المهاجر

حجم الخط
1

استعصى عليه أن يصدق الخبر، وظل يسأل ابنة اخته مهى في الهاتف، إن كانت والدته حقا قد توفيت. لم تجد البنت بدا من أن تؤكد لخالها في كل مرة يسألها، أنها توفيت، وعليه ألا يرتاب في ما تقول، وإذا كان باستطاعته أن يحضر فليفعل بدون تأخير.
وسألته بفضول:
-هل بإمكانك يا خالي أن تحضر هذا الأسبوع؟
أجابها فورا:
-لا أعرف.
-الحقيقة حضورك ضروري. كل الناس يسألون عنك، وهذا دليل على أنهم يحبونك وقد اشتاقوا لرؤيتك، وأنا أيضا أرغب في لقائك، فلا أعرفك إلا من خلال الصور.
– بالفعل يا مهى، كنت طفلة صغيرة عندما تركت البلد وهاجرت إلى أوروبا، وأنا كنت دائما أحلم بالعودة إلى وطني.
ثم قال:
– الآن أنا حزين على وفاة أمي.
– لا تحزن يا خالي.. لقد كانت جدتي امرأة طيبة للغاية.
ودعها بولطيف في أسى وأغلق الهاتف. اقترب من النافذة ورفع عينيه إلى السماء. كانت كئيبة مكسوة بغيوم كثيفة. مرت عليه مدة طويلة لم ير خلالها أشعة الشمس. تأملها قليلا، ثم عاد إلى الأريكة وأشعل سيجارة. استغرق يدخن لدقائق، ثم غادر شقته.
اتجه صوب مقهى «اكسبريس» القريبة من سكناه. رأى أصدقاءه متحلقين حول طاولة صغيرة. أخذ مكانه بينهم وأخبرهم بتأثر أن والدته فارقت الحياة. كان بجانبه موريس أقرب الناس إليه، في بلد يكاد لا يعرف فيه أحدا. نظر إليه بإشفاق وعزاه بعبارات نطقها بصعوبة، ومكث يتفرس في وجهه. كان شاحبا، منقبض الملامح. توقع أن يرى دموعه، لكنه لم يذرف دمعة واحدة. بعد لحظات طلب ليمونادة وعب جرعات متتالية، بدا عليه عطش واضح، كان فمه جافا. لم يتوقف عن السعال طيلة دقائق. تعرقت جبهته، رغم الريح التي كانت تهب خفيفة باردة. جففها بمنديل ورق صغير، وتنهد قائلا لموريس:
ما أصعب أن يفقد المرء أمه.
حرك رأسه ورد عليه:
بالفعل.
وصمث برهة، ثم أضاف:
حينما يفقد المرء أمه يفقد معها القلب الذي يخفق من أجله بصدق. ما زلت لحد الآن لم أصدق أنها حقا ماتت.
قال موريس بلسان رجل حكيم:
هذا أمر صعب. ولكن مع مرور الوقت ستدرك أنه عادي وأن هذه هي سنة الحياة. كل شيء يتغير فيها باستمرار، حتى إن كنا لا نرغب في ذلك.
وسأله:
متى ستسافر عند أهلك؟
أجابه بعد لحظة تفكير:
– في أقرب وقت.
– إيااك أن تفعل كما فعلت في مرات سابقة. لا تتردد.
– بنت أختي قالت لي إنهم يسألون عني.
– هذا صحيح. ليس لأن أمك توفيت، ولكن أيضا لأنك غبت عنهم عشرين سنة، وهذه مدة طويلة.
– تماما..
غادر المقهى قبل أن ينزل الظلام. اشترى سندويتشا حمله معه في كيس صغير إلى بيته. لم تكن لديه رغبة في دخول المطبخ. الشارع لم يكن غاصا بالمارة لذا سار بخطوات هادئة نحو شقته. قعد على حافة الأريكة، وتناول طعامه بتأن. ثم أشعل سيجارة وراح يدخن ويتأمل سطح غرفة الجلوس. رأى حشرة صغيرة سوداء اللون تندفع بتؤدة. لم يتحرك من مكانه. أغمض عينيه حتى اختفت ولم يتساءل إن كانت قد آوت إلى فراشه.
ضاق صدره، ونفخ في الهواء، ثم بلع ريقه.عب كأس ماء بارد وراح يفكر. بعد قليل نهض إلى غرفة نومه وأخذ يرتب ملابسه في حقيبة كبيرة الحجم. كان من وقت لآخر يتوقف ويرفع رأسه ويفكر حتى تحمر عيناه، ثم يفرغ الحقيبة بانفعال. ينثر ملابسه فوق الأرض، ثم يعود نادما ليجمعها في الحقيبة. حتى إذا ما انتهى تمدد فوق سريره ساعات قليلة ونهض. قصد المطار في وقت مبكر. حصل على تذكرة سفر وهاتف ابنة أخته، أخبرها أنه سيزور البلد بعد يوم واحد فقط. ابتهجت، ومكثت بانتظاره إلى أن رافقت أمها إلى المطار، كانت متشوقة لرؤيته، لذا ما إن أشارت أمها إليه حتى انتفضت بقوة وهرعت نحو ذراعيه. ضمها إليه طويلا ثم ابتعد عنها وقال بإعجاب:
-إنك تشبهين جدتك في كل شيء.
قالت وعيناها تدمعان:
– تماما يا خالي.
– لونك الأبيض، ووجهك الرقيق، وشعرك وقامتك، كل شيء فيك يا حبيبتي من جدتك.
– آه، يقولون إنني لا اختلف عنها في شيء.
– سبحان الله لا شك أن قلبك أيضا يشبه قلبها.
– كانت حنونة تعطف على كل الناس.
قالت ووضعت في يده خاتما صغير، ودنت من وجهه هامسة:
-هذه أمانة تركتها عندي وأوصتني أن أسلمها إليك.
شكرها قائلا:
ـ سأحتفظ به ولن يضيع مني أبدا.
والتفت نحو أخته. كانت صامتة تتفحصه من بعيد. ظلت واقفة في مكانها وعلى عينيها نظارة سوداء لم تنزعها إلى أن استدار نحوها ليسلم عليها. لم يبد عليها أنها اشتاقت إليه كما توقع. كلامها كان باردا لا حرارة فيه. بدا على بولطيف فجأة إحساس بأنه لم يغب عن البلد سوى وقت قصير.
تسارعت أنفاسه وهو يسأل أخته:
قولي يا سنا، هل نسيت أنني غبت عشرين سنة؟
قالت:
-والله كأنك لم تغب عنا أبدا. ما زلت تبارك الله كما كنت.
صمت برهة، ثم قال في أسف:
-هذا هو قدري. تمنيت لو أنني رأيت أمي وودعتها..
قاطعته:
-لقد تذكرتك ودعت لك كثيرا وكأن ليس لها أبناء آخرون غيرك.
وأدارت سنا وجهها واتجهت نحو باب المحطة. تبعها وابنتها ملتصقة بذراعه. فتحت سيارتها وركبوا جميعا. ساد صمت مريب. قطعت شوارع طويلة دون أن تتكلم، ولما وصلت ركنت سيارتها على جانب الطريق وسألت أخاها إن كان يتذكر باب المنزل. لم يعرف إن كانت تمزح معه أو أنها جادة في سؤالها. أشار إلى الباب بيده وتقدم في خطى ثابتة. كان البيت صامتا، ولا أثر فيه للحزن. قالت إن جميع الزوار غادروا، وقد نظفت البيت ورتبت أثاثه على نحو رائق. وصعدت إلى غرفتها في الطابق الثاني. جال بولطيف في غرف الطابق السفلي، ودخل إلى الغرفة التي كان ينام فيها. تأوه وقال لمهى بصوت خافت إن الوضع تغير ولم يعد في هذه الغرفة شيء يذكره بالماضي. وقصد غرفة الجلوس، بينما مهى تركته إذ سمعت نداء أمها وصعدت إلى غرفتها في الطابق العلوي.
أمضى بولطيف ليلته ساهرا، وفي الصباح خرج إلى الحي الذي نشأ فيه. كان شعره طويلا، ومعطفه واسعا يغطي ركبتيه. لم يلبس نظارته. انتظر بلا طائل أن يتقدم أحد ليسلم عليه. قضى وقتا طويلا يتجول مثل مفقود. ثم توجه صوب المقهى. كان بمفرده. وفي ساعة متأخرة عاد إلى المنزل. فتحت له أخته وأخبرته أن أحد أصدقائه القدامى سأل عنه وسينتظره غدا في مقهى الويب. وتركته في غرفة الجلوس يتصفح جريدة وصعدت إلى غرفتها.

٭ قاص مغربي

 المهاجر

محمد غرناط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية