على الذين لم يفهموا لماذا لم يستطع جيّب بوش، نجل الرئيس الأمريكي جورج هيربرت بوش، الاستمرار في السباق على ترشيح الحزب الجمهوري له في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة ان يقرأوا كتاباً بعنوان «الرئيس الـ41، صورة عن والدي» كتبه الرئيس السابق جورج دبليو بوش (ترأس أمريكا بين عامي 2000 و2008) والذي قاد غزو العراق عام 2003.
ففي النسخة الورقية الصادرة مؤخراً لهذا الكتاب الذي أتم بوش الابن كتابته خلال عام 2014، يحاول ان يُظهر التشابه الكبير بين شخصيته وشخصية والده الذي ترأس الولايات المتحدة من عام 1988 حتى 1992 ثم خسر منصبه أمام بيل كلينتون. كما يحاول ان يركز على المحبة والتفاهم الكبير بينه وبين والده وعلى تبادلهما النصائح والدعم في أصعب وأدق المراحل من رئاستيهما.
ولكن يبدو ان الأمريكيين عموما، لم يقتنعوا بهذا التحوير (أو ربما التزوير) للحقيقة، إذ عاش عدد كبير منهم من الفترتين (فترة الأب والابن) وشعروا باختلاف كبير بينهما، وما عادوا يصدقون أن جيب بوش سيكون مختلفاً عن أخيه جورج الابن فقط لكونه ابن جورج هيربرت بوش الذي اضطلع بأدوار رئيسية ناجحة نسبياً في بلده بينها تمثيل أمريكا في الصين وتحسين العلاقة معها، واحتلال منصب نائب الرئيس (خلال فترة رئاسة رونالد ريغان) حيث طوّر العلاقة بزعيم الاتحاد السوفييتي آنذاك ميخائيل غورباتشيف وجذبه إلى المعسكر الغربي وساهم في تحول الاتحاد السوفييتي إلى روسيا الاتحادية الأقرب إلى الغرب كما تسلم مناصب أمنية بارزة بينها إدارة «المخابرات المركزية الأمريكية» واشرف كرئيس أمريكا على عملية تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1990 وعلى تنظيم مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط بمساعدة وزير خارجيته جيمس بيكر.
في الفصل العاشر من الكتاب، يقول جورج بوش الابن ان والده أخرج صدام حسين من الكويت، ولكنه لم يُكمل العملية مع ان كثيرين من مستشاريه وأعوانه نصحوه بإكمال العملية عبر الهجوم العسكري على العراق وإسقاط صدام آنذاك (عام 1991).
ويضيف بوش الابن في الفصل نفسه قائلا: «عندما تسلمت مهماتي كرئيس، عام 2001، شعرت أن أفضل وسيلة لضبط تسلح النظام العراقي بأسلحة الدمار الشامل تكمن في إحتواء نظام صدام حسين عن طريق فرض العقوبات الصارمة. ولكن بعد حدوث هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 تغير العالم، فقد قتلت «القاعدة» ثلاثة آلاف شخص على الأرض الأمريكية وأبلغتني الوكالات الأمنية عن امتلاك صدام أسلحة كيميائية وبيولوجية وحتى نووية. وحشيتُ ان يتشارك صدام في هذه الأسلحة المدمرة مع الإرهابيين، وخصوصا انه كان يقدم مساعدات مادية لعائلات مرتكبي التفجيرات الانتحارية الفلسطينيين وانه استخدم أسلحة كيميائية ضد شعبه. وقررتُ، منذ بداية عام 2002 وضع حد لخطر صدام حسين، وكنت أحاول إنهاء ما بدأه والدي. ذهبت إلى الأمم المتحدة، كما فعل والدي عندما حرر الكويت ورأيت ان صدام تمرد على 16 قرارا من قرارات الأمم المتحدة، فعملت ابتداء من تشرين الثاني (نوفمبر) مع قادة العالم لاصدار القرار 17 الذي يشكل فرصة صدام الأخيرة للإمتثال. كما ذهبت، إلى الكونغرس حيث حصلت على تأييده. وكوالدي، نسقتُ مع القادة العسكريين. وتبين لي ان الحل العسكري هو الخيار الوحيد لمواجهة خطر صدام». وهنا، يضيف جورج بوش الابن مقطعاً قد يثير شكوكاً في صدقيته في ادعائه استشارة والده في الأمور الأساسية حيث يقول (ص 208 ـ 209): «أرسلتُ نسخاً عن مذكرات أمنية كانت تصلني إلى والدي لأضعه في صورة ما يحدث، ولكنني لم أسأله عما يجب ان أفعله. فمثل هذا القرار يجب ان يتخذه رئيس الجمهورية وحده». ويعود فيقول انه وفي لقاء عائلي مع والده عام 2002، أبلغه والده ان قرار شن الحرب قرار صعب وعلى الإنسان ان يسعى إلى كل الخيارات الأخرى قبل إتخاذه. ثم يبرر جورج بوش الابن قراره شن الحرب في 19 آذار (مارس) 2003 انه وجّه رسالة إلى والده صباح ذلك اليوم طارحاً مسألة كونه اتخذ القرار الصحيح، فاجابه والده بانه يحبه أكثر مما يستطيع اللسان ان ينطق به، وبالتالي فإنه فهم أن الأب يدعمه عاطفيا ومن قلبه. ولكن القارئ يشعر وكأن الابن يحاول ان ينسب إلى والده مواقف لم يتخذها أدت إلى الكوارث في العراق.
وفي مكان آخر في الفصل نفسه، يقول بوش الابن انه اختار تبديل سياسة أمريكا في العراق عام 2007 فقرر اعتماد سياسة دعم الحكومة العراقية، وإطلاق «الصحوة» لمواجهة منظمة «القاعدة» ومن بعدها «تنظيم الدولة الإسلامية» في العراق وجواره.
وبدلاً من ان يعترف بخطئه ويربط الوضع الحالي المتأزم بالأخطاء التي ارتكبها بغزوه العراق عام 2003 بالطريقة الاحادية التي فعلها يقول (ص 211) «مستقبل العراق غير واضح، وأنا أقول ذلك عام 2014. ومن أجل أمن أمريكا وأمن الشعب العراقي أتمنى ان نفعل ما يجب فعله من أجل هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، وإتاحة المجال أمام حكومة العراق الديمقراطية للنجاح». ويضيف: «هناك شيء واحد مؤكد وهو أن الشعب العراقي، والولايات المتحدة والعالم عموما هم أفضل حالياً من دون صدام حسين في السلطة. أعتقد ان قرار والدي في تحرير الكويت عام 1991 كان مصيباً، وقراري أنا، في العراق بعد مرور 12 سنة على قراره، كان مصيبا أيضا».
يظهر بوضوح ان جورج بوش الابن ما زال غير نادم على ما فعله في العراق عام 2003 وعلى انعكاساته الحالية، ويوّدُ استخدام ما فعله والده لتحرير الكويت عام 1991 كحجة لتبرير ما فعله هو في العراق على الرغم من ان الوالد إمتثل للقرارات الدولية فيما قام هو وأعوانه بتجاوز الكثير من الشرائع الدولية والإنسانية.
كما أن بوش الابن يتجنب الإشارة إلى ان نائب رئيسه ديك تشيني، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس استأثروا بالقرارات وشكلوا مجموعة ضغط ضد جميع الذين مثلوا سياسات والده والذين ضمهم إلى ادارته في الفترة الأولى ثم وافق على إقصائهم أو عدم الاستماع إلى مشورتهم في فترات لاحقة، وبينهم وزير الخارجية كولن باول، ووزير الخارجية السابق في عهد والده جيمس بيكر الذي كان والده يثق به ثقة كبيرة وحاول مراراً إستخدامه لتوجيه النصائح والرسائل إلى ابنه من دون جدوى.
ولعل من المفيد الإشارة إلى ان جورج بوش الابن ربما ساهم بشكل غير مباشر في خسارة والده الانتخابات الرئاسية لعام 1992. وكان الأب متردداً في اتخاذ هذا الموقف ولكنه استمع إلى نصيحة ابنه.
ولما عادت فضيحة «إيران ـ كونترا» إلى الواجهة خلال الأسابيع الأخيرة من حملة بوش الأب الرئاسية لعام 1992 (بعد إدانة كاسبر وايتبيرغر، وزير الدفاع في عهد ريغان وبوش، بالضلوع فيها) لم يعُد بيكر في موقع يسمح له بإن يساهم منه في دعم بوش الأب في مواجهتها مواجهة فاعلة.
وعودة هذه القضية إلى البروز بالإضافة إلى دخول مرشح ثالث في السباق الرئاسي (روس بيرو) استقطب عدداً كبيراً من أصوات بوش الأب، أدتا إلى خسارة الأخير انتخابات عام 1992، أي ان نصائح بوش الأبن لم تكن مجدية بل كانت سلبية.
ويلاحظ القارئ أن خروج جيمس بيكر من وزارة الخارجية حدث مباشرة بعد نجاحه الكبير إلى جانب بوش الأب في مؤتمر مدريد للسلام العربي ـ الإسرائيلي، واتخاذه مواقف صلبة ضد إسرائيل وقادتها. كما أن الضغوط التي مارسها المحافظون الجدد في إدارة بوش الأبن على وزير الخارجية الأول في عهده (كولن باول) كانت مكثفة، حسب مصادر مختلفة، بينها كتاب لمايكل موريل، نائب المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بين عامي 2010 و2013 بعنوان: «الحرب العظيمة في عصرنا». وهذه الضغوط حسب موريل، أدت إلى استقالة باول، علماً ان موريل عمل في الوكالة 33 عاما وكان على اتصال دائم بجورج بوش الأبن خلال رئاسته ويقدم إليه التقارير اليومية.
كل هذه الأمور، لم يتطرق إليها بوش الابن في كتابه عن والده، سوى انه قال في أحد مقاطع الكتاب انه عندما قرر إقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد من منصبه وتعيين روبرت غيتس مكانه، طلب من نائب الرئيس ديك تشيني إبلاغ رامسفيلد بالقرار. وهنا أيضا، يتساءل القارئ عما إذا كان بوش الابن يخشى خلال رئاسته مجموعة المحافظين الجدد التي سيطرت سيطرة كبيرة على قراراته، أكان ذلك في شن الحرب على العراق، عام 2003، أو في قراراته الأخرى بعد ذلك. كما قد يُطرح سؤال آخر عما إذا كان بوش الأب ومن خلال خبرته العارمة التي اكتسبها من المناصب البارزة التي تسلمها، يخشى مواقف نائب رئيسه دان كوايل أو أي عضو في حكومته، كما خشي ابنه المسؤولين الآخرين من المحيطين به؟
وفي العودة إلى عدم حماسة الشعب الأمريكي عموماً والناخبين الجمهوريين الأمريكيين لترشيح جّيب بوش، شقيق جورج دبليو بوش واضطرار جّيب إلى الانسحاب من السباق، فربما أنهم بعدما أعطوا ثقتهم لواحد من أبناء بوش الوالد، البطل القومي (في رأيهم) وفرّط فيها، فإنهم يخشون إعطاءها لابن آخر قد يسير في خطى أخيه.
والمؤسف ان جورج بوش الابن ما زال لا يدرك هذا الأمر أو أنه يتجنبه عن قصد، حيث يشبّهُ والده بالزعيم البريطاني ونستون تشرشل الذي كان ينهض دائما ويفوز بعد الهزائم ويقول انه هو شخصيا ساهم في انتصارات والده وفي فتح الباب أمام أخيه جيب للإنتصار!
George W. Bush : 41 : A Portrait of My Father
WH Allen, London 2015
304 pages.
سمير ناصيف