تركيا أردوغان

حجم الخط
0

«لا تعرضوا عالمكم للخطر ولا تضروا بأماكنكم في العالم الآخر إذ تصوتون ضد الاصلاحيات الدستورية»، هكذا حذر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في مهرجان جماهيري اجري الاسبوع الماضي في مدينة بورصة غربي الدولة. فالتأييد للاصلاحات يوازي في نظره الفريضة التي تجزي ببطاقة دخول إلى الجنة، ولديه ما يستند اليه. إذ حين يسمي الفقهاء معارضي الاصلاحات «كفار» وعندما يتصل الدعاة بالمواطنين الاتراك الذين يسكنون في المانيا ويحذرون مما ينتظرهم في العالم الآخر إذا صوتوا «ضد»، واضح ان الاستفتاء الشعبي الذي سيجرى بعد غد يشبه حرب جوج وماجوج، ابناء النور ضد ابناء الظلام، الوطنيون ضد الخونة.
ان حرب الله ورسوله اردوغان ضد كارهي تركيا توشك على حسم تاريخي. وحسب اردوغان ومؤيديه، فإن الصراع على توسيع صلاحيات الرئيس ليس مجرد بحث داخلي آخر يعنى بالمكانة والقوة، بل بحث يتعلق بمستقبل تركيا وعموم مواطنيها. «بضع دول بارزة تحاول الاثقال علينا من خلال دعمها لمنظمات الإرهاب»، احتج اردوغان في مهرجان في مدينة تشوروم شمال انطاليا. «هذه الدول تخوض علنا حملة ضد نجاح الاستفتاء»، واصل الرئيس واضاف تحذيرا: «نحن سنلقن درسا شديدا لكل اولئك الذين يلوحون لنا باصابعهم». فمن هي تلك الدول؟ على رأسها تقف المانيا وهولندا، اللتان شبه اردوغان سلوكهما بسلوك النازيين، بعد ان منعتا ظهور الوزراء من أنقرة امام المواطنين الاتراك الذين يسكنون فيهما. كما توجد أيضا دول اسكندنافية خافت، رسميا على الاقل، من الاضطرابات بين المؤيدين والمعارضين.
ان معارضة الدول الاوروبية للنشاط السياسي التركي تستند إلى عداء عميق، كما يبدو. فهذه العلاقات العكرة تطورت في السنوات الاخيرة، فيما طور اردوغان هجماته على الخصوم السياسيين، الصحافيين، القضاة والمدعين العامين، حبس المعلمين والموظفين، وقدم إلى المحاكمة زعماء الحزب الكردي ومس بكل ما تعتقد اوروبا بأنها تمثله. هذه الضغينة لم تبدأ بعد محاولة الانقلاب العسكري ضد النظام في تموز/يوليو 2016، والذي انتج احدى حملات التطهير الاوسع في تاريخ تركيا الحديث، بل منذ 2013، في المظاهرات الجماهيرية في حديقة غازي، التي سعى اردوغان لجعلها مركزا تجاريا. والحقيقة هي أنه ما كانت لتقع أي مصيبة لو سمحت الدول الاوروبية لمندوبي اردوغان بالظهور امام الجماهير التركية، إذ أن يائير لبيد ايضا يتلقى منصة عامة في اوروبا، حيث يطلق شعاراته. وبالتالي يمكن التقدير بأنه لو كان الامر يتعلق برئيس تركي آخر وليس باصلاحات تستهدف منحه وفرة من الصلاحيات، لكانت الدول الاوروبية قد تثاءبت في اقصى الاحوال.

لا مكان للمعارضين

ظاهرا لا حاجة لاردوغان لان يوسع صلاحياته ـ فهو احد الزعماء الاقوى الذين شهدتهم تركيا. وحزبه، حزب العدالة والتنمية، يسيطر في الدولة منذ العام 2002 ولا يترك مجال عيش لاي حزب آخر. هكذا، مثلا، يمكن لاردوغان ان يقر كل قانون يريده تقريبا، وهو يشن حربا في سوريا ويبعث بالقوات إلى العراق دون ان يراعي احزاب المعارضة المتناقصة، والسياسة الخارجية التركية تتقرر في القصر الرئاسي وليس هناك من يشكك فيها. واذا لم يكن هذا بكاف، فإن رئيس الوزراء بن عليه يلدريم يعمل كمدير عام للرئيس، والجيش اصبح في عهد اردوغان جسما طائعا مرضوضا بالضربات القضائية والجماهيرة التي مست بمكانته، والإعلام مطارد، والاقتصاد، رغم الازمات الموسمية، لا يستسلم.
كما أن التقدير بأن اردوغان يحتاج إلى صلاحيات واسعة كي يغير طابع الدولة، مثلا، وجعلها دولة شريعة، ليس دقيقا بالضرورة. فـ 18 بندا من الاصلاحات الدستورية لا تتحدث عن الغاء مبدأ العلمانية الذي قرره مصطفى كما أتاتورك. فاردوغان يسوق الدين بشكل شخصي ومباشر وليس عبر التشريع ـ فهو يقترح على النساء ان يلدن اطفالا اكثر، وبـ «توصيته» كفت شركة الطيران التركية عن توزيع الكحول في رحلاتها الداخلية، وزوجته، أمينة، تظهر على الملأ بالحجاب، وقد أثار في جهاز التعليم اصلاحا كي يتمتع طلاب المدارس الدينية بمكانة مساوية لمكانة خريجي المدارس العلمية عند تسجيلهم في الجامعات.
اردوغان هو رجل مؤمن كان نشطا في احزاب دينية قبل أن يقيم حزبه، ولكنه ليس متزمتا دينيا. والاصلاحات التي يريد أن يحدثها في الدستور يحتاجها اساسا كي يثبت أن بوسعه ان يحقق ما يريد. وتتوقع له استطلاعات الرأي العام في تركيا انتصارا طفيفا بنحو 52 في المئة من الاصوات، ولكن مقربيه اعلنوا منذ الان انهم إذا خسروا في الاستفتاء فإنه كفيل بأن يعلن عن حملة انتخابات جديدة للبرلمان، كي يحاول للمرة الثالثة في اقل من سنة أن يحقق الاغلبية التي يحتاجها كي يقر تعديلات الدستور دون استفتاء شعبي. اردوغان لا يعتزم التوقف، ومثلما حقق في 2007 التعديل للدستور الذي قرر لاول مرة انتخاب رئيس الدولة مباشرة، هكذا يعتزم تغيير نظام الحكم التركي من جمهورية برلمانية إلى جمهورية رئاسية.

مثلما في الولايات المتحدة ولكن لا

الفكرة السائدة هي أن اردوغان يسعى لان يكون سلطانا ـ حاكما واحدا كلي القدرة ـ ولكن الادق هو تشبيهه بمؤسس الجمهورية أتاتورك، الذي كان رئيسا عظيم الصلاحيات سيطر من خلال حزب واحد لسنوات طويلة. زعيمان بنيا ديمقراطية سلطوية لا تحتمل الخصوم السياسيين، كلاهما يمقتان الحكم المبني على الائتلاف، وكلاهما اعادا من جديد تعريف الهوية القومية التركية. أتاتورك «شطب» الاقليات العرقية والقومية ومنح الجيش الصلاحيات العليا.
اردوغان يقاتل ضد الاكراد ويجتهد لالغاء وجودهم السياسي، ويرى في معظمهم عنصرا معاديا يمس بالقومية التركية. منذ الستينيات والسبعينيات دفعت احزام مختلفة كالحزب القومي «حزب الانقاذ الوطني»، إلى توحيد منصبي رئيس الوزراء والرئيس. ولكن الانشقاقات السياسية أدت إلى عدم نجاح البرلمان التركي على مدى 150 جلسة في انتخاب رئيس ـ الامر الذي ساهم في الانقلاب العسكري في العام 1980. ومع ذلك، فالعسكريون الذين قادوا الانقلاب عارضوا توحيد المنصبين وفي دستور العام 1982 تقرر أن الرئيس هو «شريك ايديولوجي للمؤسسة»، أي عليه ان يدعم الجيش والا يمارس الصلاحيات.
في العام 2005، بعد ثلاث سنوات من النصر الجارف في الانتخابات، طرح حزب العدالة والتنمية فكرة الرئاسة التنفيذية وسعى إلى انتخاب الرئيس مباشرة، ولكن مطلبه رفض من المحكمة الدستورية.
وتعتمد الأمنية برئيس قوي اساسا إلى الفشل الطويل لحكومات الائتلاف في قيادة الدولة، فيما أن احدى المشاكل المركزية هي الشرعية المزدوجة، لرئيس الوزراء والرئيس. ظاهرا، يوجد خلف هذه المواقف فكر براغماتي يعتمد على الايديولوجيا، ولكن عمليا في كل واحدة من المرات التي طرحت فيها طريقة الحكم على البحث، كان واضحا ان سبب ذلك شخصي ويتعلق بتطلعات الزعماء لتركيز الصلاحيات في فترة ولايتهم.
الان ايضا، لا يتعلق الاستفتاء الشعبي فقط بطبيعة من يقف على رأس تركيا. فالصلاحيات التي سيحصل عليها اردوغان ستجعله رب البيت في البرلمان ايضا. وهو يمكنه ان يصبح عضو حزب، هكذا بحيث يكون رئيس دولة لحزب وليس للجمهور كله، وبقدر كبير سيكون محصنا من المحاكمة بسبب الاجراءات المعقدة وشبه المتعذرة لالغاء حصانة الرئيس القائم. كما يمكنه أن يحل البرلمان ويفرض الفيتو على القوانين (وهذه صلاحيات معطاة له الان ايضا)، والتحكم بالجهاز القضائي من خلال مجلس قضاة ومدعين معظم اعضائه يقرهم او يرفضهم. ويمكنه أساسا ان يؤثر بشكل جوهري على مدة فترة ولايته كرئيس. إذا انتصر في الاستفتاء الشعبي، سيكون اردوغان نوعا من الرئيس الأمريكي، ولكن دون قيود التوازنات والكوابح المتبعة في الولايات المتحدة.
ان معارضي اردوغان في تركيا وفي الدول الغربية خائفون، وعلى ما يبدو عن حق على مكانة حقوق الانسان والمواطن في تركيا المستقبلية. ولكن المس بهذه الحقوق لم ينتظر إلى أن يتمتع اردوغان بالصلاحيات العليا، كما يمكن أن يشهد عشرات الصحافيين المعتقلين والاف الموظفين والجنود الخاضعين للتحقيق أو اولئك الذين سبق ان حوكموا. ومن جهة اخرى، فإن مؤيديه يشيرون إلى الانجازات الاقتصادية والى الاستقرار السلطوي الذي حققه.
ترى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اردوغان شريكا، بخلاف سلفه باراك اوباما، وسيتعين على الدول الاوروبية أن تبتلع الضفدع حتى لو واصلت معارضة انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي، إذ أن تركيا هي شريك تجاري حيوي واتفاق اللاجئين حيوي للدول الاوروبية بقدر لا يقل وربما اكثر مما لتركيا. كقاعدة، الدول الاوروبية، وليس هي فقط، لا تتأثر جدا بالزعماء الذين يتصرفون بانسانية ـ ففي عشرات السنين الاخيرة فضل الغرب زعماء طغاة يمكن ان يسرق الجياد معهم.

هآرتس 14/4/2017

 تركيا أردوغان
تتنبأ الاستطلاعات بانتصار أردوغان في الاستفتاء الشعبي حيث سيتم التحكم بالبرلمان وبالجهاز القضائي
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية