من الذي أطاح بوزير العدل المصري أحمد الزند حقا؟ هل كان القرار حتميا للرد على «زلة لسانه» ضد رسول الإسلام الكريم في تصريحات تلفزيونية، خاصة بعد إعلان الأزهر الشريف غضبه وكذلك عدد كبير من النشطاء والسياسيين؟
من الذي كان اختار الزند في الوزارة أصلا، ومن المسؤول عن تصريحاته الكارثية المشهورة التي كان قال فيها «لن يكفينا إعدام عشرة آلاف متهم من الأخوان أمام كل شهيد»؟ و«القضاة هم سادة الناس في مصر»، ويجب «سن قانون يعاقب والدي الإرهابي على أنهما لم يحسنا تربيته فصار إرهابيا»(..)؟
وكان الزند حصل على المنصب ضمن تعديل وزاري في مايو / أيار العام الماضي بعدما ترك سلفه محفوظ صابر المنصب وسط موجة غضب ضده لقوله في مقابلة تلفزيونية «إن ابن جامع القمامة لا يصلح أن يكون قاضيا»(..).
هل تتعدى مشكلة الزند مسؤوليته؟ أم تراها السياسة الحكومية تجاه مهنة القضاء نفسها؟ أم كيف يتم اختيار الوزراء أصلا في مصر؟
الواقع إن الإجابات أكثر تعقيدا هنا، وسنحاول التطرق إلى بعضها.
أولا: إن ما حصل في مصر امس الأول يعد مناسبة سياسية نادرة حظيت بدعم مشترك من جماعة الأخوان وكثيرين من أركان النظام وإعلامييه. طبيعي إن الأخوان يشعرون بكثير من الفرح، وقد اضطر النظام نفسه إلى التخلص من اثنين من أعدائهم، وربما اعتبروا أن الزند وقبله توفيق عكاشة (وربما آخرين قادمين) دفعا ثمن الظلم الذي مارساه ضدهم. أما أنصار النظام فقد اعتبروا أن الزند وأمثاله وسياساته أصبحوا في الحقيقة الخطر الأشد على الدولة من جماعة «الأخوان» أو حتى الهجمات الإرهابية. إذ إن الشعب المصري لم يعد مستعدا لقبول الظلم، حتى وهو مازال يرفض سياسة الجماعة.
ثانيا: إن معارضة القضاة ضد بعض الأحداث التي حصلت في جماعة «الأخوان» مثل إغلاق المحاكم الدستورية، لا يعني أن وزير العدل يصبح تلقائيا أعلى من الدولة، حتى وهو يزعم أنه تمكن من إطاحة المؤسسة العسكرية للحكم.
ولعل وزارة النقض، التي هي المحكمة الأعلى في مصر، قررت إصدار أحكام شديدة الأهمية خلال الشهور الماضية بإلغاء قرارات بالإعدام والمؤبد، في محاولة واضحة إلى منع البعض الغاضب من تدمير العدالة بقرارات الزند شخصيا عندما تعهد إعدام آلاف المتهمين لمجرد أنهم ينتمون إلى الأخوان.
ثالثا: كيف سمح للرئيس عبدالفتاح السيسي لمن اختاره وزيرا للعدل أن يدمر كرامة الدولة أمام المصريين والعالم؟ وكيف سيصدق أحد أن مصر تتمتع بقضاء مستقل إن كان وزير العدل سيقرر الإعدام كما يشاء؟ وهل ثمة اعتبارات سياسية يجري الفحص فيها حقا لتعيين السيسي للوزراء؟ أم أن الاعتبارات الأمنية تكفي من دعم الأجهزة الاستخباراتية حتى إذا جاءت النتائج كارثية كما حدث في مرات عديدة؟
رابعا : إن القضية الحقيقية ليست «وزارة العدل» هنا، بل أن الزند لم يكن يعبر عن رأيه وحده وهو يقول إن (القضاة هم سادة المصريين)، تماما كما أن سلفه اضطر للاستقالة بعد أن قال الحق فعلا وهو (لا يستطيع نجل عامل النظافة أن يصبح قاضيا). نعم إنها الحقيقة المعروفة للجميع، «فالواسطة» هي المؤهل الأساسي للحصول على مناسب النيابة ثم القضاء. وهكذا يجدون، أو أغلبهم، أنهم السادة الذين يتفوقون على الشعب وعلى القوانين والأحكام بالبراءة أو الإعدام إنْ أرادوا هذا.
وأخيرا فإن ثمة صراعا سياسيا حقيقيا هنا لا يمكن التقليل من مخاطره. إذ أن إطاحة الزند ليس موضوعا شخصيا بل أنه ظهر كانقلاب حقيقي. إنهم يريدون الانتقام ضد الشعب والأخوان معا من أجل العودة إلى ما قبل ثورة يناير/كانون الثاني في العام 2011. وهؤلاء يعتبرون أن النظام الحالي ليس إلا ثورة مضادة كما يقررون هم وليس غيرهم.
أما هذا الصراع فما زال في انتظار، وقد يدفع السيسي نفسه ثمنا باهظا؟
رأي القدس