بدأ يوم الاستقلال باحتفال الازدواجية الاخلاقية لإحياء 50 سنة على الاحتلال الذي بدأ في 1967. والتتمة ستأتي في يوم القدس الذي يحيي عمليا اقامة الصيغة الاسرائيلية لبلدات السويتو المجاورة ليوهانسبوغ التي كانت الرمز الاكبر للابرتهايد. لقد اصبح الاحتلال الاسرائيلي في 50 سنة ووجوده الاستيطان الاستعماري المنفلت العقال في مجال الوجود الضيق المتبقي للشعب الفلسطيني. فإلى جانب النتيجة الاكثر مأساوية للحرب اياها – الاحتلال المستمر والظلم الذي تحيقه اسرائيل بالفلسطينيين – توجد قصة اخرى: 50 سنة من الكفاح ضد الاحتلال. لقد شهد هذا الكفاح فترات مختلفة، وغير مرة تعرض لمظاهر السخرية من جانب المشككين، بمن فيهم اولئك الذين لسبب ما يسمون انفسهم رجال اليسار. من جانب محافل اليمين اصطدم الكفاح بطوفان من الكراهية، التحريض والعنف.
بسبب الخوف العميق في اليمين من المعارضين القلائل للاحتلال – نشطاء من عدة منظمات شجاعة، مثل «نحطم الصمت»، «بتسيلم»، «يوجد حد»، «محسوم ووتش»، مقاتلون في سبيل السلام»، «تعايش» وغيرها – يتخذ الناطقون ضدهم لغة منفلتة العقال وتحريضية ويعتبرونهم خونة وطابورا خامسا. ويذكرنا هذا التحريض احيانا باقوال انطلقت في المانيا في بداية عهد النظام النازي.
وأبدعت في ذلك نائبة وزير الخارجية تسيبي حوتوبيلي، ووزير الدفاع افيغدور ليبرمان. اللذين بسبب جهلهما لن يعرفا، على ما يبدو، بأنهما يكرران اقوالا قالها الناطقون بلسان الحكم في المانيا في 1933، ممن دعوا إلى القتال ضد الاعداء الخارجيين والاعداء الداخليين للدولة. في حينه كان هؤلاء هم اساس البلاشفة السوفييت واليهود الالمان. اما عندنا فيقصد محرضو اليمين، حماس، والمنظمات المكافحة ضد الاحتلال.
لا غرو أن هذا التداعي الفكري لم يثر صرخات النجدة من النوع الذي اثاره مقال يوسي كلاين في «هآرتس».
فمسموح تشبيه «نحطم الصمت» بحماس، في ظل التلميح بأنهما اعداء ابناء موت. ولكن تشبيه المسيحانية الدينية الفاشية والعنيفة بحزب الله – هذا محظور لا سمح الله.
ان وجه الشبه التاريخي لا ينبغي أن يكون مفاجئا. فالمكافحون ضد الاحتلال هم اقلية صغيرة وعديمة القوة السياسية الحقيقية، وكل وجودها يعتمد على تضامن دوائر في المجتمع لا تسير اسيرة خلف موجات التحريض، ومحافل دولية خارجية. ولكن في الحالتين في اسرائيل اليوم وفي المانيا في حينه فإن «الاعداء من الداخل» هم الرمز الذي يثبت على الملأ بأن ما تفعله الدولة هو غير قانوني وغير اخلاقي على نحو ظاهر. هم صوت الضمير في المجتمع الذي فقد ضميره، وعملهم هو النقيض لنظام الاضطهاد. هذا ما يجعلهم خطرين ومهددين بهذا القدر.
رغم العداء العميق تجاه العرب، والذي يتغذى بنزاع دموي مع منظمات المقاومة الفلسطينية التي اتخذت اعمال الارهاب الاجرامي ضد الابرياء، فقد نجح النشطاء المتفانون في 50 سنة مقاومة للاحتلال في ان يغرسوا في الوعي الاسرائيلي الحاجة إلى تصفيته.
في ذات الطريق كان هؤلاء قلة من الافراد، مثل غيورا نويمن، غادي الغازي، اوري افنيري، عاموس كينان، دان بن آموتس، حانوخ لفين، البروفيسور يشعياهو ليفوفيتش وآخرين، وكذا منظمات صغيرة مثل «مستبين»،»سيح»، «حركة السلام والامن»، «حداش» «وهعولام هزيه – قوة جديدة».
ترفع الشعلة اليوم فتيات شابات مثا: تئير كامينار، تمار زئيفي، تمار الون وعتاليا بن آفا. لرفضهن عنصر جديد لم يكن قائما تقريبا في اوساط المكافحين ضد الاحتلال قبل 20 أو 30 سنة. لقد كانت مسألة رفض الخدمة في الجيش الاسرائيلي اشكالية، في اوساط مقاومي الاحتلال ايضا كاد الاعتقاد لان الحديث يدور عن وضع قابل للتراجع، وان الخدمة في الجيش الاسرائيلي هي واجب مبدئي يجب القيام به. اما اليوم فهذا ليس الوضع. بعد 50 سنة من الايام الستة يصبح الاحتلال ضما استعماريا وحشيا، يخلق أبرتهايد في الضفة والغيتو مغلق في غزة. في هذا الواقع، فإن طريق الفتيات الرافضات ليس شرعيا فقط، بل ومبررا اخلاقيا. ولكن هذا بعيد عن ان يبعث الامل في تطوير حركة كفاح حقيقية ضد الضم. بعد 50 سنة من الكفاح الشجاع خارج البرلمان يجب التفكير ايضا بالاستخدام العاقل للادوات البرلمانية. في الكنيست لا تعمل اليوم سوى قائمتين تواظبان على المعارضة التي لا هوادة لها للضم: ميرتس والقائمة المشتركة. هذان هما الحزبان الوحيدان اللذان يضعان على رأس جدول أعمالها الكفاح ضد التهديد الوجودي الاكبر الذي يربض على ابواب اسرائيل – تحولها إلى دولة أبرتهايد عنصرية وعنيفة. وبالمناسبة، فإن كل واحدة من هاتين القائمتين لا تحظى بالدعم الا من بين ابناء جماعة قومية ودينية واحدة من الشعبين اللذين يعيشان هنا. ولكن بدون شراكة بين ممثلي الشعبين، لن يكون ممكنا التقدم بنجاعة في حل يسعى إلى انهاء الاحتلال ويوقف الضم.
ترى ميرتس والقائمة المشتركة بانسجام معظم المواضيع التي على جدول اعمال المجتمع الاسرائيلي. ممثلوهما يتشاركون في معظم اوجه الكفاح في مجالات المجتمع والرفاه الاجتماعي والمساعي لحماية الديمقراطية المنهارة في اسرائيل. واقامة جبهة كفاح مشتركة لا تعني اننا ملزمون بأن نتفق على كل شيء. في الماضي عرفت منظمات تقاوم الاحتلال كيف تتعاون في حالات مختلفة رغم عدم الاتفاق في مواضيع معينة. ولكن منذ 1967 لم تكن حاجة اكثر من اليوم لاقامة اطار كهذا، قبل لحظة من ان يؤدي الضم، السلوك الاستعماري والمسيحانية القومية لاسرائيل إلى الانزلاق نحو ارتكاب جرائم حرب فظيعة اكثر بكثير.
ان التاريخ اليهودي بالذات يمكنه أن يعلم فصلا هاما معارضي الضم المترددين لاقامة جبهة كفاح مشتركة. ففي أواخر الثلاثينيات، طرح على البحث في الاحزاب اليهودية في بولندا مسألة التعاون في الكفاح ضد اللاسامية المتصاعدة في الدولة. وكان مثل هذا التعاون يعتبر رؤيا شبه طوباوية إذ كان هناك ارثوذكسيون من اعضاء اغودات يسرائيل، صهاينة، اشتراكيون ومناهضون للاشتراكيين، بونديون يعارضون الصهيونية بعناد، ومنظمات وجماعات اخرى ذات مصالح مختلفة. ورغم كل الخلافات عرف الجمهور اليهودي كيف يتعاون ويعمل ضد التهديد الوجودي على الجماعة اليهودية.
لشدة الاسف، فإن ائتلافا يهوديا عربيا كهذا لمكافحة الضم لم يقم بعد في اسرائيل. شخصيات كزهافا غلئون، وايمن عودة، يمكنها أن تكون من يقيم هذه الجبهة ويقودها. وحسمهم الشجاع من شأنه ان يبعد عن التجمع الجديد الناشيء محافل غير مرغوب فيها توجد في الحزبين، ولكن لمثل هذه الجبهة طاقة كامنة هائلة لاجتذاب جماعات جديدة من الشعبين، ولادخال هبة ريح منعشة لصفوف الكفاح.
فضلا عن ذلك، فإن مثل هذا الائتلاف يمكنه أن يشكل بنية تحتية للتنظيم اللازم لمواجهة الخطر الاكبر الذي قد يكون يكمن من خلف الزاوية: محاولة اليمين جعل اسرائيل دولة مركزية تصفي الديمقراطية، تحل منظمات المقاومة وتدفع إلى الامام اجراءات اجرامية اكثر فأكثر في المناطق. هذا وضع سيتطلب كل القوى المقاومة لاتخاذ قرار من النوع الذي اتخذه ابراهام لينكولن في 1861، حين قال لابناء شعبه بشجاعة بأنه توجد لحظات في تاريخ الامة يكون فيها الشرخ والحرب الاهلية افضل من تخفيض الرأس والاستسلام لروح الوحدة المرفوضة، باسم قيم غير انسانية. ففي نهاية المطاف، هل الخطر الوجودي الكامن في الضم للشعبين اللذين يعيشان هنا اصغر من الخطر الذي حدق بيهود بولندا من اللاسامية المتصاعدة في الدولة في الثلاثينيات؟
هآرتس 12/5/2017