بين المصريين

حجم الخط
0

حفلة انتهاء الرحلة حددناها في الساعة السابعة والنصف مساء. حول طاولات طويلة مع مقصف مدلل، على سفينة «مكسيم»، سفينة سياحية ترسو على ضفة النيل الغربية في القاهرة. في الايام الافضل قبل «ثورة التحرير» في العام 2011، أبحرت في النهر 300 سفينة كهذه، التي كانت محجوزة مسبقا ومليئة حتى آخر مكان فيها. فقط 20 سفينة استطاعت البقاء بعد انهيار السياحة في مصر.
أمامنا يطل المبنى الملفت لوزارة الخارجية المصرية، وعلى اليسار فندق «ماريوت»، وعلى هامش الحي الراقي الزمالك، 28 من الإسرائيليين المتعبين بعد ثمانية ايام في الشمس الحارقة، 43 درجة مئوية بدون ظل في المواقع السياحية في الاقصر، الكرنك، أبو سنبل، قبور الملوك، الاهرامات والسد العالي في أسوان. هذا هو سم الحياة للمصريين، وهذا هو الهدف الذي وضعه افيغدور ليبرمان قبل أكثر من عقد عندما هدد بقصف السد. اليوم، كما يعرف ليبرمان، فإن السد محروس أكثر من أي وقت مضى، خصوصا بسبب التهديدات الإرهابية.
بعد اجتياز حواجز الدخول يمكن الوصول حتى المرقب ومشاهدة حوض ناصر، أحد الاحواض الاصطناعية الاكبر في العالم، وعشرات سفن الصيادين التي تسير فوق المياه. مسموح ايضا تصوير النصب التذكاري الكبير حول الصداقة الشجاعة بين روسيا ومصر، والتي تراجعت منذ اسقاط طائرة الركاب الروسية في سماء سيناء قبل سنة، العملية التي أدت إلى قتل 224 مسافر والتي أثارت غضب بوتين الذي لم يغفر منذ ذلك الحين. أوقفت موسكو السياحة إلى مصر وأصدرت تحذيرا خطيرا أوقف تدفق السياح الروس إلى الدولة تقريبا. وهذا مسمار آخر في نعش السياحة المصرية.
لكن عندما يصل السياح رغم ذلك، يتم بذل جهود خاصة من اجل سعادتهم. على المنصة الصغيرة تصعد «منارفا»، وهي راقصة من احدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا. بالنسبة لاغلبية الإسرائيليين هذه هي الزيارة الاولى لهم إلى مصر، يخرجون الكاميرات، هي ترقص حافية مع صدرية شبه عارية وفستان طويل وتتلوى، لكن البطن مغطى بقطعة قماش، حسب ما يطلب الإسلاميون في مصر. وعندما تختفي للحظة تحتل مكانها فتاة شابة نصف ثملة. وينضم أحد الإسرائيليين، ولا تكف الفرقة الموسيقية عن العزف. «من أين أنت؟»، يسألها، «من الكويت» تُجيب. «ومن أين أنت؟»، يختار الشخص لنفسه دولة اوروبية كي لا تعرف أنه إسرائيلي.
هذه هي مجموعة السياح الاولى من إسرائيل التي تصل إلى مصر بعد توقف لعام ونصف. باستثناء اصحاب الوظائف الرسمية، الذين يسافرون إلى اماكن أبعد، يستغلون مطار القاهرة كمحطة انتقال، فإن الإسرائيليين لا يذهبون تقريبا إلى مصر. وعندما يحدث ذلك فإن الأجهزة الأمنية المحلية تكون متأهبة، ووزارة الداخلية المصرية تخرج عن اطوارها كي لا يحدث أي خلل. كان هذا اسبوعا نشرت فيه خمس سفارات في القاهرة ـ الولايات المتحدة والمانيا وفرنسا واستراليا وبريطانيا ـ تحذيرات خطيرة لرعاياها بالابتعاد عن مناطق مثل الملاهي والاسواق والمباني العامة في جميع أرجاء مصر. وكان هذا ايضا اسبوعا نجحت فيه خلية لداعش من سيناء في التسلل إلى أحياء القاهرة وقتل ضابط رفيع المستوى كان مسؤولا عن مطاردة الخلايا الإرهابية في رفح ـ العريش. ولكن شركة السفريات «إيالا» التي طلبت مني الانضمام لهذه الرحلة لم تتنازل ولم يرتدع أحد أو يقوم بالغاء الحجز من الإسرائيليين الذين سجلوا لهذه الرحلة.

اخفاقات إدارية

في الطرف الإسرائيلي من الرحلة كانت هنا وهناك اخفاقات ادارية، لكن الجولة كانت تحت الحماية على مدار الساعة. سيارة واحدة تسير أمام الحافلة تشق الطريق في الازمات المرورية. وسيارة اخرى في الخلف من اجل كبح أي هجوم فجائي أو محاولة اختطاف. دراجتان ناريتان من اليمين ومن اليسار ترافقنا وتطلق صفارة الانذار. في القاهرة هم متنبهون أكثر مما في الاقصر. فلا مجال للتجول بشكل منفرد تقريبا. وعند الخروج من الفندق منع رجال الامن بشدة الإسرائيليين من السير على الاقدام.
«سيطردونني من العمل إذا سقطت شعرة من رؤوسكم»، قال محمود، الذي كان مرشدنا في الاقصر. «لقد حصلنا على أوامر بأن نحرس الإسرائيليين ونوفر الراحة لهم. نحن نريدكم بدون سياسة، كي تعودوا وتزوروا مصر. محظور حدوث فشل، أنا بحاجة إلى عملي لاعالة عائلتي». الكابتن محمود يعمل في الحراسة منذ 14 سنة. وهو يذكر الايام التي أغرق فيها الإسرائيليون أزقة سوق خان الخليلي والاهرامات.
«الإسرائيليون يحدثون ضجة كبيرة لكنه يشترون وينفقون الاموال ويمنحون البقشيش لرجل الأمن»، قال.
اذا كانت هذه الرحلة تهدف إلى تشجيع السياحة الإسرائيلية، فإن المطلوب هو محاولة الاستماع إلى قول حاسم من مصدر حكومي إسرائيلي رفيع. وقد قمنا بارسال طلب لوزير الخارجية ووزير السياحة، وتم نقل الطلب ولم يصل أي رد. «لقد جئتم الينا في ذروة التوتر بين اجهزة الحكم وبين عشرات الملايين من الفقراء في الشوارع»، قال لي هشام قاسم، وهو صحافي محلي قديم، «وزير الخارجية سامح شكري تعرض لانتقاد شديد في اعقاب زياراته لإسرائيل. لن يتطوع أي سياسي لدينا لاحراق نفسه بسبب إسرائيل. تريدون المجيء؟ تفضلوا. ولكن لا تتوقعوا منا أن نعانقكم».
قد لا يكون هناك عناق، لكن على طول الطريق، مئات الكيلومترات، لم نواجه العداء ولو مرة واحدة، حتى عندما قلنا إننا إسرائيليون. فإسرائيل لا تهم ابن الشارع المصري. فهو في السنة الاخيرة منشغل بالوضع الاقتصادي الصعب والوعود الكبيرة التي تحولت إلى غبار. الابتسامات التي تميز أبناء الشعب المصري اختفت وحس الدعابة اختفى ايضا. «قُل لي آخر نكتة»، أقول للاصدقاء والباعة في المحلات والنادل في المطعم، لكن لا توجد نكتة. فقط قلق.
صلاح، صاحب مكتب سفريات مصري قرر مرافقتنا، يقوم باخراج الورقة ويفتح الواتس آب ويقرأ نكتة. «لماذا نضحك؟»، قال. وعندها يحاول اخراج آخر نكتة من الحراس، لكنه يفشل.
في الساعة الرابعة فجرا يقوم 14 إسرائيليا باخراج 75 دولار من اجل الطيران مدة 25 دقيقة في المنطاد في سماء الاقصر.
المنظر الجميل فوق المعبد الذي عمره آلاف السنين والمناطق الخضراء تفصلك عن صورة الوضع الصعبة على الارض. لم يسبق لي أن شاهدت عدد اكبيرا من المتسولين، رغم أنني زرت مصر 500 مرة.
في كل زاوية تواجه من يمدون أيديهم. وعندما تدخل إلى السوق ينقض عليك عشرات الباعة المتجولين. «تعال، اغسل عينيك، الاسعار لدي جيدة». طفلة صغيرة تقرب اصبعها من شفتيها وتستنجد لنعطيها شيئا تأكله. وعندما تدخل يدك إلى جيبك ينضم العشرات اليها. كاريكاتور سام في صحيفة محلية يصف اللقاء بين بائع الخضار والرئيس السيسي.
في الوقت الذي يتحدث فيه البائع عن غلاء المعيشة يسرق الرئيس منه ساعة يده التي هي من ممتلكاته الوحيدة. وقد تم فصل الرسام من عمله وتورط المحرر، وما زالت شعبية السيسي في انخفاض. انخفضت بنسبة 14 في المئة في هذا الشهر فقط.

سائق التوك توك

وسائل الإعلام تركض وراء بطل اليوم، مصطفى عبد العزيز، سائق توك توك في أزقة القاهرة. وقد كان غير معروف إلى ما قبل اسبوعين. عمره 39، متزوج وأب لاثنين. مصطفى اشترى عالمه بثلاث دقائق من خلال حوار أحادي عفوي أمام عدسات قناة «الحياة» صاحبة المشاهدة العالية. فقد قال مصطفى للصحافي عمر الليثي، الذي أُبعد من القناة بعد الفضيحة. «انظر، أنت تبيع مصر وكأننا منطقة في النرويج. وحين تفحص الامر بشكل عميق، تكتشف أننا تحولنا إلى زقاق ملوث في الصومال». سائق التوك توك الذي انخفض دخله منذ الثورة قال لرئيسه السيسي: «أنت تقوم بتبذير الاموال على مشاريع طموحة مثل توسيع قناة السويس واقامة القاهرة الجديدة بـ 45 مليار دولار، بدل الاهتمام بالضائقة. أعطنا صحة وزراعة وتعليم». وعندما سئل من أين حصل على المعلومات التي يتحدث عنها وأين ترعرع، نظر صاحب التوك توك إلى الكاميرا وقال الجملة التي حصل بسببها على 5 ملايين مشاهدة في اليو تيوب: «كبرت في الشارع، أنا أمي، لكني مدمن على نشرات الاخبار في التلفاز. يمكنك تسميتي خريج متفوق في جامعة التوك توك».
صلاح صالح ايضا (48 سنة)، مدير مكتب السفريات الذي يعمل مع شركة «ايالا» لديه قصة. هو خريج القسم العبري في جامعة عين شمس. ويعمل منذ أكثر من عشرين سنة مع مكاتب السياحة الإسرائيلية.
في العام 1993 عندما كان يقوم بإرشاد مجموعة من العرب الإسرائيليين التقى مع فريال العيساوي الجميلة من الرملة، وأصبحت حب حياته. إلا أنهما اخطآ خطأ مصيريا وتزوجا في القاهرة لا في إسرائيل. «لم أتوقع أن تحدث مشاكل، حيث عادت زوجتي للعيش قرب عائلتها في الرملة وأنجبت ثلاثة اولاد، وأنا استمريت في ادارة المكتب وكنت أذهب للزيارة. كل شيء سار بشكل جيد، وأنا عشت فترة طويلة في إسرائيل وتحسنت لغتي العبرية وبدأت بارسال مجموعات إلى مصر. وفي العام 2012، بدون سابق انذار أو تفسير، تم منعي من دخول إسرائيل. ومنذ ذلك الحين لم أحصل على زيارة.
ها هما حقيقتان لا جدل حولهما: هناك اتفاق سلام بين الدولتين. وأنا متزوج من إسرائيلية. ولم أتجاوز القانون المصري أو الإسرائيلي. ولم أفعل شيئا سيئا. عندما ذهبت زوجتي لفحص سبب عدم منحي تأشيرة لزيارة إسرائيل، قالت لها الموظفة في وزارة الداخلية في الرملة أن تتطلق مني. ما حاجتك لزوج مصري؟ قالت الموظفة. فأجابت زوجتي أنها تحبني وأننا سعيدين وأنها تريد البقاء في الرملة مع الاولاد وأن أذهب للزيارة. وحتى الآن لا أفهم ما الذي حدث لديكم. أنا أقوم باحضار مئات الحجاج الاقباط إلى إسرائيل وأهتم بسياحكم هنا. لماذا يمنعونني من الدخول؟ إذا كنت خطيرا، قولوا لي». في هذه الاثناء يعيش الزوجان في القاهرة في حي المقطم. وفي مكالمة هاتفية من بيتها تصمم فريال على الحديث معي باللغة العبرية. «أنا أنام والهوية الإسرائيلية تحت وسادتي، وآخذها معي إلى أي مكان كي لا تضيع أو تُسرق. لأنني أذا أضعت الهوية فلن يتم تجديدها في إسرائيل ولن استطيع العودة إلى الرملة».
منذ اقتحام مبنى السفارة الإسرائيلية في القاهرة قبل خمس سنوات، توقفوا عن منح التأشيرات في القنصلية. وتصريح الدخول يمنح فقط في سفارة إسرائيل في عمان في الاردن. والمواطن المصري الذي يصمم على الوصول إلى تل ابيب يسير في طريق شاق. «سافرت إلى الاردن وقدمت طلب تأشيرة في السفارة الإسرائيلية. وسافرت مرة اخرى لدفع مئات الدولارات حتى أسمع أن وضعي لم يتغير وأنني ما زلت ممنوعة من الدخول». ويقول صلاح. «أنتم تشتكون من عدم وجود سياح مصريين في إسرائيل؟ وهذا هو تلخيص القصة. فمن هو قادر اقتصاديا وسياسيا لن يكلف نفسه عناء الطيران إلى دولة اخرى من اجل الاقتراب من السفارة المحصنة لاصدار تأشيرة دخول».
من سلطة السكان والهجرة في وزارة الداخلية جاء الرد التالي: «طلب السيدة فريال صالح للم الشمل لزوجها المصري قدم في شهر آب/أغسطس 2013. وعندما بدأ الفحص تبين أن صاحبة الطلب لا تدير حياتها في إسرائيل، لذلك لا يمكن البدء بلم الشمل مع الزوج الاجنبي. ونوضح أنه في السنوات الخمسة الاخيرة تواجدت السيدة صلاح سنة واحدة فقط في إسرائيل. والآن هي غير موجودة في إسرائيل منذ سنة. لم الشمل يتم فقط حين يكون مركز حياة الزوج الإسرائيلي في إسرائيل وليس خارجها.
اضافة إلى موضوع مركز الحياة، لا يوجد أي عائق آخر في هذه المرحلة».
صحيح أن هذا الطلب قدم في العام 2013، لكن ذلك جاء بعد أن منح الزوج في العام 2012 من الدخول إلى إسرائيل. وحقيقة أن فريال توجد منذئذ معظم الوقت في مصر، تنبع من سبب بسيط وانساني هو أنها تريد العيش مع زوجها الذي لا يمكنه دخول إسرائيل وتمكينه من التواجد مع أبنائه الثلاثة.
مجموعة متنوعة من الإسرائيليين ذهبت إلى مصر، منهم قاضية في محكمة الشؤون العائلية. وزوجها رجل سياحة وابنتها طالبة في الثانوية. الموسيقي داني غوتفريد وابنة زوجته واثنان آخران، يوسف فالمبو وهو مدرس للتاريخ وموشيه كافويا المحامي في شركة تأمين، حيث سحبوا معهم من تل ابيب جذور العائلة: آباؤهم كبروا وترعرعوا في القاهرة وعاشوا في معسكرات الكالبو المعروفة في الشارع الرئيس.
«سمعت عن الرحلة بالصدفة لأنه لم ينشر عنها في الصحف»، قال غوتفريد، «ونظرا لأنني لم أكن أعرف ماذا سأفعل في عيد العرش أنا وصديقي، قررت أنه حان الوقت للذهاب إلى مصر.
والحقيقة هي أنني ترددت قليلا وتشاورت مع زوجتي آفا. وفكرت بأننا لم نسمع منذ زمن عن اطلاق النار على حافلات السياح. وأردت الاقتناع بأن الاحوال قد هدأت».

يديعوت 28/10/2016

 بين المصريين
الأمر الأبرز في البلاد هو الضائقة الاقتصادية التي أخفت الضحك وحس الدعابة لدى عامة الناس
سمدار بيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية