إلى علة ما من علل التكوين، إلى نص، إلى لغة، إلى حرف، وإلى ظل النقطة المرتعشة في سماء النون. تلك هي عين الشعر مسكونة بالبحث عن مواقع الأثر الحاضر في العلامة، في الصورة كما في الصوت، حيث ما من صورة إلا وقد احتوت أثرا للصوت، وما من صوت إلا ويوحي بحضور أثر ما للصورة، التي لا تكتفي بالنظر إليك، ولكنها أيضا تتجاوز ذلك، إلى مكاشفتك في شأن أثر محتمل، حاضر أو غائب تحت عشب متاهة ما. إنها تأمر، تنهى، تغوي، تهدد، توجه، تبوح، كما تدعوك للإنصات إلى ترانيم قول، يتشكل من حروف، لك أن تهتدي بها في مسالك التأويل، إذ فور احتجاب إشارات الصورة الموجهة لموقع الأثر، تبدأ حتما تلك الفوضى الكونية التي يتسلى فيها العمى بلعبة تداخل المسارات والدلالات، كما ينتشي فيها بالإنصات إلى إيقاعات ارتطاماتها المباغتة عند المنعطف الذي أنت في طريقك إليه، من دون أن تتأكد من واقع كونه منعطفا، أو مجرد جلباب معلق على كتف الريح. يحدث هذا بموازاة تلك الاختلالات الجمالية التي يتعرض لها تلَقِّينا المألوف للصوت كما للرسم، حيث تكون الإطلالة اللامتوقعة لأي منهما، وبغير الوتيرة التي تعودت الرؤية عليها، سببا كافيا لتأجيج زوابع الفتنة، كما هي كافية للتبشير باحتمال إطلالة خطر مرتقب، هو في الأصل خطرُ أسئلة لم تطرح من قبل، سواء حول قضايا الصورة أو الصوت، اللذين سيكون لتلاشي دلالاتهما التقليدية، والمتداولة، أثر مباشر في تلاشي أي إشارة دقيقة ومحددة لموقع الأثر وأبعاده، على الرغم من أن حضورهما سيظل واردا، ومحتفظا بديمومته، في رحابات أخرى من رحابات اللامرئي، لأن سيرة النص، ومن منطلق اعتباره وجودا رمزيا، هي خلاصة ما يحظى به من رؤى، صادرة عن ذهنيات قد تكون محكومة بمنطق الإثبات، أو بمنطق النفي، البقاء والعدم، وبكل ما كان وما سيكون. بمعنى أن سيرة النص أمست مجسدة في هوية مضاعفة، ذات روحين متكاملين، يمكن ملامستهما في هندسة الخطوط، كما في دلالات الحروف، أي في جماع ما رآه، وهو في طريقه إلى ذاته، باعتباره أفقا منتظرا ليس فقط بالنسبة للآخر/القارئ، أي لمن يوجد خارجه، ولمن تنحصر وظيفته في جمالية تلقيه، لكن وهذا هو المهم، باعتباره أفقا منتظرا حتى بالنسبة له هو في ذاته، حيث سيكون عليه، أن يظل مهتما بحظوظ تناميه، وبأقدار تشكله وانكتابه، التي ستؤثر لا محالة في خصوصية حضوره المستقبلي، هنا تحت ضوء العين المجردة، أو المغمضة، لا فرق، ما دام ممتلكا لإواليات الكينونة، التي لا تختلف في شيء عن الكينونة البشرية، وضمن إطار صورة تستدرج القراءة بطريقتها الخاصة، فضلا عن تحكمها الفعلي في آلية إنتاجها للرؤية، كما في آلية إنتاجها للدلالة، ولمجموع ما يتزامن معها، من أحكام وإسقاطات.
أحيانا يحدث أن توحي المسالك المقترحة من قبل بعض الإشارات، بكونها الوجهة الفعلية المؤدية إلى مسكن المرئي، فتعتري الذات جراء ذلك، رعشة شبيهة بما تحدثه ذبذبات الغواية والرغبة، من التهابات لذيذة في أنامل الكتابة والتشكيل. لكن أحيانا، تحِنُّ الرؤية إلى متعة الإقامة في مفترق طرقات، تعلم سلفا بأنها محض اقتراحات، لا تؤدي بالضرورة إلى أي ملاذ دلالي، كما يحدث أن تظل خاضعة لسلطة ما يكشف عنه المشهد، من غرائبية، من جمالية، ورعب، بما يعني أن إيقاع أجسادنا، ومعه إيقاع ذاكرتنا، يظل رهن إشارة ما توحي به كل من الصور الواضحة والغائمة، المتداخلة والمتقاطعة في قلب المشهد، من خطابات موغلة في سديمها. إنها بشكل أو بآخر، مصدر النداء الذي يدعونا لهجرة مساكن لم تعد تتسع لما يتجدد فيها من دلالات، كما يدعونا لهجرة أراض، نصوص وكتابات، واستبدالها بأخرى، وهي التي تغرينا أيضا، بالإقامة في هذا الربع الخالي من ظلال الشكل وحروفه إن أمكن، لكن يحدث أحيانا، وبفعل حالة غير متوقعة من الالتباس، الناتج ربما عن طول المسافة الممتدة بين الرؤية والمرئي، أو عن تقتير متعمد في إضاءة الإشارة، أن يتحول الثعلب إلى حَمَلٍ، وأن تتحول الأرض بإرادة شاعر كبير، إلى برتقالة زرقاء. أحيانا تتلبس الرؤية شكل الأحوال، فتكون مقامات الجسد، بقدر مقامات الرؤية، انسجاما مع التحولات اللانهائية التي يطمئن المرئي إلى تقمصها، وانسجاما مع تتالي إبدالاته المتجددة بتتالي لغاته، وما يتلألأ فيها من إشارات ورموز، فالحرف الذي يبدو جليلا ومهيبا أمامك هنا، لا يلبث أن يكشف خلسة عن أقصى حدود تهتكه وميوعته أمامهم هناك، لأن الرؤية معرضة دائما لبهاء التشويش، كما هي معرضة باستمرار لجماليات الانحرافات المباغتة التي يمكن أن تهُدَّ كيان المشهد وتزلزله، من دون سابق إنذار، منتقلة به من مدار العتمة، إلى مدارات الضوء، والعكس بالعكس، ثم ما أقسى أن تظل العين حبيسة رؤى أمست سلفا خالية من أي أثر للجسد أو الروح، للصورة أو الصوت، حيث يُختزل الوجود عادة في دائرة ضيقة، توجد فيها مرئيات جد معدودة، تُحكم طوقها، على ذاكرة عينٍ، دأبت على استنزاف طاقتها في استنساخها، وفي إعادة توضيبها، من دون أن يكون لها أي علم بأن ما يتراءى في حلمك، في مخيالك، وفي كل ما يندرج ضمن تداعيات مرئياتك، ليس شيئا آخر عدا كتابك الأصلي، الذي تتجدد بداياتك ونهاياتك بين سطوره، وبين ما يتوزع على صفحاته من بياضات. ربما بسبب ذلك، لا تكف عين الشعر عن تقطيع أشرطة الزمن، وعن تفكيك إيقاعاته، كي تعيد رتقها وتركيبها، وفق ما تقتضيه صيرورة الدلالة، المتبرئة تماما من تعاقدات، أبدا لم تُستشرْ في شأن قبولها أو رفضها.
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني