عاش المجتمع الليبي نحو أربعة عقود من دون دستور، وفي قبضة مجتمع قبلي وإن أدعى الحداثة إعلاميا. فالقبيلة هي الملجأ الأخير للمجتمع في ظل غياب الأحزاب السياسية الفاعلة ومنظمات المجتمع المدني المتحررة من الاستقطاب السلطوي، وانقسام المؤسسة العسكرية، حيث اعتمد غالبية الليبيين على قبائلهم لإيجاد الحماية وتحصيل الحقوق، والحصول على وظيفة في أجهزة الدولة، كلٌّ حسب قوة قبيلته أو درجة قربه أو ولائه للنظام الحاكم آنذاك وحالياً.
وكانت القبيلة من أهم ركائز استمرارية نظام القذافي لعقود طويلة، وأيضا كانت عامل حسم في الإطاحة به. حيث يعتبر النظام القبلي من أبرز العوامل التي أثرت في تشكيل الحياة السياسية في ليبيا، حيث أن الولاء القبلي يلعب دورا كبيرا في النظام السياسي. واستشرى النفوذ القبلي في العملية السياسية أبان النظام السابق وفي انتخابات المؤتمر والبرلمان بعد الثورة، وإن كان بشكل غير رسمي.
ولعب القذافي خلال فترة حكمه على هذا العنصر، لتثبيت أركانه من خلال تقريب قبائل ذات ثقل معيَّن من حاشيته، وإغداق العطايا عليهم لضمان ولائهم له إذ إن التوازن القبلي تقابله أيضاً أحقاد تاريخية لا يمكن تجاهلها. فالغرب الليبي الذي يمتد من طرابلس حتى الحدود التونسية شمالاً ومدينة غدامس جنوباً، فإنّ مكوِّنات الجبل الغربي هي من القبائل العربية، وخصوصاً قبائل الزنتان والرياينة والصيعان والحوامد والنوايل، تُضاف إليها مناطق وازن وكاباو والبدر وتيجي، وهي مدن تقطنها قبائل أمازيغية.
فتلك القبائل سالفة الذكر تشعر بالغبن مع قبائل الوسط المتاخمة لمدينة سرت ولخليجها، حيث الثقل الحقيقي لنظام القذافي آنذاك. ومنها قبائل المقارحة والقذاذفة والفرجان، التي وُلد نظام القذافي من رحمها، والتي كان لها الفضل الكبير في احتضان السلطة والمحافظة عليها طيلة أكثر من أربعة عقود.
التوزع القبلي
يشكل التوزُّع الإقليمي لقبائل ليبيا عاملا حاسماً في الصراع، فالمتأمِّل في تاريخ ليبيا وتقسيمها الجغرافي، يدرك ما اتسم به هذا التاريخ من صراع بين قبائل الشرق والغرب، ولعل ما يحدث اليوم – هو في جزء منه- صراع بين هذه القبائل على السلطة والنفوذ.
فهناك سكان برقة القديمة، التي تمتد من حدود مصر شرقاً إلى مشارف خليج سرت غرباً، وهناك إقليما طرابلس وبرقة، إضافة إلى إقليم فزّان الذي يحتل الجزء الأكبر والأهم من خريطة البلاد، حيث يمتد من الحمادة الحمراء إلى تخوم النيجر ومالي وتشاد، ويحدّه جنوباً شريط أوزو وحدود السودان.
ويضم إقليم «فزّان» تركيبة قبلية وعرقية متنوعة. فبالإضافة إلى قبائل المحاميد العربية، تقطن هذه المنطقة أيضاً قبائل التبو، وهي من أصول افريقية غير عربية، ويتمركز أفرادها خصوصاً في مناطق القطرون وواحة الكفرة ونواحي سبها إلى حدود السودان . ويعيش «الطوارق» في إقليم فزّان، وعاصمتهم التاريخية غدامس، ويتمركزون تحديداً في مناطق مرزق وغات، ولهم امتداداتهم في جميع أرجاء الصحراء الكبرى.
أما إلى الشرق الشمالي، فتستوطن قبائل العبيدات وأولاد علي على طول الحدود مع مصر، وتتداخل مع القبائل المصرية المستوطنة لواحة سيوة والصحراء المتاخمة لمرسى مطروح، وهي قبائل عربية.
أما المنطقة الوسطى لناحية الشمال، فتسكنها قبيلتان نافذتان وقويتان هما: قبيلة آل القذافي وقبيلة المقارحة، اللتان تنافستا على السلطة والحكم طيلة حكم نظام القذافي، وتقاسمتا الثروة والمناصب والامتيازات.
التوازن السياسي
اليوم وبعد هذا الانقسام المؤسسي والسياسي والمجتمعي، وكم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يبقى الأمل معلقا على عاتق القبائل الليبية لإيجاد التوازن السياسي وجلب الاستقرار للوطن وذلك بخطوات لا تهدر أسس العدالة الانتقالية أولا والمصالحة الوطنية ثانيا.
إن مستقبل البلاد أصبح يتأثر بكم المشاكل العالقة بين بعض القبائل وبعض العائلات داخل القبيلة في حد ذاتها. ما يجعل مسألة المصالحة الوطنية وبـنـاء الـدولـة الـجـديـدة تـواجـه تحديات عصية على أي معالجة قبل إحقاق الحق وتقديم الجناة إلى العدالة لينالوا جزاءهم. لا جدال في أن الأمر يقتضي حكمة، يمكن لنظام العدالة الانتقالية – بدعم واتفاق القبائل الليبية- أن يقوم بدوره المهم في معالجة هذه المسائل والتحديات.
ويبقى السؤال يطرح نفسه في هذه المرحلة الحرجة هل القبائل الليبية التي ذكرناها على سبيل المثال وليس الحصر مستعدة لتقديم تنازلات متبادلة؟ هل يتم سيتم فك شفرة التناقضات والصراعات وافتعال الفوضى والحروب الأهلية؟ هل يمكن بناء دولة ليبية ّمستقرة تعتمد المصالحة الوطنية وسيلة للتنمية وللبناء؟ من هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد آليات واضحة باتجاه إرسـاء المصالحة الوطنية لتطبيع الأوضـاع السياسية، واعتماد الحوار الوطني الشامل بين القبائل الليبية في ظل عدم وجود مؤسسات يعتمد عليها في المواجهة وإدارة الـتـنـاقـضات وفـق آلـيـات عـمـل سليمة.
إن نجاح المصالحة يتوقف على مدى التنازلات والتضحيات من أجل إنجاحها بعمل وطني شامل يتجاوز سلبيات واستقطابات الحرب وتصفية الحسابات، والتي يجب أن تقدمها القبائل الليبية ضمن إطار ملف العدالة الانتقالية.
ويبقى التوافق الليبي الليبي الضامن الوحيد للسلام الاجتماعي والتنمية والاستقرار والوحدة الوطنية، ذلك يحتاج إلى ضبط الحالة الأمنية وإنهاء فوضى السلاح، وبناء الجيش والشرطة على أسس وطنية هي التحدي الأساسي الذي يواجه ليبيا بشكل خاص، وهي الخطوة الأولية التي لا تسبقها أي خطوة أخرى لضمان النجاح في بناء دولة القانون والمؤسسات، ومن ثم الدفع بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى الأمام كونها الملاذ المهم لنقل ليبيا إلى مرحلة الانسجام والتوافق.
عبد المنعم الحر