تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: افتتح يوم 26 سبتمبر/أيلول المعرض التشكيلي الجماعي «تواشج» الذي يتواصل في رواق القاعة البلوريّة في المعهد العالي للفنون والحرف في مدينة صفاقس التونسية إلى غاية يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 2016، حيث تمّ فيه عرض 37 عملاً فنيا هي في الواقع ثمرة تقاطع ثلاثة مسارات فنيّة مختلفة تمثّلت في الحفر الفني لسلوى العايدي، والأكواريل لرضا الغالي والرسم لبرهان بن عريبيّة.
وما يميّز هذه الأعمال أنها تجارب مقبلة من ورشات وسياقات وعوالم مسكونة بهاجس الخلق الفنيّ، لا تُخفي جميعها سعيَها إلى حفرِ طبقاتِ النُّحَاس بحمضيّاتها التخييلية، فإذا بالسطوحِ تتآكل، وإذا بالماءِ يتموّج شفيفا وممزوجا بصبغ المادة اللونية، وإذا الأكواريل يفتح له أفقا على مشارف الورق الأبيض وأكريليكها بمراوحته بين البرودة والحرارة، وبين العتمة والنور، وبين طبقاته المكثفة والشفّافة. لقد حضر كلّ هذا في مهرجان لونيّ حكمته إيقاعاتٌ ناعمةٌ آلفت فيه بين انفعالِ الفنّانين ومقاصدهم التشكيلية، فتخلّقت أكوانٌ ثرّة الدَّلالة على سطح القماشة وباقي محامل التشكيل.
مثّل المعرض نقطة تلاقٍ فنيّ حميم لمسارات تشكيلية متشابكة مع بعضها بعضا في موقع واحد، هو قاعة عرض واحدة، التقت فيها هواجس جماليّة مختلفة المشارب الثقافية ولكنّها متفقة جميعا على التأسيس لعالم أرحب وأرقى. إذْ يستقبل كلّ عمل فنيّ متلقّيه بوابل من الأسئلة الجريئة لم يتعوّد المشهد الفنيّ التونسيّ طرحها. فإذا هي أسئلة تقاوم بعنف بصري حالة الاستسلام للّامعنى، وحالة الخضوع لثقافة إفراغ الكائن من دلالاته وتغييب طموحاته. وهي ثقافة راحت تستشري بسهولة في واقع اجتماعي واقتصادي يُشجّع سِرًّا وعلانيّة على الدخول في أنساق الاستهلاك والاكتفاء بتلبية الحاجات البيولوجيّة دونما وعيٍ بحاجة الناس إلى الفنّ، وهو ما جعل الإنسان فريسة سهلة لتغوُّل مساحات الفراغ فيه، ذاك الفراغ الذي أفسح في المجال لتنامي معاطب الواقع، ولظهور آفات اجتماعية وسياسية تتقصّد إنهاكَ الإنسانيِّ في الإنسانِ.
«القدس العربي» زارت المعرض وتحدّثت مع الفنانين المشاركين فيه حول آفاق تجاربهم الفنية، وحول ما انعقدت حوله أعمالُهم الفنية من موضوعات، حيث ذهبت الفنّانة سلوى العايدي إلى القول «إنّ هذه التجربة التشكيلية التي توسّلتُ فيها تقنية الحفر الفنّي مكّنت الجسد الأنثوي من الحضور بكلّ فتنته وانكساراته، وخوّلت لنا فرصة التطرّق إلى الأبعاد الرؤيوية لموضوع الجسد، وإلى مساءلة تلك الإيروسية الحاضرة فيه بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما جعل العمل نتاجا يشبه الحلم والرؤية والتذكّر، كما أنّ هذه المساءلة الفنية ليست مجانية وإنما هي تفترض بالضرورة كشفَ خفيّاتِ ذواتنا ومعيشنا ومعاشرة اللامرئي فينا».
أمّا الفنّان رضا الغالي فيعلّق على مشاركته قائلا «تمثّلت مشاركتي في المعرض بـ18 عملا أنجزتها كلها بتقنية الأكواريل، وهي أعمال امتدّ إبداعُها على أزمنة مختلفة مع اختلاف الرؤية والتجربة، وفيها مراوحة بين اللون والمادة، وفيها تجلٍّ لما يمكن أن يفعله الزمن في عقل الفنان، فالرؤية تنحني دائما للحس والحدس الذي بدوره يستمد ذاته من الفكر ومن الذّوق».
الفنّان برهان بن عريبيّة، وهو باحث في الجماليات في الجامعة التونسية، قدّم لوحاته بقوله «لطالما كنت أعتقد أنّي تجاوزت سطح اللوحة إلى تنصيبات فنّ الموقع، رفعت لسنوات شعارات ما بعد الحداثة وعايشت الأمكنة والشوارع والساحات العامة، إلا أن طاقةَ جذبٍ أعادتني إلى التفاعل مع الأمكنة على سطح اللوحة عبر انزياحات بنائيّة ورؤى لونيّة مختلفة، أشعر بأنّي في مسار بحث دائري ولكن بنيته لولبيّة».