الفنان التشكيلي السوداني صلاح ابراهيم: مشروعي يهدف لإستلهام الذات السودانية عن طريق الذاكرة الشعبية

حجم الخط
0

الخرطوم – «القدس العربي»: يظل المشروع التشكيلي لدى الفنان صلاح ابراهيم يشكل مبحثا متصلا ينهل من ثقافات السودان على تنوعها إضافة الى الإرث الإنساني العام. وهو كغيره من التشكيليين السودانيين جمع بين الموهبة الحقيقية والدراسة الأكاديمية منذ حصوله على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة والتطبيقية ثم الماجستير والآن اقترب من نيل الدكتوراه عن صورة الإنسان الإفريقي في الفن الأوروبي القديم. ويقول إن مشروعه الفكري والجمالي:»يهدف الى إبراز الذات الثقافية السودانية عن طريق الإستلهام من الذاكرة الشعبية التي تتجلى في قصص الجدات»الحبوبات» والأحاجي وكل السرديات التي تمزج الأسطورة بالواقع بغرض التواصل والحوارات مع ثقافات الآخرين». وهو يسعى لإبراز كل ذلك من خلال المعارض الجماعية والشخصية داخل وخارج السودان، إضافة للورش الفنية التي يتم من خلالها ترسيخ الرؤى والتحاور حول الموضوعات الفنية. ويشتمل المشروع أيضا على الدراسات والمقالات الأدبية والنقدية في الصحف والدوريات.
ويرى صلاح أن التشكيل السوداني يحظى بحضور مميز في كافة المحافل والمنابر الدولية التي تحتفي به على نحو مؤثر قل أن يوجد داخل السودان نفسه، ويستدل بالوجود العالمي الباذخ لمجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين السودانين، وفي الوقت نفسه فإن التشكيلي محبط ومهمل في بلاده وفي تقديره أن ذلك يرجع لعدة أسباب:» أهمها أن الشأن الثقافي ليس من أولويات إهتمام الحكومات الوطنية المتعاقبة وهذا الأمر يشمل كل ضروب الفنون وليس الفن التشكيلي وحده».
ويضيف بأن التشكيل في السودان يتميز بخصوصية واضحة لا تخطئها العين، مما يعبر عن ذات ثقافية تنطلق من هوية محددة. ويقول في هذا الشأن:»ساهم التشكيليون الرواد في تعبيد هذا الطريق، ومسمى مدرسة الخرطوم يشير الى أن في الخرطوم منجزات تشكيلية تشير الى هوية متفردة وليست هي مدرسة بالمفهوم الأوروبي، ومعظم التشكيليين يرتادون هذا الطريق ولكن بعضا منهم يتنكب في تيه يفتقد الى الوجهة الصائبة».
من إنجازات التشكيلي صلاح ابراهيم فوزه بجائزة «نوما» اليابانية وهي تعنى برسوم كتب الأطفال من خلال نصوص تعبر عن ثقافات بعينها في قارات محددة، من أهم اهدافها الإرتقاء بهذه الثقافات وجعلها تتحاور إذكاء لوحدة الجنس البشري. ويقول:» مما يحمد لهذه الجائزة أنها لفتت النظر الى الإهتمام بشريحة اجتماعية مهمة وهي شريحة الأطفال، لكن من المؤسف أنها توقفت لأسباب مالية». ويرى أن أطفال السودان في حاجة ملحة لأعمال فنية تحمل جودة عالية في الشكل والمضمون وذلك لإحداث توازن في ظل التدفق الفضائي الذي يحاصرهم صباحا ومساء.
ويمتد المشروع التشكيلي ليشمل جانبا مهما متعلقا بتوثيق المعالم الأصيلة في «جزيرة توتي» ذات الخصوصية الاجتماعية المميزة حيث كانت منطقة مغلقة يتم الوصول اليها بواسطة عبّارة نيلية محلية تسمى «البنطون» ثم جرى ربطها مع الخرطوم، فآثر نفر كريم من أبناء الجزيرة وعلى رأسهم الدكتور عمر الصديق على توثيق ملامحها القديمة قبل أن تندثر، ويقول عن هذا المشروع: «بدأت في العمل في هذا المشروع عبر جانبه التشكيلي في عام 2007 وقمنا بإعداد رسومات لمشاهد عديدة مثل الحراثة، الطابية،النخلات الثلاث التي وصفها الفنان خليل فرح في إحدى أغنياته والمعدية التي يعبر بها أهالي توتي يعبرون بها في أربعينات القرن المنصرم وكذلك بعض الأساطير المرتبطة بالغرق في النيل».
انتبه صلاح مبكرا للعملة السودانية، وتوج بحثه في هذا المجال عبر رسالة علمية بعنوان «دلالات الألوان والرموز في العملة الورقية السودانية» ويقول:»كان الهدف الأساسي من هذه الدراسة هو تبيان البعد الثقافي الوطني في تصميم العملة الورقية ومن أهم النتائج التي توصلت اليها الدراسة أن العملة الورقية السودانية هي أولى العملات في وادي النيل».
يشارك صلاح ابراهيم من خلال وجوده في جامعة الفاشر «كلية التنمية البشرية» في التواصل مع المجتمع المحلي في شمال درافور وغيرها من ولايات السودان، وذلك عبر الورش والمحاضرات وإقامة المعارض ويقول إن الفنان الحقيقي لا ينفصل عن مجتمعه ويُرجع العزلة التي يعيش فيها بعض التشكيليين لنوع التعليم الموجود في السودان والذي فصل الطالب الجامعي عن مجتمعه دون مبرر.
ويعكف حاليا على البحث في صورة الإنسان الإفريقي في الفن الأوروبي ما قبل الإستعمار ويقول:» هي رسالة دكتوراه قيد الإعداد في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كلية الدراسات العليا وتبحث في فترة ما قبل الاستعمار وهي فترة ينقصها الاهتمام بالدراسة – إلا ما ندر- والهدف الأساسي من هذه الدراسة هو محاولة توضيح رؤية الفنان الأوروبي للإنسان الأفريقي إبان تلك الفترة بعد أن صار الانسان الافريقي جزءا من المجتمعات الاوروبية وأحد شرائحه وصار يشكل حضورا في الأعمال التشكيلية الاوروبية، والسؤال هنا :هل ينطلق الفنان الاوروبي في تناوله للإنسان الأفريقي من ثقافة مجتمعه التي تتبنى مفهوم تفوق الرجل الأبيض والمركزية الأوروبية التي قادت لاحقا للإستعمار الاستيطاني لقارة أفريقيا أم أن الأمر ليس كذلك؟».

صلاح الدين مصطفى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية