بيروت ـ «القدس العربي»: احتضان النساء اللواتي يتعرضن للعنف الأسري وحمايتهن كان الهاجس الأساسي للمنظمات التي تخوض معركة القضاء على العنف في لبنان. لكن الحماية وحدها ليست الحل. فالنساء المعنّفات كنّ خلال جلسات المساندة تفصحنّ بوضوح عن أن تقديم الدعم لهن وتمكينهن ليس كافياً، بل أن المطلوب هو التكلم مع الزوج. فكان أن خاضت منظمة «أبعاد» التي تعنى بقضايا مناهضة العنف ضد المرأة تجربة «مركز الرجال»، الذي يهدف إلى العمل مع الرجال بشكل مكمل لسياق القضاء على العنف ضد المراة وتدعيم النساء وتمكينهن للخروج من أي وضعية عنيفة في حياتهن.
وقد بدأت هذه المقاربة تتبلور أكثر منذ عام 2012، من خلال تجربة «أبعاد» التي بنتها على تجارب بلدان أخرى ونتائج دراسات ابحاث، وفق مديرية البرامج في «أبعاد» رلى المصري التي تنطلق من أن القضاء على العنف هو جهد مستمر فعال ومستدام، وتُدرج «مركز الرجال» في هذا الإطار، ذلك أنه لا يكفي تمكين المرأة إذا كنا نتطرق لكيفية معالجة العنف ضد المرأة بشكل مستدام».
هي تجربة تشكل تحدياً في ذاتها. أن يلجاً الرجال إلى مركز طلباً للمساعدة ليس بالأمر السهل في مجتمعات شرقية مبنية على منظومة ثقافية ذكورية تعبّرعن القوة والسيطرة. على مدى السنوات الخمس، هناك 347 رجل استفادوا من خدمات المركز. طابع السرية يغلب على الجلسات الخاصة بين الرجل والمعالج. نصف المسار يكون قد تحقق حين يدرك الرجل أن لديه مشكلة في «إدارة الغضب» ولا بد له من أن يعالجها، فيأتي إلى المركز، فيما النصف الأخر من المسار يتمثل في إيجاد الطريقة المثل للعلاج.
ما يسعى إليه المساعدون، تقول المصري، هو بلورة نوع من إدراك على المستوى العقلي، وكيف يتحول هذا الإدراك إلى تغيير جملة مواقف ومفاهيم لترجمتها لاحقاً على منظومة السلوك عند الرجال. وهذه عملية لا تنتهي في جلسة واحدة أو جلستين، بل تحتاج إلى جلسات طويلة قد تصل أحيانا إلى 25 جلسة وعلى مدى 9 أشهر عدة، وأحياناً إلى 8 أو 12 جلسة للوصول إلى حالة الإدراك العقلي ليصبح هناك تغيير في الموقف والمفهوم بأن العنف ليس السلوك الأوحد، ويجعلهم يخسرون على المدى البعيد في العلاقات الزوجية والأسرية. العمل هو مسؤولية مشتركة بين الجانبين ويحتاج إلى مثابرة وضبط وسيطرة. وقد شاركنا كثيرون في تجاربهم هم كيف أن الخدمة النفس- اجتماعية قد ساعدتهم على القيام بإجراء تحليل ذاتي حسب الوضعية التي يكونون فيها، بحيث يدركون بألاّ يلجاؤا الى العنف كردة فعل أولى.
ولأن السلوكيات المجتمعية تم تعزيزها في إطار تنشئة اجتماعية معينة، فإن تغييرها مسار لا يحصل بين ليلة وضحاها. فأحيانا ينحج الرجل في البداية في أن يُغيّر سلوكه ومن في المرة الثانية قد يخفق فيعود الى السياق الاول. العمل هنا هو على تفكيك المنظومة التي تمت على أساسها التنشئة الاجتماعية للفتيان والرجال في المجتمع، وجعلهم يصلون إلى فهم أن هذا شيء مكتسب وأن تغييره ممكن. وبالتالي كيف يمكن أن يكتسبوا سلوكيات جديدة يشعرون أنها تتماشي مع مفاهيمهم ومنظومتهم وقيمهم. هو مسار ليس أفقيا بل هو حلقة ممكن أن يكون فيه عودة الى الوراء.
القضاء على خط التأهيل
وبدا المنحى نحو إدراك حاجة الرجل المُعَنِف إلى مساعدة نفس- اجتماعية يتعزز مع اتخاذ المشترع اللبناني في «قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف السري»، الذي أقره في الأول من نيسان 2014، خطوة في هذا الاتجاه، من خلال المادة 20 التي تحدثت عن «أن للمحكمة، إضافة إلى العقوبات المقررة وفق أحكام القانون، أن تلزم مرتكب العنف الأسري بالخضوع إلى دورات تأهيل ضد العنف في مراكز متخصصة.»
وفي رأي الباحثة في شؤون المرأة والجندر عزة شرارة الأمين، « أن سياق الكلام التأهيل الذي أشار اليه القانون، وإن كان غامض الصياغة، (…) يشي بأن االقصد من وجود هذه المادة هو توفير ما من شأنه ضمان التغيير الجذري في سلوك ممارس العنف واتجاهاته، وقيَمِه ضمناً. وتنطوي المادة على فكرة مفادها أن العقاب الذي سيناله الجاني، وإن كان ضرورياً، قد لا يكون كافياً لمنع العنف عن المرأة في الأسرة، ولا عن سائر أفرادها.»
ويدفعها وجود هذه المادة في قانون يدعي «الحماية» للمرأة المعنفة هو بمثابة التصريح، من جانب المشرّع، بأن هذه الحماية لا تتحقق على نحو فعّال، ولا تكون مستدامة، إذا لم نعالج الأصول المسببة للعنف الأسري الذي فرضها.فإذا كانت الحماية ضرورية لدرء الخطر الآني الذي يحدثه ممارس العنف على المرأة وعلى أفراد الأسرة، فإن استدامة هذه الحماية تفترض معالجة مصدر العنف، وهو ممارس العنف نفسه.»
الاتجاه الغالب على الدوام لدى المنظمات المعنية بالعنف ضد النساء هو إيلاء المعنَفات أو الناجيات من النساء الدعم واعتماد الدرسات على شهادتهن وتجاربهن في رسم ملامح ممارس العنف الشخصية والأسرية وسلوكه. ما قامت به الباحثة عزة الأمين هو بحث ميداني بالتعاون مع المحامية دانييال الحويّك لدراسة أحوال الرجال، ممارسي العنف، من منظورهم الذاتي. وكيف يعرفون أنفسهم وما هي رواياتهم للعنف الذي يمارسونه في إطار أسرهم، واتجاهاتهم نحو المرأة ونحو العنف، ونحو الحلول التي يتصورنها لحالهم، وموقفهم من تدخل الدولة في المجال الأسري.
دراسة نشرتها منظمة «أبعاد» في كتاب تحت عنوان «العنف الأسري: رجال يتمكلون»، وتراها ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة يمليها تطبيق قانون حماية النساء بطريقة تخفف إلى الحد الأدنى من عثرات مرتقبة بفعل تدخل القضاء المدني للمرة الأولى في محال الحياة الأسرية من بابه الواسع.»
الدراسة شملت 9 حالات ممن أصدر القضاء بحقهم بأحكام بمنع التعرض لزوجاتهم وترك المنزل الزوجي لفترات متفاوتة وبعضهم ألزمهم الخضوع لجلسات تأهيل، وحالتين تقدما طوعياً للعلاج النفس بهدف التخلص من السلوك العنفي. والحالتان الطوعيتان تلقي المساعدة من منظمة «أبعاد» التي لا تستقبل إلا حالات طوعية وليس إجبارية إنطلاقاً من قناعتها أن صفة الاجبار تتعارض مع مبدأ العلاج لنفسي، ولا يمكن أن تكون علاجاً فعالاً. ليس العلاج فعال. فعنصرالرغبة في التغيير يجب أن يكون متوفراً.
مختلفون..ومتشابهون
نتائج الدراسية الميدانية، تظهر أن أعمار الرجال المبحوثين تراوحت بين 31و 53سنة، فيما راوحت أعمار زوجاتهم بين 21 و 51 سنة. ورواح الفروق بين أعمار الزوجين بين 3 و14 سنة. وتزوج الثلثان قبل عمر الثلاثين ولم تكن 80 في المائة من زوجاتهم قد بلغن عمر 25 سنة، فيما راوحت مدة زواج المبحوثين بين 4 إلى 23 سنة. تلك الوقائع تدفع الباحثة بيضون إلى الاستنتاج دون التعميم إلى أن معظم هؤلاء الرجال راشدون منذ زمن غير قليل، لكنهم لم يطوروا مع ذلك وسائل تفاوض لحل الأزمات في أسرهم تليق برشدهم، بل لا زالوا يلجاؤن إلى العنف ضد زوجاتهم. كما أن وزجاتهم لم يتعوّدن على العنف، وغير مستعدات للتآلف معه. وأقمن دعاوى عليهم بموجب القانون 293/2014. وهذه النتائج تقول بيضون إنها تلتقي مع نتائج أبحاث أجريت عل الزوجات اللواتي يتعرضن للعنف، واللواتي التمسن مساعدة المنظمات غير الحكومية المعنية بمناهضة العنف العنف ضد المرأة. وتذهب الاستناجات إلى أن الرجال المعنِفين ليسوا من منطقة محددة أو طائفة أو ملة معينة أو مستوى علمي واحد. فالدراسة تشير إلى أن الزوج قد يلجأ إلى تعنيف زوجته، مهما كان المذهب الذي يعتنقه أو المنطقة التي ولد فيها. وربما الاستنتاج المهم أن الادعاء بأن الدين الإسلامي، بعكس الدين المسيحي يشرّع العنف ضد الزوجة ويسوّغ له بـ«شروط»، ويجعل ضرب الوزجة مقبولاً لدى الطوائف الأسلامية هو ادعاء لا سند له في العينية التي شاركت في الدراسة. وفي المحصلة، فإن المتهمين بممارسة العنف ضد زوجاتهم يمكن أن ينتموا إلى أية فئة اجتماعية- ثقافية، فلا تستثنى فئات بعينها من الازواج من تهمة التعنيف.
والرجال يختلفون في أمور عدة لكنهم يشتركون في التبرير (التسويغ) للعنف الذي مارسوه. وهو تبرير اشترك فيه الذين أقروا ممارسة العنف والذين أنكروا القيام به أيضا. وكان من الملاحظ وجود تناقض صارخ بين ما جاء في ادّاء الزوجات المثبت في الوثائق القانونية وبين الكلام في روايات الأزواج، حيث أنهم يبقون على نكرانهم لما جاء في التقارير، رغم أن بعضهم تعهد أمام القضاء تعديل سلوكع العنفي!.
واللافت أن الرجال الأحد عشر، ودون استثناء، يجمعون على أن زوجاتهم مسؤولات عن اتجاهاتهم العنفية. ويشكتون من قصور زوجاتهم عن أداء الأدوار النسائية المرغوبة اجتماعيا، سواء في خص دورها داخل المنزل أو إعلاء صورة زوجها لدى الأخرين وأن تحمي تلك الصورة.
«هي تستفزني» جلمة ترددت كثيراً في الحوارات. فألى أي مدى يمكن أن تمكن اعتبار أن المرأة تتحمل مسوؤلية في جر الرجل إلى استخدام العنف؟ سؤال لا تعتبر المنظمات المعنية بمناهضة العنف ضد المراة صالح للانطلاق بالنقاش منه. تقول المصري: العنف ليس أداة أو وسيلة تواصل. بل هو يعكس دينامية قوة يسيطر فيها الرجل على المرأة . واي سوء تفاهم يمكن ان يحصل بين زوجين او شخصين، لا يبرر أبداً لجوء أحد الطرفين للعنف. فهناك طرق لحل النزاع بطرق سلمية وتواصل فعال اكثر.
تغّيير المفاهيم مسار طويل
صعوبة تغيير المفاهيم لدى الرجال الذين يلجاؤون إلى العنف كـ»وسيلة تواصل» مردها، في رأيها، إلى أن الثقافة المجتمعية دائما تحمّل المرأة والنساء مسؤولية ما يجري. وهذه الثقافة الذكورية والأبوية تعتير أن على المرأة أن تُضحّي، وُتلقى عليها المسؤولية دائما في أي نوع من المشاكل الأسرية، حتى إذا تزوج عليها الرجل. وبالتالي، إذا كنا نريد التصدي لهذه المنظومة الثقافية لا نستطيع ان ننطلق من هذه المنظومة بل علينا ان نغيّرها.
وتضيف المصري: نحن لا يمكن في عملنا مع الرجال أن ننطلق من أن المرأة تتحمل مسؤولية أوضاعهم، أو اأنها هي تستفز الرجل أو ان تصرفاتها او كلامها ممكن أن يكون بشكل استفزازي، ما يستوجب رداً عنيفاً. لماذا؟ لأننا ننطلق من ان النساء والرجال في قناعتنا ومعظم قناعات منظمات المجتمع المدني الذين يعملون على قضايا العنف ينطلقون من فكرة أساسية، وهي أن النساء والرجال متساوون في الحقوق والواجبات، وفي الحقوق التي تنص عليها الاتفاقيات الدولية، مثل حقوق الطفل، حيث لا شيء يبرر أن يكون الطفل يضرب من أهله. هذه منظومة ثقافية تمارس هذه العادات والتقاليد. ونحن نقول أن هناك اساليب اخرى للتربية الحديثة تنص على انه ممنوع ان يكون العنف هو وسيلة للتواصل مع اي كائن سواء كان طفل او إمراة، وحتى في التعاطي مع الحيوانات. العنف هو ثقافة مرفوضة.
المعنّف يتحمل مسؤولية بشكل أساسي. هذه مقاربتنا في «مركز الرجال»، توكد مديرة البرامج في منظمة «أبعاد». ولكن نسعى إلى البحث مع الرجال على الدوام من أي أتى هذا الفهم لردة فعلهم العنيفة. وربما هذه هي القيمة المضافة في المركز. صحيح أن هناك مسؤولية عليهم تجاه تصرفاتهم ولكن في الوقت نفسه نستطيع أن نفهم العوامل أو الدوافع او الخلفيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤول على هكذا تصرف.و نحلل معه تلك العوامل التي تدفعه الى ان يستخدم اسلوب التواصل العنيف ونريده أن يفهمها كي يتوقف عن القيام بها.
وما أثاره الرجال في الدراسة عن المنظمات الداعمة للمرأة يظهر مدى الغضب منها وتحمليها المسؤولية لتدخلها بشؤون عائلية، والسؤال عما إذا تلك المنظمات قد أضرت أو أفادت هو سؤال بحد ذاته ليس محبباً للمنظمات التي تعنى بشؤون القضاء على العنف لاضد النساء، إذ من وجهة نظرها أنه في غياب شبه جزئي لمنظومة قانونية حامية للنساء والإحساس ان هناك عدم تكافؤ بين النساء والرجال في الأدوار والمسؤوليات، وهناك مسؤولية مضاعفة على النساء وهناك حقوق منقوصة قانونياً وثقافياً واجتماعياً، فإن هذا يجعل منظمات المجتمع المدني داعم أساسي للنساء للحصول على حقوقها، وأن تكنّ متمكنات وامامهن كل الخيارات والفرص، وأن يكون الرجال يتعاطون ويتصرفون انطلاقا من خلفيات مفهومية مبنية على المساواة وعدم على استخدام الحظوظ الذكورية.
فوجود هذه الجمعيات هو ضروري بشكل أساسي لتمكين النساء وتدعيمهن وتوعيتهن على الخيارات التي ممكن ان تختارها، تذهب المصري إلى مشطارة موقف الجمعيات الزميلة، لكنها تؤكد أن عمل منظمة «أبعاد» مع الرجال يهدف للقول لهم ان الرجال ليسوا بوجه النساء، بل أن الرجال والنساء بوجه أي تمييز أو عنف.
لكن ثمة مسألة لا يمكن إغفالها، وهي أنه منذ أن صدرت تشريعات لحماية النساء في العام 2014 وبوشر بتطبيقها عبر قرارات وبطلب حماية قضائية بحق الجاني – الزوج، أدى بعضها إلى تداعيات سلبية وصلت إلى حد إقدامه على قتل زوجته التي كانت تقدمت بشكوى لدى القضاء وطلبت الحماية.
هذا الواقع يدفع بالمتابعين لشؤون المرأة الى اعتبار الغوص فيه أمرأً شائكاً ومعقداً وحساسة جداً، ولا يمكن مقاربتها بالتطرق إلى جزئية معينة وإغفال أخرى لأن المعالجة ستأتي عندها منقوصة وخاطئة. فالمشكلة ليست في الأحكام القضائية، بل في وجود نقص حيال دراسة الملامح السيكولوجية للرجل العنيف في مجتمعنا، ما يؤشر على الحاجة للعمل بين كل الجهات المعنية بالعنف الأسري من أن تتكامل الجهود والأدوار لضمان ألاّ تكون الأحكام القضائية دافع لإحساس الرجل بأنه جرى تجريده من رجولته، فيثبتها من خلال استخدام السلاح، كما حصل في حالتي سيرين روحانا وفاطمة الأمين. فحين صدر حكمان قضائيان بحق زوجيهما، قاما بقتلهما!.