تَخوُّف في مَحلِّه

حجم الخط
2

عندما تبدأ سنة في الأفول وتبدأ سنة أخرى موالية في الظهور، تظهر معها كافة التكهنات والتوقعات. وعندما تكون السنة التي انسلخت من سجل التاريخ مليئة بالكوارث والنوازل المدلهمة، كما هو الوضع في العالم العربي والإسلامي، فإن التَّطلع إلى سنة 2017 نحسبها تأتي أفظع وأخطر من 2016.
الحقيقة، أو هكذا نتمنى، أننا لم نعد في عصر يؤمن بالتنجيم ولا التنبؤ ورؤية الطالع، لا بل كل شيء قابل للبحث والدراسة والتحليل، إذا نحن أحسنا النظر في قضايا العالم. والسبب الرئيس في توالي الكوارث والنوائب هو إغفالنا الرؤية السليمة للأشياء والخطاب الصادق عمّا يجري في عالم، لم يعد مستقلا عن بشر يصنعونه، وعن سياسات وطنية صارت بحكم العلائق المكثفة بين الدول والمؤسسات، سياسات دولية بالفعل. وعليه، فإن هوامش ومساحات التنجيم وضرب الحظ والتخمين كلها تتراجع وتتقلص لفائدة التحليل العلمي والمعقول، إذا أقدمت القيادات السياسية ذات النفوذ في العالم على التصريح الصادق، والتمست المصداقية في تعاملاتها، لعلّ إجماع المجلس الدولي على إصدار قرار لوقف الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، كذلك تصريح جون كيري أن حل «الدولتين» هو المخرج الصحيح للشعب الفلسطيني والإسرائيلي، لكن ما يؤسف له أن لحظة الاعتراف جاءت في وقت ضيق جدّا، أي في لحظة خروج باراك أوباما ودخول دونالد ترامب. فشدة التصريح الصادق في نهاية عام 2016، سوف يقابله عناد كاره له مع بداية عام 2017.
مع بداية عهدة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، يبدأ العدد التنازلي للتفكير في ضربة جديدة تصيب أمريكا والعالم كله معها. وهي الحالة التي شهدتها لحظة بداية عهدة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الذي انتخب عن الحزب الجمهوري على خلفية إيديولوجية اليمين إنجيليي. فقبل ما تنصرم سنته الأولى من الحكم، ومع بداية الألفية الثالثة «كوفئ» الرجل ومع كل العالم بكارثة مشهدية لم تدر في خلد خبراء المستقبليات والخيال العلمي. فقد كانت حادثة يوم 11/ 09/ 2001، نتيجة عضوية لسياسة الإهمال وعدم الاكتراث لما يجري في فلسطين، التي ما فتئت تنتظر الحل العادل، فضلا عن تنكر إدارة بوش الابن، لما ينبغي أن تتوج به إنجازات «القاعدة» على الأرض الأفغانية وتطهيرها من الوجود السوفييتي. فقد التمس قادة البيت الأبيض الجدد سياسة الفوضى الخلاقة في منطقة الشرق الأوسط، قوامها عدم الاحتفال بقضية الشعب الفلسطيني، وترك أمورها حابلها على نابلها، إلى أن تفضي للحل الذي يسفر عنه الوضع، بإرادة أصحابه أو بدون ذلك، المهم أن التلقائية والعفوية وقوة الفوضى من شأنها أن توقف الجميع على الحل المناسب. وعندما تلقت أمريكا الضربة القاصمة سارعت إلى اعتماد «الحرب العالمية» على الإرهاب بالبحث على عناصر «القاعدة» كلهم وتجفيف بؤر الإرهاب ووأد حتى محاولات التفكير فيه ومحاولة تشكيل جماعاته، على ما فعلت إدارة بوش الابن مع النظام العراقي عندما احتلته عام 2003. وإذا كانت أمريكا قد تلقت الرد من صلب ما تغاضت عنه وأهملته، فإن سياسة الرئيس الجديد وعدت بنفض يدها عن كثير من « الأشياء الدولية»، توكلها إلى مصيرها، لا تعني أمريكا ولا تحفل بها إطلاقا.
الحقيقة المرة، هي أن محاربة الإرهاب ممثلة في تنظيم «القاعدة» زمن الرئيس بوش الابن، أفضت إلى ظهور غول أعظم وأخطر بما لا يقاس من «القاعدة»، هو تنظيم «داعش» الذي يضرب في كل منطقة الشرق الأوسط، لا بل وسع جغرافيته إلى أوروبا أيضا. واليوم، وقياس الشاهد على الغائب، كما يقول علماء الأصول، فإن «شواهد» سياسة بوش الابن، قياسا على «غيبيات» ما تحمله سياسة دونالد ترامب سوف توحي للجهة التي ستضرب هذه المرة بأفظع وأشد مما جرى يوم 11/09 فالعالم كما يرى المفكر الإيطالي توني نيغري، صار إمبراطورية، بلا نظام مركزي، يمكن للضعيف أن يضرب بقوة ويسجّل لحظاته التاريخية، كما تفعل الدول الكبرى، مثلما فعل بن لادن، وما يفعله اليوم «داعش». وبتعبير آخر يفيد المعنى نفسه، بأن إمكانية الرد بأكثر من صاع متوفر للتنظيمات كما للدول، للأقوياء كما للضعفاء. وهذه أيضا من الأمور التي تتغاضى عنها أمريكا وحليفتها إسرائيل وبعض الدول الأوروبية التي لا تزال مشدودة إلى العهد الاستعماري.
وعليه، فإن عام 2017، كما سوف يجترحه قادة الحزب الجمهوري في أمريكا سوف يكون بمثابة أكتوبر 1917 الثورة البلشفية التي قسّمت العالم إلى نصفين نصف رأسمالي، وآخر اشتراكي، توالت على أثر ذلك سياسة دولية ثنائية القطبية قرابة السبعين عاما. والحقيقة المرّة الأخرى، أننا استُدْرِجنا إلى التَّفَرج على الأحداث، ونتخوف من المقبل ولا نملك القدرة على ضبطه لتلافي الكوارث السياسية الرعناء التي يقودها رجال حكم قادتهم إرادة بعض الجماهير إلى السلطة على ما جرى للرئيس الأمريكي القادم إلى البيت الأبيض. جميعنا سوف يتفرج على عواقب سياسته والفعل الإرهابي الذي سوف يتلقاه، ساعتها الكل يقول هذا ما جنته سياسته الإجرامية في حق بقية الشعوب والمجتمعات التي سقطت من اهتمام ترامب وزمرته. أما الذين يدركون السياسة الدولية بذكاء، خاصة الذين يربطون الأحداث بشكل عضوي من حيث تداعياتها ومضاعفاتها مهما كانت بعيدة في المجال والزمان، هم الذين يعلقون على الضربة القاصمة التي ستتلقاها أمريكا في عهد دونالد ترامب، إنها تحصيل حاصل لسياسة يمينية متطرفة آثمة من عنوانها الكبير: « أمريكا أكبر مما يجري في العالم».
كاتب وباحث جزائري

 تَخوُّف في مَحلِّه

د. نورالدين ثنيو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية