حفاظا على وقف إطلاق النار في غزة

حجم الخط
0

أحداث اليوم الأخير في قطاع غزة تترك مجالا لقليل من التفاؤل الحذر في المستوى السياسي وجهاز الأمن. منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في منتصف ليلة الجمعة ـ السبت جرى تشخيص بالون حارق واحد فقط أطلق من القطاع يوم السبت، صحيح أن هذا البالون سبب حريقا كبيرا في كيبوتس ناحل عوز، لكن هذا يعدّ انخفاضًا متواصلًا مقارنة مع الـ (10 ـ 20) حريقًا في المتوسط في اليوم، التي سجلت في الشهرين الأخيرين. لم توقع إسرائيل على أي اتفاق مع حماس، لكن في مجمل التفاهمات غير الرسمية التي نقلتها المخابرات المصرية لرئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات، جاء هذه المرة بصورة واضحة أن حماس ستهتم بوقف إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة. مصر تعهدت بأن تهتم بذلك أيضًا، فهذان يعتبران تغييرين بارزين مقارنة مع وقف إطلاق النار السابق الذي انهار في نهاية الأسبوع قبل الأسبوع الأخير.
في إسرائيل يعزون التغييرات إلى قوة هجمات سلاح الجو على القطاع يوم الجمعة، التي رافقها تهديد صريح من وزير الدفاع ليبرمان بشن حرب. وقد قيل لوسائل الإعلام الإسرائيلية إن حماس تراجعت أولا، وقيل أيضًا إن حماس نقلت عبر عدد من قنوات الوساطة رسائل توسلت فيها من أجل وقف إطلاق النار.
هذا الوصف لتطور الأحداث يتجاهل حقيقة أن حماس طلبت وقف إطلاق النار بعد أن نفذت ما أرادت، حين قتلت الجندي افيف ليفي بنار قناص انتقامًا لقتل نشيط في الذراع العسكرية لحماس قرب الجدار في اليوم السابق. التفاؤل النسبي أيضا لا يأخذ في الحسبان الصعوبة التي واجهتها مصر في السابق عند التزامها بالتعهدات التي أخذتها على نفسها في إطار الوساطة بين طرفي المواجهة. ورغم أن حماس تظهر في الوقت الحالي القدرة على ضبط مطلقي الطائرات الورقية إلا أنه لا يمكن القفز عن تغييرات أخرى في معادلة القوة في القطاع. الفصائل الفلسطينية الأصغر التي تسمى «المارقة» تستطيع إشعال تصعيد جديد. والجهاد الإسلامي الممول من إيران يمكنه سحب الأوراق إذا بادر بعملية خاصة به.
إذا تم الحفاظ على الهدوء فسيكون على إسرائيل وحماس اجتياز الحاجز التالي والأعلى؛ فحماس تتوقع تسهيلًا عاجلا في الحصار على قطاع غزة مقابل وقف إطلاق النار، والجيش الإسرائيلي يوصي الحكومة بتقديم تسهيلات واسعة. ليبرمان الذي زار أمس معبر كرم أبو سالم وعد بفتحه من جديد أمام الحركة المنتظمة للبضائع يوم الثلاثاء إذا حوفظ على الهدوء.
ولكن الفلسطينيين يتوقعون أكثر من ذلك، يتوقعون بداية علاج أساسية لمشكلات البنى التحتية في القطاع، تكون مصحوبة بالمصادقة على مشاريع اقتصادية جديدة وخروج عمال للعمل في شبه جزيرة سيناء وربما في إسرائيل أيضًا. لن تكون إسرائيل مستعدة لفحص هذه الخطوات طالما لم يتم حل مسألة الجنود والمفقودين الإسرائيليين في قطاع غزة. ولأن حماس تشترط الصفقة بإطلاق سراح عشرات السجناء من الضفة الذين أطلق سراحهم في صفقة شليط ثم أعيد اعتقالهم في العام 2014م بعد اختطاف الفتيان الثلاثة في غوش عصيون ـ فنحن في الحقيقة نعود إلى نقطة البداية.
هناك مخرجان محتملان للجمود، وقد طرحا مجددًا في الأيام الأخيرة، الأول يتعلق بطرح الخطة الأمريكية لإعادة إعمار القطاع التي نشر مبعوثو إدارة ترامب أجزاء منها في مقالات في وسائل الإعلام الإسرائيلية. والثاني، المرتبط به، يستند إلى اختراقة محتملة في المفاوضات الطويلة حول المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية. الوفود من غزة ورام الله حاضرة منذ فترة طويلة في القاهرة. ثمة عملية واسعة تشمل هذين الأمرين يمكنها إبعاد خطر الحرب. وحتى الآن يبدو أنه ما من أحد من الأطراف المشاركة، إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية، مستعدًا للقيام بخطوة أخرى ضرورية من أجل تسريع إعادة الإعمار.
في جنوب سوريا، أنقذ الليلة الماضية (422) شخصًا من أعضاء منظمة «الخوذ البيضاء» مع عائلاتهم، وهي المنظمة التي عالجت مصابي نظام الأسد الذين أصيبوا من بين القوات المتقدمة في الجيش السوري. تلك المنظمة التي كانت مرشحة لجائزة نوبل للسلام، كانت في السنوات الأخيرة إحدى رموز المكبس القاتل الذي استخدمه بشار الأسد ضد دولته بمساعدة القصف العشوائي لسلاح الجو الروسي.
حقيقة أن تقارير «الخوذ البيضاء» عن نشاطاتها كشفت خطورة جرائم الأسد وأدت إلى حملة إعلامية مضادة واسعة ضد المنظمة من قبل روسيا. استجابت إسرائيل لطلب عدد من الدول الغربية وأخلت أعضاء المنظمة من سوريا عبر أراضيها في هضبة الجولان، ومن هناك إلى الأردن. الأردنيون استجابوا لطلب وجودهم على أراضيهم لبضعة أشهر (إضافة إلى 1.3 مليون لاجئ سوري يوجدون حاليًا داخل حدود الأردن)، وذلك مقابل تعهد حكومة بريطانيا وألمانيا وكندا باستيعاب النشطاء وعائلاتهم فيما بعد. ولكن هذه العملية الاستثنائية أيضًا تؤكد على ما ليست إسرائيل مستعدة للقيام به. هي لن تستوعب لاجئين من مناطق المعارك في الجولان أو مقاتلين من منظمات المتمردين. هؤلاء يجب عليهم التوصل إلى اتفاقات استسلام مع النظام وأداء قسم الولاء للأسد. سيحدث هذا في وقت قريب في معظم مناطق هضبة الجولان في الوقت الذي يقوم فيه سلاح الجو الروسي بقصف الجيوب التي يسيطر عليها مقاتلو داعش في جنوب هضبة الجولان.

هآرتس 23/7/2018

 حفاظا على وقف إطلاق النار في غزة
إعادة إعمار جذرية للقطاع هي التي ترضي الفلسطينيين وتجعلهم يوقفون العنف
عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية