تقسيم ليبيا أم الأكاذيب الأمريكية؟

أمران اثنان لا يغفل معظم السياسيين الغربيين عن التذكير بهما، كلما ظهروا في المؤتمرات الصحافية وبرامج التلفزيون للحديث عن موقفهم مما يجري في ليبيا، وهما حرص حكوماتهم على احترام وحدتها وسيادتها على كامل أراضيها، واعترافهم بحق شعبها في اختيار من يراه جديرا بحكمه.
يفعلون ذلك رغم انهم يعرفون اكثر من غيرهم أن تصرفات دولهم وتحركاتها على الارض تسير دوما في الاتجاه المعاكس، لكن ولاسباب يطول شرحها لا يبدو انهم مستعدون للتخلص بسهولة من تلك العبارات الدبلوماسية الثابتة في عصر مضطرب ومتقلب. انهم لا يفضلون العلاج بالصدمات ولا يبدون ارتياحا كبيرا للكلام المباشر، وربما ينتابهم بعض الحرج في ظهور شخص كالرئيس الامريكي ترامب يقول بأعلى صوته في حملته الانتخابية «إنه لا بديل عن قصف ليبيا للقضاء على تنظيم داعش» وإنه «كان يجب أن نشترط على الثوار أن نأخذ نصف النفط الليبي مقابل مساعدتهم في حربهم ضد نظام القذافي».
هم يفضلون الحديث عن الشرعية والمشروعية والديمقراطية، ولا يرغبون في صب الزيت على النار بمثل تلك التصريحات المستفزة، ولكن ما العمل وقد فاز الميليادير الامريكي وبدأ منذ شهوره الاولى في الحكم بالتكشير عن أنيابه وتوجيه ضربة جوية محدودة، لكن غير مسبوقة للنظام في سوريا، ثم القيام بعمل استعراضي مبهر في افغانستان برميها بأم القنابل الامريكية، وكيل الوعد والوعيد لكوريا الشمالية؟ ألا يعني ذلك في وقت ما أن لغة التهدئة الدبلوماسية اقتربت من النفاد، وأن ساعة الحقيقة دنت واقتربت ايضا في ليبيا؟ قد لا يكون من باب الصدفة أن تنشر صحيفة «الغارديان» في العاشر من الشهر الجاري تقريرا حول لقاء جمع سيباستيان غوركا مساعد الرئيس الامريكي، بمسؤول اوروبي قبل اسابيع من تنصيب ترامب، عرض خلاله الاول خريطة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول، ليكتفي الثاني الذي لم تذكره بالاسم بالقول إن «التقسيم هو أسوأ حل يمكن تصوره في ليبيا». إن توقيت ذلك التسريب يشير إلى أن الادارة الامريكية الجديدة لن تكتفي بمزيد من الانتظار، وهي ترى التفاحة الليبية قيد النضج. ويدل ايضا على انها تعرف جيدا كيف تلعب على وتر المطامع الاقليمية والدولية، في بلد يملك اضخم احتياطي نفطي في القارة. يكفي أن تلاحظوا هنا كيف أن المسؤول الاوروبي لم يرفض التقسيم كحل للازمة الليبية، ولكنه قال انه أسوأ الحلول، اي انه لا شيء يمنع الاوروبيين ولا حتى الروس من القبول غدا بفكرة تقسيم ليبيا، متى قرر الامريكان انها هي الحل، وساعتها لن يخرج المسؤولون الاوروبيون للحديث عن تمسكهم بوحدة ليبيا وحق شعبها في اختيار حكامه، بل سيقولون إن هناك مصلحة قبل كل شيء، ثم قرارا امميا لحل النزاع الليبي يجب احترامه.
قد يذرفون بعض الدموع ويرددون إنهم قبلوا بذلك الحل عن مضض، وإن غايتهم هي حقن الدماء الليبية ووقف الحرب المستعرة على حدودهم وإنهم ليسوا سعداء أو مرتاحين لتقسيم ليبيا. وإنه ما باليد حيلة ووحده احساسهم بالمسؤولية عن مصير الاف المدنيين الابرياء والعزل هو ما جعلهم ينصاعون مرغمين للامر الواقع، لكن هل أن الامور حقا بمثل تلك البساطة والسهولة؟ وهل انه يمكن أن نرى في القريب دولة بثقل وحجم ليبيا تتناثر وتتشظى في رمشة عين إلى قطع واجزاء؟
لننظر مليا إلى الغايات ونحاول الاقتراب قليلا من الهدف. فما مصلحة الامريكان والاوروبيين والروس في وحدة ليبيا أو تفككها؟ وما الذي يهمهم اكثر من الاخر الشكل والقشرة الخارجية ام الاصل والمحتوى؟ انهم يعرفون اكثر من غيرهم طبيعة الليبيين، ويدركون ضعف الدولة وهشاشتها، ويعلمون سيطرة العصبية والقبلية والانتشار المفزع للسلاح فيها. وأكثر من ذلك هم يفهمون جيدا أن هناك توازنات اقليمية ستهتز وتنهار في حال ما اذا تغير شيء ما في الجغرافيا.
لماذا اذن يلوحون الان بورقة التقسيم في هذا الوقت الحرج في ليبيا وفي نطاقها العربي، اي في مصر والسودان وتونس؟ ربما لن يكون الامر مختلفا عن إسقاط ام القنابل في افغانستان. فإثارة الرعب واستعراض القوة قد تكفي بنظرهم لتحقيق بعض النتائج المطلوبة. انهم يريدون الاستمرار في تقاسم الغنيمة الليبية في هدوء وبعيدا عن الجلبة والاضواء، ويرغبون ايضا بتوجيه رسائل مشفرة لاطراف الداخل الليبي ومن يدعمونهم ويشدون ازرهم في الخارج. وكل ما يزيد عن ذلك يبقى بنظرهم مجرد تفاصيل وجزئيات لا تستحق اهتمامهم. انهم يدركون جيدا حساسية العرب للتقسيم، ويعرفون أن طرح مسألة من ذلك النوع، حتى لو كانت بالون اختبار أو قنبلة من القنابل الوهمية، سوف يثير جدلا بيزنطيا حاميا، وربما يزيد في حدة الصراع ويقوي التنافس المحموم على الاستئثار بسلطة وثروة يدركون أن ريعها سيعود لهم بالنهاية. هل يفعلون ذلك لمجرد الالهاء والاثارة عما يحصل الان بالفعل داخل ليبيا وحتى على اطرافها؟ ومن يعلم اصلا ما الذي يجري هناك بالضبط؟ ومن يملك معطيات أو معلومات عن حجم الثروات المنهوبة وعما تفعله القوات العسكرية الغربية داخل التراب الليبي؟
لا أحد من الليبيين باستطاعته أن يعرف اي شيء من ذلك بعدما تحولت ليبيا إلى ارض مشاعة ومفتوحة بوجه القوى الخارجية الكبرى. وأمام تلك الحالة ايهما يصبح الاولى والاهم لهم؟ أن يستعيدوا قرارهم بايديهم بعدما تخلوا عنه وتركوه للامريكان والروس والاوروبيين، وحتى لبعض العرب؟ أو أن يستمروا في حروب داحس والغبراء وفي السباق الدموي الاعمى على اكتساح الاراضي وموانئء النفط ورفع رايات النصر بتحريرها من قبضة ابناء البلد؟
قد يقول قائل لقد عيل صبر العالم وهو ينتظر ويترقب سنوات وسنوات حتى يجتمع شمل الاخوة الاعداء ويتوصلوا لاتفاق جامع مانع يفك نهائيا عقدة الحكم والسلطة، ويضع حدا لسفك الدماء. ولكن كلما ظن الليبيون أن ساعة الفرج اقتربت، وان الشرق سيلتئم مع الغرب والغرب سيتصالح مع الشرق، عادت رحى الحرب تدور من جديد أكثر سادية ووحشية من السابق، وكأن الحرب صارت قدرا.
وربما لو عدنا قليلا للوراء لعرفنا أن الفخ الذي وقع فيه الليبيون قبل ست سنوات من الان، هو انهم صدقوا أن العالم الحر، الذي قدّم لهم مساعدة ثمينة للتخلص من الديكتاتور قد فعل ذلك فقط لاجل عيون الديمقراطية والحرية، وانه سيسمح لهم فور سقوطه بتدبر شؤونهم بانفسهم من دون أن يتدخل في خياراتهم أو يؤثر فيها. اما النتيجة فكانت انهم صاروا غرباء في وطنهم ورهائن بيد فصائل عسكرية تتصارع على السلطة تحت انظارهم، ولا يملكون القوة والقدرة على الوقوف بوجهها ومنعها من شرهها المفرط للقتل والتخريب.
لقد كانوا يواجهون نظاما عسكريا مستبدا وصاروا بعده في مواجهة نظم غربية تتدثر بعباءات ليبية لا هم لها سوى الاستيلاء على ثرواتهم وخيراتهم دون أن تنشغل كثيرا إن كان ذلك سيتحقق لها ببقائهم موحدين أو بتشظيهم وانفصالهم إلى ثلاثة كيانات مثلما قالت لنا «الغارديان» قبل ايام.
كاتب وصحافي من تونس

 تقسيم ليبيا أم الأكاذيب الأمريكية؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية