حوار: أنور عوض
اختتم مهرجان «شباك» دورته الثالثة 2015 مساء الأحد الماضي عقب سلسلة فعاليات ثقافية متنوعة غطت كل مجالات الثقافة والفنون، وأضفت على العاصمة البريطانية ألقا عربيا صرفا، كما فتحت فضاءات النقاش والحوار حول العديد من التجارب والمشاريع الإبداعية العربية.
«القدس العربي»، غطت فعاليات المهرجان منذ انطلاقته في الحادي عشر من يوليو/تموز الجاري، ورأت أن تجلس إلى رئيس أمناء المهرجان عمر القطان لتتعرف منه على تجربة المهرجان ككل بجانب ما تحقق خلال النسخة الثالثة، بالإضافة إلى بعض الهموم الثقافية العربية.
■ فقط إنعاشا للذاكرة… من أي نبع خرجت فكرة المهرجان؟
□ مهرجان «شباك» للفنون المعاصرة أصلا فكرة عمدة لندن في 2011، حيث نظمته بلدية لندن بشكل تلقائي وعفوي، على خلفية ثورات الربيع العربي، كمحاولة للاقتراب ومتابعة وتفهم ما شهدته الساحة العربية وقتها من حراك شعبي، وقد نجح المهرجان في صيف 2011. وعقب ذلك رأت بلدية لندن أنه يصعب عليها المواصلة من دون مشاركة شركاء آخرين، ومن ثم تم اختيار لجنة مستقلة ضمت ممثلين عن عدة جهات كانت مشاركة في المهرجان، كمؤسسة القطان و»دلفينا فاوندشين» والمركز العربي البريطاني وغيرها من الجهات المشاركة، ومن ثم تشكلت لجنة مستقلة لتولي تنظيم المهرجان واستمراريته، وقد انتخبت في 2013 رئيسا للمهرجان، ونجحنا في 2013 في تنظيم النسخة الثانية، رغم الظروف المغايرة التي تبعت الربيع العربي، حيث سارت بوصلة الأحداث بالمنطقة العربية إلى الاتجاه المعاكس، ما صعب مهمتنا، ومع ذلك نجحنا في تنظيم المهرجان في نسخته الثانية، حيث أن حوالي 55 ألف زائر تمتعوا بالبرامج التي قدمت عبر المهرجان من خلال مشاركة أكثر من 100 فنان من البلدان العربية ومبدعين عرب آخرين يعيشون في أوروبا.
■ نحن نعيش الحدث الثقافي الضخم في نسخته الثالثة… إلى أي مدى تحققت الفلسفة من وراء تنظيم المهرجان؟
□ المهرجان يحقق أهدافه، ونشير هنا إلى أن الاستقلالية التامة التي وضعناها لتتحقق فرص العرض والمشاركة للإنتاج العربي للمبدعين، على أن تكون الفرص للإنتاج الإبداعي الأكثر حيوية وابتكارا من الإنتاجات العربية في شتى المجالات، كالموسيقى والرقص والفنون الجميلة والسينما، وجميعها تقدم تحت مظلة واحدة، حاليا المهرجان لا يملك الإمكانيات للقيام بانتقاء كل برنامجه، وإنما يعتمد على مدير فني وأيضاً على مشاركة العديد من المؤسسات الثقافية في لندن، ونحن نأمل بعد أن يثبت اسم المهرجان، وينجح في انضمام شركاء جدد إليه، أن ينظم البرنامج كاملا عبر المهرجان بما في ذلك الانتاجات الجديدة بمعنى، أننا حاليا ندير الجزء الرئيسي، بينما هناك جهات تسهم معنا عبر صيغ تشاركية كدار الأوبرا الملكية، فمثلا لديها برنامج قمنا بإلحاقه بأنشطة هذا الموسم وفي هذا مكسب للجهتين.
■ ما الذي تمت إضافته هذا العام.. على مستوى الفعاليات.. والتفاعل وقائمة الشركاء؟
□ أولا عدد النشاطات والفنانين أكبر، كما بذل جهد أكبر في اختيار البرامج، مثلا المدير الفني للمهرجان قام باختيار الأعمال المشاركة في مجال الرقص، وكذلك المهرجان الأدبي مع المكتبة البريطانية عبر الفريق الفني للمهرجان، وكان هذا أقل نضجا في الموسم الثاني للمهرجان، ويمكن التأكيد على أنه اصبح الآن لدينا قدرة أكبر على التسويق والترابط عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولاحظنا إقبالا كبيرا من قبل الشباب العرب وغير العرب.
■ أين ترى الأزمة الثقافية العربية في زاوية التفكير أم مساحات التعبير وفقا لتداعيات ما بعد الربيع العربي؟
□ هناك أزمة على جميع المستويات، فالثقافة ليست بعزلة عن الواقع الذي نعيشه فالحروب الأهلية والعنف وغياب المشروع التحرري الواحد، هذه الأزمات المتداخلة تحاصر كل المجتمع العربي ولذلك من الطبيعي أن تتأثر الثقافة بشكل مباشر، وأن تكون أمام تحديات جديدة، غير أنه رغم تلك الأوضاع فان اللافت في الأمر أن حركة المبدعين العرب الشباب تطرح تساؤلات مهمة وذلك واضح، رغم كوننا نقدم نماذج فقط من المجموع الإبداعي العربي .
■ كيف تقييم تفاعل الوسط الثقافي العربي مع هذا الحراك الذي تقودونه؟
□ هنا أنا أتحدث عن مهرجان «شباك» الذي يتمتع بالحرية في التفكير والتعبير وهذا غير متوفر في البلاد العربية، ورغم ذلك فالمأساة أن يصبح المجال الوحيد لمثل هذ المهرجان هو لندن، ونرى وبما اننا نتمتع بالسلم والامان، لابد أن نرفد الثقافة العربية بما يمكن تحقيقه عبر التواصل مع مجتمعات جديدة، ونحن على قناعة بأن الثقافة هي خير وسيلة للتجمعات الإنسانية لما تخلقه من حوار واكتشافات أبعاد الآخر ومناقشة هموم المجتمعات ومخاوفها بشكل غير ثنائي ومنفتح وأكثر عمقا، وهذا ايضا ينطبق على علاقة الثقافة العربية بالمجتمع البريطاني التي صاحبتها تاريخيا تشوهات لها علاقة بالأبعاد الاستعمارية والعنف وما إلى ذلك، ونرى باعيننا ما يتحقق الان من تشارك ثقافي وحوار متبادل بين مكونين ثقافيين، بما سيحقق خطوات ايجابية في كل الاتجاهات .
■ إلى أي مدى ينتابك القلق على صعود تيارات متشددة في المنطقة العربية؟
□ قلقون من تعمق التيارات المحافظة والفاشية في البلاد العربية، من العنف من جهة، ومن الحروب الأهلية من جهة أخرى، التي هي هاجس ايضا، ولكن من خلال ما استطيع تقديمه كمثقف وعبر هذا الفعل الثقافي الكبير من خلال مهرجان «شباك» هو أن نمضي بعزم لفتح المساحات البديلة عبر الثقافة وتجذيرها، وهذه قد تكون وسيلة للم شمل الجاليات العربية الموجودة في المهجر. وأظن أن الجيل الجديد أكثر اهتماماً بالثقافة العربية من الجيل الأول من المهاجرين، فقد لاحظننا من خلال عملنا في قاعات الموزاييك وهي مكرسة للثقافة العربية، أن الجيل الأول من المهاجرين يتقوقع وينزوي على نفسه فاللبنانيون مثلاً لهم عالمهم والفلسطينيون والعراقيون كذلك وأيضاً القادمون من شمال أفريقيا الخ، من جهة أخرى يفضي العنف السائد في العالم العربي حالياً إلى أن يفقد الإنسان الثقة بنفسه ويمسي شكاكا يطرح على نفسه الاسئلة على شاكلة.. ما هي قيمتي .. واكيد أن العالم ينظر إليّ بازدراء! اعتقد اننا نتحرك في حقل من الألغام وهو وضع يزداد سوءاً يوما بعد يوم، لذلك لا استغرب إذا كان هناك ثمة من يمكن أن يردد سؤالا عنا وهو .. من هؤلاء المجانين الذين يهتمون بالثقافة العربية بينما البلدان العربية على شفا الانهيار؟ نحن عبر مهرجان «شباك « نتيح للثقافة أن تعبر وتطرح الاسئلة الصعبة في محاولة للحصول على المزيد من المعرفة والوضوح والحوار.
■ هل تعتقد أن العرب في هذه المهاجر لم ينجحوا في ترسيخ تجاربهم الإبداعية على غرار غيرهم من تجارب الهجرة؟
□ لا أعتقد أن العرب تأخروا، على العكس هناك اسماء صنعت لها وجودا ثقافيا ثقيلا، خذ مثلا زهاء حديد هنا وميشيل خليفي في بلجيكا وغيرهم في بلدان أخرى، واعتقد أن مهرجان «شباك» يعد بداية ظهور المؤسسات الثقافية العربية لتقوم بدورها في التعريف بوجودها وفعاليتها مع المجتمع الانكليزي مثلا، وهنا الفنون والثقافة لن تكرر تجربة الإعلام العربي في المهاجر الذي يخاطب نفسه للأسف متناسيا الهدف الأساسي
وهو مخاطبة الآخر ودعوته لاكتشاف حاضرنا، من دون أن نفقد خصوصيتنا. هذا التقوقع أعتقد أننا نجحنا من خلال مهرجان «شباك» في كسره، بالإضافة إلى كسر الجدار بيننا وبين سكان المدينة الآخرين، اعتقد أيضاً اننا نجحنا في أن نقنع المجتمع اللندني بأن المجتمع العربي غني بالتنوع والتعبير والإبداع ودعوته لحيزنا الإبداعي والجمالي والإنساني على أسس غير أسس المستعمر.
■ على أي مستقبل ستطل هذه النافذة الثقافية في النسخ المقبلة؟
□ حسب الخطة ولربما لن أكون جزءا من المهرجان في دورته المقبلة لتطلعي لتجديد الدماء في رئاسة المهرجان، المهم هنا هو أن الاستراتيجية التي ننشدها، أنه ومع تحقق نجاح المهرجان وانتشار صيته في العالم العربي، وصدى التغطية الإعلامية التي تحققت سننتقل للعمل على استثمار العلاقات التي بنيت مع الفنانين العرب ونذهب بها لبعض البلدان العربية بهدف ضم شركاء جدد للمهرجان كمؤسسات أو افراد، واعتقد مع النجاح الذي تحقق سينجذب الكثيرون للمشاركة، ويجب علينا الاشارة إلى إيجابيات أخرى تحققت وسيكون لها اثرها مثل تضاعف الدعم للمهرجان في ميزانية بعض الجهات كمجلس إنكلترا للفنون، ونحن الآن في طور الحديث مع مؤسسات في فلسطين والكويت والخليج، نحن متفائلون جدا، لا سيما بعد أن نجحنا في كسر أول حواجز الصعوبة.
■ كيف رصدتم تفاعل هذا النموذج من المجتمع الأوروبي من مهتمين وباحثين في حقل الثقافة العربية.. وهل من ثمار ملموسة على مستوى الدراسة والبحث أو أي مؤشرات أخرى ؟
□ مثلا قبل 4 سنين كان من الصعب جذب الإعلام البريطاني ليكتب عن نشاطنا الثقافي، الآن اختلف الوضع ليس من قبل الإعلام فقط، بل بمتابعة المهرجان من قبل كل من يهتم بالمنطقة العربية خاصة المقيمين في العاصمة لندن. ونتوقع أن نشهد في مقبل الايام ومع رسوخ العمل الثقافي اكثر أن تتحقق فرص التبادل الفني والثقافي بشكل اكبر وهذا احد أهداف المهرجان نفسه.
■ هل تراهنون على المشاركة الثقافية الإبداعية الشبابية أكثر من الأسماء المعروفة؟
□ الاختيارات الفنية ليست بيدي كرئيس للمهرجان، فقد اخترنا مديراً فنياً مستقلاً لهذا الغرض وأكرر أن الاستقلالية والحرية الفنية هما من ركائز عملنا، واعتقد من الإنصاف الإشارة إلى مفاجآت حققها فنانون شباب، أرى أن الفنانين الجدد بدأوا في التحرر والتعبير مقارنة بجيلي، بوضوح أقول إن الانتاج الشبابي هو الذي يلفت النظر، بل بإمكاننا أن نقول إن هذا المهرجان اقل محافظة واكثر راديكالية، لأن ذلك هو واقع الأشياء على الأرض، وهنا لا ننسى أن العالم العربي يتخبط الآن بين عالم قديم وعالم حديث، وربما أحد أسباب العنف أن هذه العلاقات لم تحسم بعد، إذا رأيت المهرجان اكثر شبابا فاعتقد أن الطبيعي مقارنة بنسبة الشباب ضمن المكون السكاني للمنطقة، والمستقبل بلا شك للاجيال الجديدة ولنا في تجربة الربيع العربي دلالة، اذ أن تلك الانظمة القديمة التي سقطت كانت قد فشلت في التعامل مع هموم الشباب ورغباتهم ولذلك كانت الثورة.