ثلاثة أصدقاء يحملون الاسم ذاته تجمعهم أسرار صداقة عمرها ستون عاما

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: شاء القدر أن تجمعهم صلة القرابة، المهنة والتسميات لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أن المشترك بينهم أبعد وأعمق مما يفسر صداقة دائمة الخضرة عمرها ستة عقود ونيف. ثلاثة شيوخ فلسطينيين من قضاء عكا بالجليل داخل أراضي 48 يحملون الاسم ذاته، جريس خوري. استرعى انتباهنا جلوسهم متجاورين على هامش ندوة ثقافية شهدتها عروس الكرمل مدينة حيفا التي انتقلوا للإقامة فيها ثلاثتهم. ويتفق الثلاثة بحديثهم لـ «القدس العربي» أن تجاورهم في الندوة ليس صدفة فهم مرتبطون روحيا ويتبادلون النكات والمزاح وكأنهم ما زالوا على مقاعد الدراسة الابتدائية. ويكشفون أنهم يقومون حتى اليوم بزيارات ورحلات عائلية مشتركة وبعض أبنائهم أصدقاء وكذلك زوجاتهم وإن كانت أقل لحمة من صداقتهم بطبيعة الحال. أما الضلع الأول في مثلث الصداقة الدائمة فهو جريس نجيب خوري (أبو نجيب) من قرية أبو سنان، والثاني هو نجيب نعيم خوري (أبو الوليد) من قرية البقيعة والضلع الثالث هو جريس جبران خوري (أبو أيمن) من قرية البروة المهجرة. وأنجب «المثلث الكبير» مثلثا صغيرا قبل سنوات حيث تمت تسمية أحفادهم الثلاثة بالاسم ذاته، جريس، وهم يرجون توريثهم الصداقة أيضا رغم اختلاف ملامح المسيرة. ويستهل جريس نجيب خوري (أبو نجيب) الحديث عن الأسماء بالتوضيح أن «خوري» تسمية شائعة لدى المسيحيين كـ «خطيب» لدى المسلمين.
ولماذا دامت الصداقة 63 عاما؟ سألنا جريس النجيب فرد على السؤال بسؤال: لماذا لا تدوم؟ لكنه ما لبث أن لفت إلى ان هناك عدة أسرار لديمومة الصداقة منذ 63 سنة: زمالة طلاب بارزين في مدرستهم، الثقافة المشتركة، صلة القرابة والنسب، وخلو الصداقة من اعتبارات المصلحة. كما يشير لدور المسافة القريبة لأن بعد الجغرافيا يقتل الصداقة في كثير من الأحيان نتيجة الغياب عن العين وبالتالي عن القلب. ويضيف متوددا «أحيانا النساء تقتل الصداقة نتيجة فتور استقبال بعضهم ولكن والحمد لله هذه ليست حالتنا». ويتفق معه بهذا التوصيف جريس جبران خوري (أبو أيمن) ويشير للمحافظة على المودة، المحبة، اللقاءات والاتصالات رغم مشاغل الحياة واختلاف الظروف. منبها إلى عدم وجود أي نوع من المصالح كأحد أسباب ديمومة الصداقة. كما يتفق معهما الصديق المشترك جريس خوري أبو الوليد على دور الالتزام بالوطنية والميل لأفكار اليسار رغم الاختلاف بالقرب من الهوية الحزبية والرؤية الفكرية موضحا أنه طالما تأثر بالماركسية وقرأ عنها الكثير. أبو أيمن الذي أمضى 46 عاما من عمره في تعليم اللغة العربية في عدة مدارس آخرها المدرسة الأرثوذوكسية في حيفا لا يشفى من حب لغة الضاد. وما زال أبو أيمن شغوفا بالمطالعة والروايات العربية والمترجمة أقربها لقلبه ومن تلك التي ما زال مذاقها «تحت أسنانه» رواية «قناديل ملك الجليل» لإبراهيم نصر الله وقبلها روايات بهاء طاهر. غير أنه مهتم جدا أيضا بالفلسفة التي حالت ظروف الحياة دون استكماله التعلم الجامعي فيها. أما أبو نجيب فهو رجل أرقام لا كلمات لكونه معلم رياضيات مبدع وسياسيا هو مقرب من التجمع الوطني الديمقراطي بعدما كان مقربا من الحزب الشيوعي.

مدرسة يني يني

ويروي أبو نجيب أن عائلته أصلها من البروة قضاء عكا قبل انتقالها عام 1900 لقرية أبو سنان الناجية من زلزال النكبة. ويشير إلى أن جريس جبران خوري هو ابن عمه أما جريس نعيم خوري فهو ابن عمته. ولاحقا وجد ثلاثتهم أنفسهم زملاء الدراسة في مدرسة «يني يني» في قرية كفر ياسيف المجاورة والتي اجتذبت طلابها من كل أرجاء الجليل والتي أصبح جريس نجيب خوري معلما للرياضيات فيها ومن ثم مديرها. درس أبو نجيب في الجامعة العبرية في القدس فيما درس زميلاه في جامعة حيفا وما لبثوا أن عملوا سوية في سلك التعليم. ولا تبرح التسمية المشتركة خلده فيستذكر أن الحداء الشعبي الذي أحيى احتفالية زفافه في 1964 قد تنبه للصداقة الثلاثية فقال حاديا: «جريس مع جريس تنين أصحاب» وما زال يحتفظ بالتسجيل.
وهل أثرّت التسمية الواحدة على صداقتكم بشكل غير واع؟
يتأمل جريس ويقول «لا أعرف، ربما، ولكن المؤكد أن الناس يبتسمون حينما يروننا معا» ويستذكر أن معلمة اللغة كانت تسميهم تندرا وللتمييز بينهم «جريس أ»، «جريس ب» و «جريس ج» ويضيف مبتسما «أنا كنت « جريس أ».

خوري المسلمين

جريس جبران خوري أبو أيمن هو في الأصل من البروة المهجرة أصلا وهي قرية قضاء عكا ولد فيها الشاعر الراحل محمود درويش وزادت شهرتها بلحمة المسلمين والمسيحيين فيها قبل أن تهدمها إسرائيل في 1948. كزميليه صاحبا التسمية إياها ولد أبو أيمن عام 1938 لوالد(جبران خوري) عمل كاهنا في البروة حيث سعت البطريركية في القدس وقتها لاستبداله فهب المسلمون لجانب إخوانهم المسيحيين في القرية ووقعوا عريضة تطالب بالإبقاء عليه. ويستذكر جريس أن البطريرك تسلم العريضة وفوجئ بأنها موقعة من قبل «محمد وعلي وحسن» ولما سأل حامليها أكدوا لها أن خوري البروة هو لهم أيضا ومن حقهم المطالبة بعدم استبداله لافتين لتقديرهم له ولكرم أخلاقه فلم يبق له إلا الاستجابة لمطلبهم، ولاحقا كتب الأديب الياس خوري عن ذلك في روايته «باب الشمس» وكذلك الأديب حنا إبراهيم في مذكراته.

 ثلاثة أصدقاء يحملون الاسم ذاته تجمعهم أسرار صداقة عمرها ستون عاما

وديع عواودة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية