ماجدة هارون صعدت الاسبوع الماضي إلى الطائرة وهبطت في لبنان فقط كي تطلق في الإعلام صرخة «ساعدونا». بعيون اسرائيلية، رسالة هارون محبطة وتمزق نياط القلب. فهي رئيسة الجالية اليهودية الاخذة في الاختفاء في مصر، وعندما تستجدي «ساعدونا» ـ لا تتصور توجيه نظرة إلى القدس. عندنا، من السهل التخمين، كانوا سيوفرون عليها بطاقة الطيران ويتجندون على الفور للمساعدة.
في ذروة فخارها، حتى الابعاد الكبير في منتصف الخمسينيات، كانت الجالية اليهودية في مصر تعد اكثر من 80 الف نسمة، بينهم سياسيون واطباء مشهورون، اقتصاديون ورجال اعمال، كُتّاب ومفكرون، مؤسس المسرح القومي في القاهرة، ممثلات سينما ونساء المجتمع العالي. اما اليوم، كما تروي هارون، فلم يتبقَ سوى سبع نساء فقط، وهي ابنة الـ 63 ـ الشابة بينهن. لم يسبق لها أن زارت اسرائيل «إذ بالنسبة لي مصر هي بيتي حيث نشأت ورترعرت»، وليس لها مخططات أو ذرة حب استطلاع، هكذا تدعي، للمجيء إلى هنا.
في مقابلة مع حنين جرار، محررة موقع الاخبار «الان» في بيروت، تكشف هارون صورة غريبة عن وضع انضواء الاديان الثلاثة تحت سقف بيتها في القاهرة: هي يهودية علمانية، زوجها مسيحي كاثوليكي، وابنتاها من زواجها الاول («لم يتبقَ بعد رجال يهود شاغرون لها») تبنتا دين أبيهما المسلم. كما أن هارون تجر وراءها مأساة عائلية تنغرس جذورها في النزاع السياسي: شقيقتها الكبرى مرضت بالسرطان، واوصى الاطباء بتلقي العلاج في باريس، والحكم حذر أب العائلة: إذا خرجتم فلن تتمكنوا من العودة. فاتخذ الاب قرارا مصيريا فظيعا حين اختار مصر وفقد ابنته.
كلما توغلت في قراءة المقابلة، غابت شفقتي على هارون. فالمحامية التي تحرص على كل كلمة، تناور بين الوزارات الحكومية وبين واجب الحرص على ست نساء عجائز، تحذر من إلا تتعرض لمحاولة التنكيل بامنها الشخصي او بالممتلكات اليهودية. كما اني اعرف، تجربتي الشخصية بانها تهرب من الاسرائيليين. واذا ما التقت مع ذلك بدبلوماسي كبير من القدس فقد كانت تحرص على أن تخفي ذلك كي لا تعلق في عين العاصفة.
ما دفع هارون إلى لبنان كان قلقها على مصير الممتلكات اليهودية. جالية فاخرة ستمحى قريبا، ستخلف وراءها 12 كنيسا، كتب توراة عتيقة ونادرة، مخطوطات ومقبرة قديمة ومهملة قد يحتلها المقاولون. وفي الحملة الإعلامية تحاول أن تصطاد المتبرعين اليهود بحيث يتبرعوا بحفظ التراث.
طالما بقيت حية، تقسم هارون، لن أسمح باخراج كتب التوراة، وفي نفس الوقت تدحرج المتاهة المتلوية: في هزات مصر انتقلت الممتلكات اليهودية لمسؤولية وزارة الاثار التي توجد تحت مظلة وزارة السياحة.
وعندما تنازع السياحة الموت، فلا توجد ميزانيات. وفي غياب الميزانيات، فان عملية حفظ الكنس الفاخرة تنقطع. كنيسان فقط ومركز الرمبام جرى ترميمها. اما الباقي فمحكوم عليها بالانهيار، إذا لم يتوفر متبرع يستجيب لشروط رئيسة الجالية.
حلمها الكبير، كما تروي هارون هو ترميم الكنيس الوحيد الذي اخرج من القائمة الحكومية، وجعله مركزا ثقافيا: جلب كُتّاب وشعراء وبث افلام نوعية من العالم، استضافة لقاءات بين رجال علم وأدب، من اسرائيل ايضا؟ تلتف هارون بالصمت على إلا يورطوها فقط مع الدولة اياها.
الملاحظة: هذا المقال مكرس لذكرى يوسي سريد حديثة العهد، الذي في احدى زياراته إلى القاهرة اقنعته بأن «يفلت» من الوفد الرسمي ليلتقي في زاوية خفية مع رئيس الجالية اليهودية. لايام طويلة لم ينسى ما سمعه وتعلمه في ذاك اللقاء.
يديعوت 6/12/2015
سمدار بيري