استمر الغليان أمس في مدينة القدس المحتلة وأغلب المدن الفلسطينية أمس، بالرغم من سياسة «القبضة الحديدية» التي أعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو استخدامها وسط حالة من الذعر الإسرائيلي من اندلاع انتفاضة ثالثة.
وبدت التطورات المتلاحقة، وكأنها تتجه إلى مفترق طرق تاريخي، فإما تنجح إسرائيل في استكمال تهويدها للقدس المحتلة، ومن ثم تحويل التقسيم الزماني للمسجد الأقصى الأسير إلى حقيقة واقعة، أو ان تنفجر انتفاضة كاملة، تقلب الاوضاع على الجميع بدون استثناء.
واشار استطلاع رأي اجري مؤخرا إلى ان 57٪ من الفلسطينيين يدعمون اندلاع انتفاضة مسلحة، وهي نسبة «مماثلة لتلك التي سجلت قبل شهرين من اندلاع الانتفاضة الثانية» التي انطلقت من المسجد الأقصى في ايلول/سبتمبر 2000.
وكان نتنياهو واضحا في اعطائه الضوء الاخضر لقوات الاحتلال وقطعان المستوطنين لشن حملات القتل المفتوح بين الفلسطينيين، اذ قال امس: «نحن لسنا مستعدين لمنح الحصانة لأي شخص أو أي مثير للشغب (…) أو أي إرهابي في أي مكان، ولذلك فلا حدود لتحركات قوات الامن».
واكتفت الرئاسة الفلسطينية بتحميل الجانب الإسرائيلي المسؤولية، باعتبار «انه هو صاحب المصلحة في جر الأمور نحو دائرة العنف للخروج من المأزق السياسي والعزلة الدولية».
وبعد استشهاد فلسطينيين، أحدهما طفل، برصاص الاحتلال، إلى جانب سقوط عشرات المصابين خلال الساعات الماضية، وشن غارات على قطاع غزة ردا على اطلاق صاروخين، فإنه من الصعب التنبؤ. إلا ان ثمة حقائق لا يمكن التغاضي عنها في تقييم هذا المشهد المعقد، ومنها:
أولا: ان عمليات نابلس والقدس المحتلة وغيرها اثبتت للجميع ان خيار المقاومة المسلحة المشروعة للاحتلال مازال قائما، وسيبقى كذلك حتى عودة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، حتى وان خف وهجه احيانا. وهي تقدم كذلك ردا بليغا، وفي توقيت حرج، على كافة الاطراف بما في ذلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أكتفى بالتهديد بـ«خطوات سلمية وقانونية» لتنفيذ تهديداته بعدم الالتزام بالاتفاقيات مع إسرائيل، ناهيك عن غطرسة المحتل واجرامه، وتآمر دول كبرى لم يذكر زعماؤها كلمة «فلسطين» في خطاباتهم بالأمم المتحدة. ومع تبني حركة فتح الهجوم في نابلس، بدت وكأنها تتصالح مع نفسها وتاريخها الوطني العريق.
ثانيا: ان المعطيات الاقليمية والدولية غير المسبوقة في قسوتها، تفاقم من صعوبة هذه الانتفاضة، في ظل عالم عربي ممزق بصراعاته، او لم يعد مكترثا اصلا بما تفعل أو يمكن ان تفعله إسرائيل، وكأن فلسطين تحولت من قلب العروبة والإسلام إلى جزيرة في البحر الكاريبي.
اما على المستوى الدولي، وعلى الرغم من تصاعد التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية في الغرب بشكل خاص، فإن القرار للأسف ما زال في أيدي من يساوون بين الجلاد والضحية، ومن يتألمون من قتل مستوطن مجرم ومحتل ومسلح، ويتعامون عن حرق رضيع فلسطيني في فراشه. من لا يعتبرون ان دماء الفلسطيني مثل دمائهم، أو ان اطفاله مثل اطفالهم. اما المعطيات التي صاحبت الانتفاضتين الأولى والثانية فكانت شديدة الاختلاف، اذ كان اندلاعهما حدثا انسانيا كونيا مس الضمائر الحية حول العالم، وليس مجرد حدث سياسي.
ثالثا: ان التهديد الحقيقي بإجهاض هذه الانتفاضة، وهي تناضل لترى النور، لا يأتي للأسف من إجرام قوات الاحتلال او قطعان المستوطنين الذين طالما عجزوا في الماضي عن إذلال «شعب الجبارين»، ولكن من بعض المؤامرات الداخلية والخارجية التي ستتضرر من انكشاف حقيقة ادوار اصحابها. فالشعب الفلسطيني يدرك اليوم انه لم يعد لديه ما يخسره، ومن لم يستشهد في مواجهة المحتل، قد يستشهد مع أولاده وهم نيام في بيتهم. اما بعض اطراف النخبة السياسية الذين فشلوا لسنوات عبر التنسيق الأمني في منع الانتفاضة، كما فشلوا من قبل في استعادة أي من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، فيخشون ان يفشلوا مجددا اليوم في الاحتفاظ بمناصبهم وامتيازاتهم عندما «تخرج الأمور عن السيطرة» حسب تعبير البيان الرسمي الفلسطيني امس، ليتحمل الثوار من شباب القدس المحتلة ونابلس وجنين وغيرها القيادة الحقيقية للشعب الفلسطيني. اما اقليميا، فإن الانتفاضة ستزعج حتما المشغولين بالتنسيق الأمني والسياسي مع إسرائيل، والذين يظنون انهم نجحوا حتى الآن في التنصل من مسؤولياتهم القانونية والسياسية والتاريخية تجاه المسجد الأقصى.
وأخيرا فإن أمة لاتوقظها انتفاضة، او حتى مشروع انتفاضة، نبيلة كهذه في وجه احتلال غاشم، لأمة قد لا تستيقظ ابدا.
رأي القدس