التحديق في الشاشات الصغيرة مشهد يتكرر ليل نهار وفي كل مكان، في المقاهي والعمل والمدرسة والنوادي والقطارات وحتى خلال قيادة السيارة. لم تعد تستثنى المناسبات العائلية ولا الخاصة، تعددت الاستخدامات فهي للبعض وسيلة للترفيه والتسلية وللبعض الآخر متابعة الأعمال والأنشطة الاجتماعية، كما تعتبر أداة للتخلص من الفراغ والملل ووسيلة فعالة للتوثيق وجمع المعلومات.
فما هي الآثار السلبية على الصحة والدماغ؟ وهل تعلق الناس بالتكنولوجيا الحديثة يسبب الإدمان وبالتالي يستدعي الأمر مراجعة الأطباء، وكم يحتاج الإنسان من وقت للتخلص من آثارها السلبية؟ وهل التقدم السريع في مجال التكنولوجيا الرقمية تسبب في تعلق الشباب بها والإدمان على استخدامها؟
محمد بهجة المحاضر والباحث في مجال علوم الكمبيوتر من جامعة «برونيل» في لندن قال لـ«القدس العربي»: «على الرغم من الآثار الإيجابية للتطور السريع في وسائل التكنولوجيا المختلفة وانتشارها في كل المجتمعات إلا اننا نرى ان الاستخدام غير الموجه لها ساعد على تركها للكثير من الآثار السلبية».
وأضاف: ان الوسائل التكنولوجية الحديثة هي سلاح ذو حدين وهنا تكمن فرصة كبيرة للنقاش بين مدرسة النظرة الإيجابية والسلبية لها. وصراحة انا كمختص في علوم الكمبيوتر، أحاول أن أقف دائما على الحياد في التطور الذي يحدث، للأسف مع تصارع دائرة التكنولوجيا لا يوجد هناك توافق بين العلوم الإنسانية التي تبحث في إيجابية وسلبية التكنولوجيا وعلوم الكمبيوتر.
وردا على سؤال حول تأثير التكنولوجيا سلبيا على المستخدمين قال: من خلال عملي كباحث فانا على اطلاع على أبحاث في علم «الحقيقة المدمجة» وهي التقنية التي يلبس المستخدم لها النضارة ثم يرى عالما آخر. وهناك أيضا تطور كبير جدا في عالم تنقيب البيانات لكني لا أجد الأبحاث الموازية التي تبحث مدى تأثير هذه التقنيات على المجتمع سواء على مستوى الأطفال أو الشباب أو المهنيين. لكن مما لا شك فيه فان التكنولوجيا كتعريف هي مجموعة من الأدوات والأساليب التي تحدد اسلوب العمل اللازم لحل المشاكل التي يواجهها الإنسان وهي وجدت لحل المشاكل وليس لخلقها عكس ما نراه اليوم حيث حولها بعض المستخدمين إلى ساحة للسرقة والمراقبة والتزوير والنصب والقرصنة.
الإنترنت المظلم
الناس من غير المختصين لا تعرف ما يسمى بـ«الإنترنت المظلم». وحسب الأبحاث الأخيرة فإن 10 في المئة من الإنترنت متاح للمستخدمين لكن هناك مساحة 90 في المئة لا يعرفه المستخدمون ويسمى «الإنترنت المظلم» تتم من خلاله الجرائم الالكترونية، وهو مجال لا رقيب ولا حسيب عليه.
حكومة الكترونية
وحول إمكانية كشف الجرائم ومرتكبيها والتخطيط لها قبل وقوعها من خلال التطور الحديث في علوم الكمبيوتر أكد بهجة أن هناك علما يسمى «أمن الفضاء» أو «السايبر سيكيورتي» وهذا علم واسع جدا ويتوقع ان يصل إلى درجات عالية جدا من الدقة. ومن وجهة نظره يرى أن من الممكن تحديد وتطويق هذه الجرائم ومتابعة المجرمين لكن الأمر يحتاج إلى إمكانيات عالية ومختصين وأصحاب كفاءة عالية لأنه علم معقد جدا لكنه ممكن، وتستخدمه حاليا بعض الدول مثل بريطانيا وإمارة دبي حيث تتم متابعة الأمور الإجرامية لدرجة ان بعض الحكومات تستطيع منع تصفح المواقع. ففي حكومة دبي حاليا يتم تغريم من يخترق المواقع ويتصفحها بدون الطرق المتاحة وبالتالي يجري تتبع المستخدمين المشتبه بهم وتعتبر جريمة الكترونية يعاقب عليها القانون، لكن الحكومات الإلكترونية لا تتوفر في الكثير من الدول العربية بسبب تواضع الإمكانيات.
ويرى بهجة أن علم «توقع حدوث الجريمة» موجود بشكل متطور في الدول الغربية من خلال ما يسمى «تكست مايننغ» أي تنقيب البيانات، مثلا إذا تم ذكر معلومة معينة عبر مواقع التواصل هناك لغة خاصة تقوم بفهم وقراءة هذه المعلومات أو البوستات سواء كانت عبر «تويتر» أو «فيسبوك» تتم ترجمتها والتنقيب والبحث عنها لدرجة توقع نية الكاتب وهذا علم مبني على تنقيب البيانات.
ونحذر المستخدم من الإفراط في وضع تفاصيل دقيقة عن حياته الشخصية متناسيا تحديد الخصوصية في البرامج حيث هناك طرق للتخلص من التجسس عن طريق وضع حدود من خلال البرنامج المستخدم للخصوصية لكن أغلبية المستخدمين ليسوا على اطلاع عالي لذلك معظمهم يقوم ببث الكثير من التفاصيل الحياتية الدقيقة والتي قد تؤدي إلى وقوع جرائم وتجسس تسبب مشاكل لا تحمد عقباها خاصة مع التوتر الذي يشهده العالم بسبب الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
الاشكالية في سوء الاستخدام
أما عالم الاجتماع التونسي د.عبدالستار السحباني الأستاذ الجامعي ورئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع فيرى أن تطور علوم الكمبيوتر ليس السبب في السلوكيات السلبية التي يشهدها المجتمع إنما في سوء استعمالها.
وقال لـ«القدس العربي»: نعيش مرحلة جديدة من الروابط الاجتماعية، والتكنولوجيا الحديثة التي فتحت مجالات واسعة وهي الروابط الاجتماعية الافتراضية، بمعنى اننا ندخل في علاقات اجتماعية غير مادية مع أشخاص في أماكن بعيدة، ما أثر على العديد من الظواهر مثل الإرهاب. والمشهد التواصلي تغير بشكل كبير وهذا لا يعود إلى أن هناك تكنولوجيا حديثة بل لسوء استعمال هذه التكنولوجيا ويمكن لها ان تفرز انعكاسات وآثار سلبية كثيرة.
ويرى السحباني أنه لا يمكن ان نرفض هذه التكنولوجيا ولا يمكن ان نتخلص منها لأن العودة إلى الوراء مستحيلة لكن الإشكال الكبير هو كيف يمكن ان نؤهل وان نعلم المجتمع التعامل مع هذه التكنولوجيا؟
ويضيف: على قدر كثافة حضورها في سلوكنا اليومي على قدر كثافة تعاملنا بها نحن نعيش فجوة تكنولوجية كبيرة جدا ومن مظاهرها أننا لا نتعامل بشكل جيد معها نستخدمها كمصدر للمعلومة وليس كمصدر للمعرفة لذلك كان استخدامها في مجتمعاتنا أسوأ منه في المجتمعات الأخرى.
ويؤكد السحباني على ضرورة تكثيف البرامج والدورات التكوينية بالنسبة للتلاميذ والطلبة وضرورة نشر التوعية بين الأسر والعمل على تأهيل الهياكل والمؤسسات المعنية من أجل التعامل الجيد والسليم وهذا من شأنه ان يفتح مجالات أكبر وأوسع في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها بشكل سليم خاصة أنها أصبحت من مكونات حياتنا الأساسية.
وردا على سؤال حول التفكك الأسري وعلاقته بالتطور السريع الذي تشهده التكنولوجيا الحديثة قال: التفكك الأسري ليس ظاهرة حديثة ولا يرتبط بالضرورة بهذه التكنولوجيا بل يمكن لها ان تكون عاملا له تأثيره، سابقا قلنا الكلام نفسه مع المذياع والتلفزيون. هناك تحول جديد نعتقد أنه يمكن ان يعكس آثارا سلبية على مجمل العلاقات الاجتماعية.
مشيرا إلى أنه في المنظور التقليدي ينعزل الشاب عن مجتمعه بسبب هذه التكنولوجيا بينما لو نظرنا إلى هذه الإشكالية من زاوية أخرى فنجد ان الجميع يستعملها لكن الجيل المقبل لا يرى المشكلة من الزاوية نفسها لأننا نتخلص من ثقافة تقليدية وننخرط في ثقافة رقمية جديدة والانتقال من حالة إلى حالة ممكن ان يكون موجعا. من ناحية أخرى ان كثرة الاستعمال قد تكون بسبب البعد الوظيفي وهذا هام جدا، فالتكنولوجيا المتطورة تقدم خدمات كثيرة للناس ولولا هذه الحلول لما تطورت هذه الأجهزة
ناهيا حديثه بالقول: لو كانت المسألة سلبية لهذه الدرجة لما كان كل هذا الإنخراط المكثف في استخدامها في النواحي الإيجابية. فالإشكال في آليات تطور المجتمع إلى الفردانية ولو كان أكثر تماسكا لكنا استعملنا هذه التكنولوجيا من أجل دعم التماسك الاجتماعي.
دراسات
وعلى الرغم من الفوائد منقطعة النظير التي أتاحتها لنا علوم الكمبيوتر خاصة فيما يتعلق بالتواصل وتقصير المنافسات والبحث وجمع الأموال والشهرة، إلا أن الكثير من الدراسات الحديثة تشير إلى مدى خطورتها على الترابط الأسري خاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين، فالمشاهدة لفترة طويلة وبشكل مستمر مؤشر على الادمان الذي له مضار صحية كبيرة منها زيادة الوزن عند الأطفال والخمول والانطوائية والتأثيرعلى الدماغ خاصة في الليل حيث يتسبب في القلق وقلة النوم بالإضافة إلى الموجات الكهرومغناطيسية الصادرة من الأجهزة والتي تتسبب كما تذكر بعض الأبحاث في أورام سرطانية يصعب علاجها. ويحذر أطباء من أن التعلق المفرط بهذه الأجهزة واستخداماتها يؤدي إلى مشاكل نفسية واجتماعية وصحية مدمرة تحتاج مراجعة الطبيب. ومع كل التحذيرات حول مخاطر الافراط في استخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة من خلال إعلانات توعوية إلا أن كثافة الاستخدام تزداد مع التسهيلات التي يوفرها هذا التطور السريع في علوم الكمبيوتر لمستخدميه.
وجدان الربيعي