«حَمَامٌ كثيف» لعيسى الشيخ حسن… الكلمة الشِّعرية وكثافة المعنى

حجم الخط
0

ينهضُ الشّاعر السوري عيسى الشيخ حسن إلى عَالم القصيدة، في تعانقٍ واضح بين لغتي امرئ القيس ورياض الصَّالح الحسين، ولكن لا لغة الأول يُسمح لها بالهيمنة ولا لغة الثاني تستبدُّ بالشاعر، بقدر ما يتعلق الأمر بإطلالة على «الأطلال» و»اليومي» معاً. برهةُ رنوٍ، وهنيهة استئناس؛ لإحداث الانعطافة الشِّعرية المرتقبة؛ فتنبثق القصيدة محمَّلة بتوقيعٍ لا تخطئه القراءة.
هكذا بجلدٍ وأناةٍ يتيح الشَّاعر للكلمة الشِّعرية أن تنمو وتكتسب كينونتها بعيداً عن الانخراط في الألعاب المجانية للغة؛ فثمة «كلمة شعرية» تتكثَّف، تترمَّز، تتشفَّر بفعل تقاطعٍات شائكةٍ بين الخبرة والتَّجربة واللحظة الشّعرية.، هذه هي شؤون العَلامات الشِّعرية في «حَمَام كثيف»، المجموعة الأخيرة للشَّاعر وما سبقها من علامات شعرية سابقة.

خصوصية العنونة

تكتب خبيرةٌ في شؤون الاستعارة: «الاستعارة النَّادرة تظهر فقط بشكلٍ نادرٍ، لأنَّ الاستعارات المبتدعة نادرة»، ولذلك فهذا العُنوان وعكس ما تفعل العناوين عادةً، حيث تقود القراء إلى جغرافيات النَّص وعوالمه، يلوذ به القارئ وينسى النَّص، فثمة هوة يفتحها العنوان فتكبح تقدُّم القارئ. هنا لا يتوقف الأمر عند عتبة تفاوض سيعبرها القارئ إلى «الهدف ــ النص»، فالعتبة لا تَجْسِرُ هنا، وإنما تهبطُ فجوةً بينها وبين النَّص، عنوانٌ يشتغل لحسابه الخاص في أن يكون نصاً بذاته ولذاته. «حَمَام كثيفٌ»، يتخذ الاستعارة طيةً له، ثم يخطفك خطفاً، فينفتح متخيَّلٌ شعريٌّ، قوامه الدَّهشة والابتكار والفرادة. هذا الفرضُ الجماليُّ يدفع القارئ إلى تسويغه تفسيراً وتأويلاً.
لا شكَّ في أن الاستعارات المبتكرة لا تنبثق من عدمٍ، وعلى الأغلب تقتنص أغبرتها وموادّها وذراتها من نطاقات قيد الاستعمال أو خاملة، لكن الشاعر يتعامل معها وفق استراتيجية مختلفة، حيث يزحزحها عن مواقعها ودلالاتها عبر الزَّج بها، بهذه الأغبرة اللغوية، في سياق يتيح للصورة أن تنبض بمعنى جديد، لذلك تكتب إيلينا سيمينو في كتابها «الاستعارة في الخطاب»: «أنظر إلى التعبيرات الاستعارية على أنها جديدة أو إبداعية أو مبتدعة، عندما لا يصبح المعنى الاستعاري وثيق الصّلة معجمياً». ومن هنا؛ فالعنوان الماثل أمامنا يجسد هذه الرؤية على نحو واضح، فالمدوَّنة العربية تقدّم كثيرًا من التعبيرات القريبة من العنوان، فـ»الكثيف» اسم يدلُّ على الثبوت(صفة مشبهة) يوصف به الماء والسَّحاب والعسكر، وفي موازاة هذه التَّعبيرات التي ترزح تحت وطأة التداول، يأتي العنوان ــ الصورة = (حَمَامٌ كثيفٌ) بدلاً من التعبير التداولي (حمام كثير) ليقوّض قيود التداول، ويشرع معنى جديدا بالتوهج والاشتعال تحت وطأة الإزاحة، ليكتسب «الحَمَام» دلالات التداخل وكثرة العدد والغزارة، من خلال صفة «الكثافة» غير المعتادة في توصيف «الحمام» بها. وهنا تنبثق الجِدة وتضيء عالماً جديداً، لذلك فــ» الاستعارات التي نقرؤها في الأعمال الأدبية، هي أكثر جدة وابتكارية، من التي نقرؤها في أعمال أخرى (غير أدبية). هذه الاستعارات تجعلنا نعيد النَّظر في تجاربنا وخبراتنا، بشكل جيد يغلب عليه التبصُّر والنفاذ إلى جوهر الأشياء». بهذا «العنوان ـــ الصُّورة» يعيدنا الشَّاعر إلى العَالم، عالم الأُنس، إلى عَالم الكينونة، حيث الوئام بين الإنسان والطير، فكلاهما الحَمَام والإنسان؛ كلٌّ منهما يدلُّ على الآخر، هكذا يعيدنا الشِّعر إلى العَالم بوصفه أشياء وكائنات، العالم في بدائيته، فـالصِّفة البدائية تظهر «في الشِّعر في صورة لغة» كما يرى أحد نقاد الكلمة الشعرية.
وفي انعطافةٍ أخرى يمكن لنا أن نتساءل ماذا لو أنَّ الشَّاعر تَرَكَ عَلامة العنوان دون تشكيل؟ أي «حمام كثيف»، لاشكَّ أنَّ ذلك سيدفع القارئ لتوسّيِع الأفق الاحتمالي للمعنى بإضافة احتمالين آخرين للمعنى: «(2): حِمَامٌ كثيف» و»(3): حُمَامٌ كثيف»، من حيث إنَّ «الحِمَام» دالٌّ على قضاء الموت وقدره والحُمَام»: حُمَّى وهي علة ترتفع معها حرارة الجسم، كما تفيدنا المعرفة المعجمية في اللسان العربي.
إنَّ هذه الصيغ الثلاث للعنوان تجد صداها في تضاريس النَّص، ولاسيما أن «المأساة السورية» تتحكم بالنّصوص الشِّعرية. ومن هنا فالعنوان بإمكانيات المعنى الإضافية يتنادى بقوة مع هسهسة الموت المبثوثة في النُّصوص؛ غير أنَّ العنوان في صيغته الأولى «حَمَامٌ كثيف» يتسيد مشهد التَّحاور والتَّفَاعل مع النَّصوص بحضوره اللفظي والدَّلالي:»وحدي أنا/لا أجد من ألعب معه إلا الكلمات/أصوّب على المعنى/بقلب صيّاد عجوز/أطلق للتوّ/حماماته من القفص/وترك القنص/إلى الأبد». تنبثُّ عن الشَّذرة الشِّعرية أصداء تماثلاتٍ قوية بين (الشاعر والصياد المثقل بالخبرة)، (الكلمات والحمامات)، (تحرير المعنى وإطلاق الحمامات من القفص)؛ وهكذا فالحمام الكثيف ليس إلا هذه القصائد المثقلة بالمعنى بين دفتي المُجموعة الشّعرية، كما لو أنَّ العنوان (حَمَامٌ كثيف) ما هو إلا نبأٌ عن (نُصُوصٌ كثيفة) تحاصر القارئ بكثافاتها وإشاراتها وعلاماتها.

تضاريس التَّناص

جغرافيا نصوص المُجموعة تتشكّل بفعل ضرباتٍ قوية من التَّفاعلات التَّناصية هنا وهناك، فثمة تحاورٌ مع شذراتٍ وأشكال شعرية تنحدر من أزمنةٍ نصية مختلفة، وهذا ما يمنح نصوص المجموعة ثراءً بنيوياً وكثافاتٍ دلاليةً. وفي هذا الصدد يهيمن التفاعل الثري عبر التحاور مع المدوَّنة الشِّعرية الكلاسيكية في نصوص كثيرة، وهذه التناديات والتصاديات بين اللحظة الشِّعرية الراهنة وتلك الكلاسيكية تمتاز بالتلميح والترهين وتكشف عن الدور النشيط للموروث، في تشكيل الذاكرة الشِّعرية لدى الشاعر، بصورة تُخضع الموروث للحظة الشّعرية الراهنة لا العكس: «الحمامة النازحة في الأرض الجديدة/ تحنُّ إلى الدّالية هناك/ الحمامة حسبتها جيداً/ الصباح للرزق/ الليل للهديل… أقرأ بهدوء وطناً أسيراً/ أقول: «أيا جارتا لو تشعرين بحالي»؛ هنا تترى التَّماثلات قويةً: الحمامة النائحة مع الحمامة النازحة، أبو فراس الحمداني المعتقل لدى الروم مع «الشَّاعر ــ القارئ»، كلا الشَّاعرين يبث شكواه إلى حمامته؛ وفيما يبوح أبو فراس شكواه الشَّخصية، حيث نُسِي َهناك في السجن، لتلك الحمامة النائحة بقربه، يوسّع الشاعر الثاني من تراجيديا المأساة الشخصية، لتغدو مأساة وطن وقد وقع أسيراً بين براثن الاستبداد والقتلة وعصابات الشر. وبذلك يجعل الشَّاعر «الحمامة» التراثية ــ كعلامة ــ تؤدي دوراً سيميائياً مضاعفًا؛ وقد غدت حمامة نازحة مثلها مثل الشاعر الذي يقرأ ذاته الغريبة فيها، في شؤون الحمامة النازحة، فكلاهما وطن أسيرٌ، وكلاهما يبثُّ شكواه للآخر، الحمامة بهديلها والشاعر بنائحةٍ من نوائح أبي فراس المؤلمة. غير أنَّ التفاعل مع شذرة تميم بن مقبل الشَّاعر المخضرم، تكشف عن تفاعل إبداعي شرسٍ مع التراث الشعري عبر اللعب مع العلامات وتوسيع مساحات اليأس ذاته يقول تميم بن مقبل:
«ما أطيب العيش لو أنَّ الفتى حجرٌ تنبو الحوادث عنه وهو ملموم»
يلتقط عيسى الشيخ حسن هذه الصّرخة معرِّضاً إياها للعبة التناص: «أنا حجر قديم/ لم أتشظَّ من نيزك/ لم يقذفني بركان على درب/ حجرٌ قديم/ أمي الأرض، وبناتي الحصى التي هناك/ وضيوفي لا أتذكرهم تماماً».

ولا يتسع المجال هنا لتحليل المساحات التناصية الكثيرة؛ حيث لا تخطئ العين العلامات الدالة على تفاعل الخِطاب الشِّعري مع مستويات مختلفة من النُّصوص، فالسطوح النَّصية تشهد تفاعلات مع شذرات شعرية أو غنائية حديثة: (أعطني الناي، ورقات تطفر في الدرب، عمي يا بياع الورد…إلخ)، لكن ما يلفت الانتباه في هذا التفاعلات هو توجّه الشاعر نحو أشكال الكتابة في القصيدة النثرية، ولاسيما التناص الواضح مع هذه الأشكال التي تبلورت بشكل حادٍّ على مستوى سياسات كتابة قصيدة النثر في أعمال الشَّاعر السوري رياض الصالح الحسين، بل إمعاناً في هذا التناص يشير الشاعر إلى رياض الصالح الحسين في مظان المجموعة، لكنه لا يستسلم للعبة التماثل التناصي، إذ يُغني نثرياته بالصور المدهشة، ويقطع الطريق على التشاكل الذي التهم كثيرًا من نصوص قصيدة النثر، هذا التنويع في عمليات التَّفاعل منح المجموعة الشعرية ثراءً وغنى.

طيّات المجاز

ثمة تشاكل ينهض بين اللغة في ممارساتها الخطابية والجغرافيا، فعلى سبيل المثال فالطَّيات تغيراتٌ تُصيبُ بنيةَ الأرض فتحدث بها تعاريج وتعقيدات تضاريسية، هكذا هو شأن المجاز حين يعتور اللغة، فيحدث فيها انعطافاتٍ وموانع تمنعه من التواصل، وهذه الطيات تنهض بقوة في النَّسيج اللغوي للنَّص، فتتشكل جراء ذلك كثافات دلالية تومض بقوة وعنف، لتحدث الفارق بين الشِّعر واللاشعر:» كان الجيران يجفِّفون الأمل/ مونةً للشتاء»، فالانتقال المتبادل بين المحسوس (أشياء تُجفّف) والمجرد (الأمل) في فضاء هذه الصُّورة، تدفع بالمتخيَّل الشّعري إلى آفاق شاسعة، عالم متكامل ينهض من تعالق كائنات الصُّورة، فرغم كل معوقات الحياة ثمة مَنْ يتأمل أن يأتي زمن مختلف، زمن ملؤه الدهشة والانخطاف: « في الطريق إليكِ/ كانت الغيمة خصلة عنب/ وكانت الريح دالية». ينسج الشَّاعر صورة حسية من عناصر الطبيعة، هكذا في الطريق إلى اللقاء ثمة ما هو مختلف لا يسمح بالعرف أن يتسيد المشهد، ثمة لقاء تتقمص في لحظته الغيمة عنباً والريح دالية، عالم جديد يحاصر الشوق المهرق، ويحتفي به في الطريق إليكِ! الصُّور الشّعرية تشرق في نصوص المجموعة التي تقدم لنا عوالم شعرية ناضجة، تفاعل مع عوالم مختلفة، لكن الكلمة الشّعرية لا تتخلف عن وظيفتها الجمالية في إضاءة هذه العوالم بشكيمة واقتدار:

«السوريون يقرؤون البحر
يا ليلى
هناك في القاع
يضعون رجلاً على رجل
ويرفعون البحر بأيديهم
كجريدة الصباح»

٭ كاتب سوري

 «حَمَامٌ كثيف» لعيسى الشيخ حسن… الكلمة الشِّعرية وكثافة المعنى

خالد حسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية