خلال الفترة من الرابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي ولغاية منتصف كانون الثاني/يناير الجاري، تستمر فعاليات مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية في دورته السادسة عشرة، وهو مهرجان سنوي يعكس حيوية الفنون الإسلامية وعمقها التعبيري كلغة فنية عالمية. المهرجان الذي بدأ عام 1998 تنظمه دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، يعنى بمنجز الفن الإسلامي في بعديه الحضاري والراهن، حيث يعرض كل عام أنماطاً للفنون المعاصرة، تنهل من الفنون الإسلامية الثرية والمتنوعة زمانياً ومكانياً.
تحتضن الشارقة فعاليات المهرجان المختلفة، كالندوات الفكرية، والأفلام التخصصية، والورش العملية. بينما يستضيف متحف الشارقة للفنون تجارب فنية دولية ضمن عروض فردية، تعكس تنوعاً في الأساليب الفنية وفي المضمون والشكل.
دورة المهرجان للسنة الحالية اتخذت من ثيمة «بنيان» عنواناً لها، وهي تستلهم فكرة البناء للتوصل إلى كيان مرئي وملموس، يستفز وعي الإنسان ويحتويه فكراً وجسدا. «بُنيان» فكرةٌ تحاكي المتواري في البناء، لتصل إلى قيمة هذا البناء كإنجاز وصيرورة. والبنيان هو المكان أو الصورة البصرية والذهنية التي تحقق غايات الإبداع والخلق، وهو اختزال تجريدي أو مرئي لمراحل النشاط الفردي للإنسان وروافده من الروحانيات. مهرجان هذا العام يحفز حاسة البصر لدى زواره لمعاينة الإبداع أينما التفتوا، كي يناقشوا ثيمة البنيان، من بوابة الفن المعاصر، واستلهاماً للفنون الإسلامية ومكوناتها بكل أنواعها وأطيافها الفنية.
سألت الإدارة المشرفة على تنظيم المهرجان الفنانين المشاركين سؤالاً بسيطاً: «ما هو البنيان الأكثر تأثيراً عليك إنسانياً أو فنياً؟» والإجابات جاءت على شكل أعمال فنية مختلفة لكنها تشترك بثيمة «بنيان» والإبحار من خلال هذه الثيمة إلى كل بناء وابتكار يؤثر في الحس وما يُلتقط من أفكار، وإلحاح الخيال وما يستنتجه الملتقي من حوار وتفاعل، في حضرة الإدراك والعقل. كيف يرى الفنان المعاصر الذي رسخ ذاته الفنية باسلوبه المتفرد وأدواته الخاصة، خصوصية الإبداع في الفنون الإسلامية ومن ضمنها العمارة والخط واللون والصورة والزخرفة؟
مهرجان الفنون الإسلامية في دورته الحالية يضع هذا المفهوم «بُنيان» عنوانا لبحث بصري يقدم صياغة جديدة لرؤى الفنانين ووفق ما ينسجم مع أساليبهم الشخصية، عبر كل أشكال التعبير البصري المعاصر من تأثيث الفراغ «التركيب» والنحت أو الاشتغال وفق بعدين كالسطح التصويري «اللوحة» أو الفن الرقمي أو البيئي ضمن الاتجاهات المعاصرة والحديثة من مفاهيمية وتفاعلية وغيرها.
ثمة منجز إبداعي في الأعمال المشاركة، يستحق النظرة المتفحصة والإشادة، والمحفز على إبداعه هو البُنيان الشاخص في أماكن لا حصر لها، معمارا كان أم نوعا فنيا آخر، والذي أثّرت فيه الحضارة الإسلامية بكل ما في فنونها من أفكار جمالية.
السؤال الذي حفز الفنانين للإجابة عليه فنياً هو: كيف ينظر الفنان لهذه البنى المعمارية، ويحللها، ويكتشف عناصرها؟ هل يقاربها؟ هل يعيد صياغة مكوناتها من جديد كأعمال فنية برؤى مغايرة؟ أم يرى في بنيانها سبيلا لمنظومة بصرية جديدة ومعاصرة تستلهم الموروث الإسلامي؟
يضم المهرجان 364 فعالية بين معارض ومحاضرات وورش، وبلغ عدد المعارض 42 معرضا، معظمها في متحف الشارقة للفنون، وهي لفنانين من 21 دولة عربية وأجنبية. وشارك في المهرجان 64 فنانا، والأعمال الفنية التي ما تزال تعرض للجمهور 232 عملا، وشملت فعاليات المهرجان لقاءات حوارية بين الجمهور والفنانين يتحدث خلالها الفنانون عن تجاربهم المختلفة ومصادرهم ومحفزاتهم الإبداعية.
من أبرز التجارب الفنية في دورة هذا العام خروج الأعمال الفنية من جدران المتاحف والمعارض إلى الهواء الطلق وملاعب الأطفال ومراكز التسوق، وهذا منجز كبير يحسب لإدارة المهرجان، لتسويق الفن كلغة حياة مألوفة، وكحدث يومي نراه أينما نلتفت. من أبرز الأعمال الفنية التي عرضت في مسرح المجاز هو عمل للفنان البريطاني جوش هايوود بعنوان «المعبد المفقود»، هذا العمل المركب هو سقف هائل للظل ونافذة فنية، في آن واحد، من الألواح الخشبية الضخمة تستلهم التصميم الإسلامي التقليدي والمعاصر معا. هذا التركيب المدهش يوائم بين الجمال والروحانية ويجمع بين التراكيب الهندسية الإسلامية والنقش الشبكي المعقد، كما إنه يوفر ظلا ومأوى في الوقت نفسه. الأضلاع المقببة المرتفعة توجه النظر نحو السماء وتغرق الإنسان في نوع من الخشوع الذاتي حينما تمر حزم أشعة الشمس عبر هذه التراكيب الهندسية وترسم ظلالها على الأرض.
العمل الفني الآخر الذي جعل الناس تمر من خلاله وتتساءل حيث يتسابق أفراد العائلة الواحدة فيما بينهم لمعرفة لغزه (وقد شهدت بنفسي ذلك) هو «القناطر اللولبية» للثنائي ستانلي سيو وادن شان، وهما فنانان معماريان من هونغ كونغ، العمل يعرض في واجهة الماجز المائية، وهو عبارة عن رحلة عبر الأقواس والقناطر، وتستلهم مغزاها من الأقواس وقيمتها التاريخية وتطورها في فن العمارة الإسلامية. العمل يتألف من 100 قوس حديدي مصفوفة على شكل ممر طويل يوصل إلى فناء داخلي توجد فيه نافورة تحاكي النوافير الداخلية في العمارة الإسلامية، مسار الدخول والخروج عبر هذه الأقواس يتجه نحو مكة المكرمة.
وصمم شعار الدورة الحالية الفنان العراقي وسام شوكت الذي ساهم أيضا بمعرض انفرادي في متحف الشارقة للفنون، استلهم فيه الخط العربي وتحديداً خط الثلث بتجريد هندسي أخاذ، يفضي إلى إبداع أشكال خطية مجردة ورصينة التكوين، تنجح في تحرير الحرف من صرامة هيكله نحو لوحات هندسية وبنائية مغايرة.
كما احتضنت جدران متحف الشارقة معرضاً خزفياً جميلا للفنان المصري محمد مندور الذي حملت خزفياته بصمة تدفعنا لتقصي إسقاطات ذات علاقة بعمارة الفكرة وبعديها الأفقي والغائر في العمق.
وشهدت بيوت الخط العربي في الشارقة معارض ولوحات حروفية عصرية ومغايرة، مثل لوحات الخطاط العراقي حميد سعدي حيث يعطي الحروف في لوحاته فسحة للرقص والالتواء على خلفية من السواد الحالك ليؤكد طاقات الحروف على الخلق، فالحروف في لوحاته لها ملامح صلبة حادة تارة، أو هي رقيقة وعذبة. يستلهم حميد السعدي أفكاره الحروفية التجريدية من الجسد الأنثوي ومن العمارة على حد سواء. وشارك الفنان البوسني منيب أوبرادوفيتش بلوحات محملة بجماليات حروفية لخط الثلث الذي يعتبر أصعب أنواع الخطوط العربية. كما شهدت بيوت الخط العربي ندوات وورش فنية لتعليم فن المنمنمات والزخارف والتذهيب.
المقرنصات الإسلامية التقليدية كان لها تواجد متكرر بصيغ وثيمات متعددة وفي أكثر من عمل تركيبي، منها عمل الفنان البريطاني ماثيو سيموندز «الفن والطبيعة» حيث يعيد نحت المقرنصات والنقوش والشبابيك الإسلامية في كتل حجرية من الرخام. بينما يعيد الفنان المصري محمود عبد ربه تعريف المقرنصات والحروف وإفساح المجال لإحتمالات جديدة من الأشكال والوظائف في عمله المسمى «أنا المقرنص واليكم قصتي». الفنانة الإماراتية ميثاء المهيري فككت تكوين المقرنصات أثناء عملية تكوينها، بالألواح الزجاجية، لتستفيد من ميزة انعكاس الضوء وانكساره عبر هذه الألواح.
وخلق الفنان السعودي احمد عنقاوي تشكيلات غاية في الروعة والإتقان من وحدة هندسية بسيطة من خشب الجوز يعيد تكرارها ويربطها بعضها ببعض ليشبه تكوينها «زهرة الحياة» وهي رمز روحاني شائع في ثقافات مختلفة.
مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية لهذا العام يعيد صياغة فكرة «البنيان» بأعمال فنية معبرة تلامس وجدان الإنسان ووعيه، الإنسان الذي يمثل البنيان الحقيقي الخالد على هذه الأرض.
فيء ناصر