لندن – «القدس العربي»: هناك قدر من التفاؤل يسود العلاقات السعودية- التركية والذي نبع من الزيارة المهمة التي قام بها الرئيس التركي طيب رجب أردوغان للرياض في 2 آذار/مارس الحالي واجتمع فيها مع الملك سلمان بن عبد العزيز. ولم يرشح عن ما جرى في اللقاء إلا القليل وقد تركت السعودية للصحافيين تفسير والتبشير لما يمكن أن ينظر إليه توجه جديد في السياسة الخارجية السعودية، والعودة للدور التقليدي الذي مارسته السعودية باعتبار ما تنظره لنفسها كقوة لاعبة في الإقتصاد الدولي (أكبر منتج للنفط في العالم) وكحامية للحرمين/أي حامية للمسلمين وممثلة للإسلام السني. فرغم تمسك القيادة السعودية بما أقامه الملك عبدالله الذي توفي في 23 كانون الثاني/يناير من علاقات على الصعيد المحلي والخارجي، إلا أن سلمان أجرى تغييرا في «الطاقم القديم» والذي سبب توترا في علاقات السعودية مع جوارها ودول مهمة في الساحة الإقليمية والإسلامية مثل تركيا. ففي عهد الملك عبدالله خرجت الخلافات السعودية – الأمريكية للعلن حول عدد من الملفات وأهمها إيران وسوريا. كما وانجرت السياسة السعودية حسب رأي البعض للحرب ضد الإسلام السياسي متأثرة بالإمارات العربية التي أخذت على عاتقها محاربة ودعم كل الجهود لـ «سحق» الإسلاميين.
تحديات
لكن هذا التحليل لا يأخذ بعين الإعتبار التحديات الكبيرة التي يواجهها الملك الجديد، فقد وصل للحكم في وقت تعيش فيه المملكة تهديدات من كل جانب، في العراق وسوريا ولبنان واليمن وهي الدول التي باتت عواصمها واقعة ضمن الهيمنة الإيرانية ويضاف إلى هذا التحدي لشرعيتها النابع من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا والذي لم يخف طموحاته في منازلة الدولة السعودية ودعا أتباعه والمتعاطفين معه لتنفيذ هجمات في السعودية. ومن هنا تحتاج الرياض لأصدقاء كثر وأعداء أقل. ولهذا يجري اليوم تسويق فكرة «ضبط» العلاقات الخارجية ودفن الخلافات والتغاضي عن التهديدات الأقل للتصدي للأخطر وهما في نظر السعودية إيران وتنظيم الدولة الإسلامية. وما يجمع أنقرة أكثر مما يفرقهما إذا أخرجنا مصر/الإخوان من معادلة الخلاف، فالمصالح التركية – السعودية تتلاقى في سوريا وإلى حد ما في العراق.
تحالف سني
وضمن هذا الواقع يجري اليوم الحديث عن فكرة تحالف سني يجمع المحاور السنية الكبرى (أنقرة- الرياض- القاهرة) حول القضايا الكبرى. واللافت في الإنتباه أن أردوغان زار الرياض في الوقت الذي كان فيه رئيس مصر عبدالفتاح السيسي فيها. وهو ما قاد لاعتقاد بوجود مصالحة بين الزعيمين برعاية سعودية. ولم تحدث، فقد سبق السيسي اللقاء بتحذير السعوديين من خطر انهيار مصر على المنطقة، فيما أكد أردوغان للصحافيين أن بلاده متفقة مع السعودية في كل شيء إلا مصر. ولهذا تظل الأخيرة ملفا مؤجلا، وكما أشار تحليل في مجلة «فورين أفيرز» فهناك صعوبة في حل الخلافات التركية- المصرية نظرا للموقف المتشدد لأردوغان من السيسي الذي يراه غاصبا للسلطة وقامعا للمتظاهرين. فيما حاول الرئيس المصري اللعب بالورقة الإقليمية والتأثير على وضع تركيا في شرق المتوسط من خلال التحالف مع منافسي تركيا وأعدائها، اليونانيين والقبارصة. لا يمكن بعد كل هذا استبعاد الدعم السعودي لمصر من فكرة «ضبط إيقاع» السياسة. ويمكن رصد هذا في سلسلة من المقالات والإفتتاحيات في الصحافة السعودية التي انتقدت القيادة المصرية وذكرتها أن مساعدة السعودية لها حدود ويجب أن لا تتوقع دائما «هبة أو شيكا على بياض» وفي السعودية لا تصدر هذه المقالات بدون إيماءة رسمية. كما وكتبت صحيفة «عكاظ» في افتتاحية لها عن العلاقات مع مصر التي دخلت «منعطفا جديدا» وما إلى ذلك. وأعطت تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أملا في تخفيف السعودية موقفها من الإخوان عندما نقلت صحيفة «الجزيرة» السعودية عنه قوله «ليست لدينا مشكلة مع الإخوان، مشكلتنا مع فئة قليلة تعطي البيعة للمرشد». ولعل التغير في النبرة هو ما دفع الرئيس المصري في 22 شباط/ فبراير لإلقاء خطاب يؤكد فيه على عمق احترام مصر للعلاقات المصرية مع دول الخليج وأن مصر ممتنة للدعم الذي تقدمه هذه الدول لها. وفسر الخطاب على أنه محاولة من الرئيس المصري لتقليل الأضرار التي سببتها التسجيلات الصوتية ونسب للسيسي فيها وهو يصف ثراء دول الخليج «بالأرز». وعموما لا يمكن للمتابع لما يكتب في الصحافة السعودية إلا وملاحظة تغير في المزاج وطريقة التعامل مع مصر، وقد انعكس هذا في رد فعل الإعلام المصري المطبل للسيسي.
لا تغيير
لا يعني كل هذا تغيير السعودية سياستها تجاه الإخوان، فبعد كل هذا مضت الرياض وراء القاهرة وأبو ظبي في توصيف الجماعة بالإرهابية وأسهم الملك عبدالله بدعم الإطاحة بنظام محمد مرسي ودعم الإنقلابيين. فقد نقلت وكالة «رويترز» عن دبلوماسيين قولهم إن شكوك السعودية العميق بالإخوان المسلمين لم تتغير، ولكن الموقف الذي يتبناه سلمان أكثر دقة من تفكير سلفه الملك عبدالله ويقوم على التساهل مع الحلفاء. فلا تغير حدث على نظرة السعودية تجاه الإخوان، فهي تظل جماعة منافسة أيديولوجيا لشرعية العائلة الحاكمة ونموذج السلفية فيها. ومن الواضح أن الملك سلمان ليس قلقا من تنوعات إخوانية في اليمن وسوريا فهو بحاجة إليها لمواجهة الحوثيين ونظام الأسد، ومستعد على ما يبدو لمنح الإخوان دورا في الحياة الدينية والإجتماعية. وبدا تساهل الحكم الجديد بدعوته أحد أعضاء الإخوان البارزين للمشاركة في مؤتمر مكة لمكافحة الإرهاب وحضره المفتي العام للمملكة وشيخ الأزهر، ونظمته «رابطة العالم الإسلامي» والتي أنشئت في ستينيات القرن الماضي من أجل مواجهة الحركات القومية والشيوعية ولعب الإخوان دورا بارزا فيها. واللافت في الأمر أن الإخوان لعبوا دورا في الحرب الباردة السعودية – المصرية بين الملك فيصل والرئيس عبد الناصر إلا أنهم اليوم في قلب حرب باردة بين تركيا ومصر. ولا شك أن أي تفاهم تركي- سعودي حول مصر له ثمنه الذي يجب أن يرضي الأتراك وبالضرورة القطريين حلفاء الإخوان. ومن هنا لم يكن الرئيس التركي أردوغان تصالحيا بالدرجة الكافية مع مصر عندما نقلت عنه صحيفة «حريت» حديثه عن تحسن في العلاقات مع السعودية وقال «زادت آمالي بوصول علاقتنا الثنائية إلى مستوى أفضل». وفي الحقيقة لم تتوتر العلاقات التركية – السعودية بالقدر نفسه الذي وصلت فيه العلاقات مع مصر بعد أنقلاب 3 تموز/يوليو 2013.
مسار علاقات
فمنذ خروج تركيا من عزلتها عن الشرق التي فرضها عليها مصطفى كمال أتاتورك بعد إلغائه الخلافة 1924 ارتبطت صورة تركيا العائدة في ذهن العربي بالمعجزة الإقتصادية التي حققتها تركيا منذ أكثر من عقدين، فقد باتت المنتجات التجارية التركية هي مفتاح لاكتشاف العربي تركيا مرة أخرى ومن ثم جاء غزو الدراما التركية المدبلجة خاصة مسلسل «نور» الذي شاهده أكثر من 85 مليون عربي، وأصبح السياح العرب يتوافدون على تركيا للتعرف على منجزات هذا البلد تماما كما فعلوا من قبل مع ماليزيا التي كانت واحدة من نمور آسيا، وها هم اليوم يبحثون عن «نمور الأناضول» الذين يقفون وراء المعجزة التركية. ولا بد من الإشارة أن سياسة فتح جسور العلاقات مع العالم العربي، خاصة السعودية، جاءت في عهد الرئيس تورغوت أوزال وتزايدت في عهد حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى الحكم عام 2002 وتبنى استراتيجية «صفر مشاكل» التي صممها رئيس الوزراء الحالي أحمد داوود أوغلو وأعادت من خلالها تركيا علاقتها مع عالم الدول التركية في وسط آسيا والشرق العربي وشمال أفريقيا.
وتوثقت العلاقات التجارية مع السعودية التي اعتمدت عليها أنقرة في مجال الطاقة، وهو ما أدى لوصول الشركات التركية. وتفيد أرقام حكومية تركية أن حجم المشاريع التي حصلت عليها الشركات التركية في النصف الأول من عام 2012 وصل 12.1 مليار دولار. وتشير أرقام مجلس التصدير التركي أن حجم الصادرات التركية إلى السعودية قد زاد ليصل 3.7 مليار دولار عام 2012. وتعاون البلدان في المجال العسكري حيث شاركت السعودية في مناورات «نسر الأناضول» في عام 2011. وفي هذا السياق نظر لوصول البارجة الحربية التركية «بيوك آدا» ميناء جدة في 31 كانون الثاني/يناير والضجة الإعلامية حولها كإشارة لعودة العلاقات بين البلدين. ويمكن الحديث عن تعاون تجاري مماثل مع مصر حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين (2002-2013) من 301 مليون دولار إلى 5 مليارات دولار.
حاجة مشتركة
ويمكن القول أن البلدين بحاجة لبعضهما البعض، فتركيا بحاجة للإستثمارات السعودية والأخيرة بحاجة لأنقرة في سوريا. ولهذا فجوانب التقارب بينها أكثر منها في مصر وأهداف السياسة السعودية والتركية في المنطقة متشابهة. ويحلو للبعض استعادة التاريخ عندما تنشأ أزمات سياسية بين الدول، وفي الحالة السعودية يتذكر آل سعود الدور الذي لعبته قوات إبراهيم باشا في تدمير الدولة السعودية عام 1818 عندما قام نجل حاكم مصر باعتقال قادة الدولة السعودية وسلمهم للجلاد في اسطنبول إلا انه يظل تاريخا وتبقى مصالح الدول والشعوب أهم من الماضي. وما جرى من توتر هو نتاج الربيع العربي الذي أعاد ترتيب النظام العربي بالطريقة نفسها التي أعادت فيها الحرب العالمية الأولى تقسيم ميراث الدولة العثمانية. ووجدت تركيا حزب العدالة والتنمية نفسها تقف مع الثورات العربية وجماعات الإسلام السياسي التي خرجت منتصرة في كل الإنتخابات بمرحلة ما بعد الثورات العربية. واختارت السعودية وعدد من الدول الأخرى الوقوف ضد هذه التغيرات وأسهمت في هندسة ثورة مضادة حماية لنفسها من تداعيات الربيع العربي. وفي هذا السياق يعن للبعض الحديث عن صراع بين تركيا حول التمثيل السني والسيطرة على التفسير الديني. ورغم إنجاز الحركة الإسلامية التي خرج منها حزب العدالة والتنمية وقبوله بلعبة الديمقراطية بما فيها من ربح وخسارة وتبن للسوق الحرة وتعددية سياسية وتقديم التجربة عبر رؤية إسلامية إلا أن أردوغان لقي انتقادا من بعض الدوائر الإسلامية المحافظة عندما جاء مبشرا برؤيته في القاهرة. وحتى في السعودية فهناك موقف سلبي من الأردوغانية. ومن هنا فزعامة السنة في المنظور الأردوغاني تنبع من التماهي مع مشاكل الأمة الإسلامية وحماية المسلمين ضد الطغيان، ولعل هذا هو ما يدفع الموقف التركي من غزة ورفض الإستبداد السياسي. فيما ترى السعودية في مشروع الإسلام السياسي تهديدا على شرعيتها وما تراه حقا في قيادة العالم الإسلامي. وهذا ما يفسر شعبية أردوغان في العالم العربي حيث تفوق على شعبية الملك السعودي حسب استطلاع بيو.
وبعيدا عن معنى الجاذبية في المشروع التركي وحداثته ومحاولته تنزيل الإسلام على الواقع، يظل التقارب بين البلدين تحكمه في النهاية رغبة الرياض بمواجهة محاور الإضطراب في العالم العربي الممتدة من بغداد عبر دمشق إلى صنعاء وفي كل هذا تحتاج الرياض مساعدة من أنقرة. ولكن مساعدة تركيا للسعودية قد تجرها لمواجهة إيران التي توقفت الحروب معها منذ عام 1616 والتورط في مسألة صراع طائفي يتناقض مع سياسة حسن الجوار التي تبنتها تركيا منذ أكثر من عقد. ولا بد من القول أن نهاية النظام الإستبدادي في المنطقة وانتصار الثورة المضادة قد خلط كل الأوراق التركية. فعلاقة أنقرة مع الغرب ليست في أحسن حالاتها، وأصدقاءها في واشنطن قلة بسبب موقفها من الحرب على تنظيم الدولة وربطها المشاركة باستهداف نظام بشار. لكل هذا قد يمنح دفء العلاقة طريقا لمواجهة الملفات الشائكة بالنسبة للسعودية وخروجا من العزلة بالنسبة لأردوغان.
إبراهيم درويش