ثورة جيل الثمانينيات على التنميط الإجتماعي والسياسي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: من المرات القليلة التي يعلق فيها شباك التذاكر لافتة كاملة العدد لأسابيع طويلة من أجل عرض مسرحي، خاصة أن العرض لا يضم نجوم صف أول مشهورين، أو فرقة مسرحية لها تاريخ طويل من الأعمال الجماهيرية، لكن العرض المسرحي «1980 وانت طالع» الذي تقدمه فرقة ستوديو البروفة، كسر هذه القاعدة، واستطاع أن يربط الجمهور مرة أخرى بخشبة المسرح، حيث يشهد العرض على مسرح الهوسابير في وسط القاهرة إقبالا جماهيريا كبيرا، خاصة جيل الشباب الذي يمثل الشريحة الأكبر بين الحضور، العرض الذي انطلق منذ عامين وحصد 3 جوائز من المهرجان القومي للمسرح يجدد نفسه تلقائياً ليتواصل مع الأحداث اليومية التي تمر بها مصر، فيعيد صياغتها بأسلوب ساخر يحمل الكثير من الاسقاطات الاجتماعية والسياسية المباشرة على ما ألت إليه الأوضاع في مصر، خاصة بعد ثورتي يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران.
اختار صناع العمل، وهم مجموعة من الوجوه الشابة، فترة زمنية محددة تمثل متوسط أعمارهم ما بين الخمسة والثلاثين عاماً الماضية، أي جيل فترة الثمانينيات، الذين يعتبرون اليوم جيل الشباب، ويرصد العمل ثورة هذا الجيل على الموروثات الاجتماعية التي لا تتجانس مع إيقاع العصر، والتي يتمسك بها الآباء ويحاولون تطبيقها على ابنائهم، لكنهم يتمردون على أسلوب آبائهم ويرفضون كافة أشكال الوصاية ويتمسكون بحقهم في الاختيار، ويتصاعد هذا التمرد على كافة أنواع التنميط، بما فيها الحق في اختيار العقيدة، وأسلوب الحياة. ويكشف العمل المسرحي من خلال اسكتشات قصيرة منفصلة الحكايات، متصلة بوحدة الموضوع عن الظروف الاقتصادية والسياسة على مدار 30 عاما ماضية، التي حوّل فساد حكمها جزءا كبيرا من هذه الفئة العمرية إلى نماذج مهمشة وطاقات مهدرة، اختزلت داخلهم عدة أزمات نفسية، نتيجة الشعور بالقهر الإنساني وعدم تمكنهم من الحصول على أبسط حقوقهم، بتوفير فرص عمل تمكنهم من الزواج والعيش حياة كريمة، وبالتالي ينتج عن ذلك ارتفاع معدلات البطالة والعنوسة بين الشباب.
انقسم العرض المسرحي إلى طرح عدة نماذج تعبر عن القهر الإنساني لجيل الثمانينيات عامة وللمرأه خاصة، حيث تتعرض للتمييز، كونها في البداية امرأه ثم كونها امرأة عربية، بينما أحال العرض بداية اضطهاد المرأه من البيت الذي تنشأ فيه، حيث يتم تمييزها عن اخواتها الذكور، ثم يبدأ التمييز في محيط العائلة ثم المدرسة وتتسع الدائرة إلى الشارع ثم دعاة التدين فالمجتمع ككل، لم يدن العرض أسلوب التربية فقط ولكنه ربطه بالقهر الاجتماعي الذي نشأ فيه جيل الآباء حتى أنتج مشاعر خوف تدريجياً، لكن اختلاف الأجيال افرز جيلا أكثر قدرة على التمرد، هذا الجيل استطاع أن يقود ثورة على نظام فاسد سرق منه حقه في التعبير عن أحلامه، العرض يعبر عبر تفاصيله الدقيقة عن ثورة جيل الثمانينيات على التنميط الاجتماعي والسياسي، الذي لا يتناسب مع طموحاتهم ولا مع إيقاع أفكارهم، عبر العديد من الإسقاطات السياسية المباشرة، خاصة على النظام الحاكم الذي تولى السلطة بعد ثورة الشباب في يناير/كانون الثاني 2011، و ما تبعه من فترة حكم المجلس العسكري التي اتسمت بالدموية في التعامل مع المتظاهرين، ثم صعود الإخوان للحكم والممارسات العنيفة التي تعاملوا بها مع معارضيهم باسم الدين، ثم إعادة إنتاج نظام الحكم العسكري الذي أهدر أحلامهم وقضى على أمل الدولة المدنية.
أكثر ما يتميز به هذا العرض هو جرأة فريق العمل في مواجهة السلطة الحاكمة، خاصة انتقادهم لممارسات جهاز الشرطة الذي لم يتغير حتى الآن، رغم تضييق الخناق على الأعمال الإبداعية والفنية التي تهاجم النظام الحالي، ولم يتوقف العرض عن هجاء الحاضر، لكنه قفز إلى المستقبل في اسكتش كوميدي عن أحوال المصريين عام 2150 الذي رصد فيه تدهور المشاعر والأخلاق الإنسانية، مع ثبات الوضع السياسي واستمرار المعارضة على شاكلة ما يحدث الآن، القليل من الأمل مع الكثير من مواصلة التمرد كونه السبيل الوحيد للمقاومة من أجل الحصول على قدر وفير من الحرية.
تجنب مخرج العرض محمد جبر استخدام الكثير من الديكورات والملابس والاكسسوارت وأضفى ملامح السواد على خلفية المسرح، حيث تعبر عن الشحنة النفسية المأساوية التي تعكس حالة القهر والمعاناة التي يعيشها أبطال العمل، ترك المخرج الفضاء المسرحي مفتوحا أمام الشخصيات الأربع عشرة، يسرد كل منها حكاية تختلف في التفاصيل وتتقابل في النتائج، ثم يعودون ليجتمعوا في أوبريت غنائي ينتقد الوضع السياسي بحوار مباشر ومفتوح، يحتمون فيها بملابس المجانين، وهي دلالة رمزية يستمدون منها قدرا من الحرية، فلا أحد يستطيع أن يحاسب المجانين على أفعالهم، بينما يستقر الشباب بين جدران السجون أو المقابر.
مع بساطة الديكور الذي يكاد يخلو إلا من بعض المقاعد الذي يستخدمها الممثلون أحياناً، يأتي أيضاً الابتكار في أسلوب الدعاية الذي يتبعه المخرج مع غياب الإمكانيات المادية للإعلان عن العرض، حيث يطلب المخرج من الجمهور أن يدعموا العرض بالترويج له بأنفسهم بين أصدقائهم، ونشر الصفحة الرسمية للفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، في الوقت التي تعاني فيه عروض مسرح الدولة التي تنفق على إنتاجها آلاف الجنيهات من تراجع الإقبال الجماهيري على المسرح، الجمهور أثبت على أرض الواقع أن العمل الجيد يأتي بالجمهور أيا كان جنسه الفني.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية